أحدث الأكاذيب التي كشف عنها المحافظون الجدد في واشنطن هي تلك المصطلحات السامة مثل \"الفاشيين الإسلاميين\" و\"الفاشية الإسلامية\". إنها العبارات الطنانة التي يتداولها أقصى اليسار والأصوليين المسيحيين في أمريكا.
وقد سجل الرئيس جورج بوش الأسبوع الماضي نقطة باستخدام مصطلح "الفاشيين الإسلاميين" عندما كان يتحدث عن حزب الله وحركة حماس - وبالمناسبة كلاهما حزبان منتخبان بطريقة ديمقراطية-، كما أن وزيراً في الحكومة الكندية من حزب المحافظين قارن حزب الله اللبناني بالنازيين الألمان.
مصطلح "الفاشيين الإسلاميين" لا معنى له على الإطلاق، ولكنه معبأ بالمفجرات العاطفية. فهو مجرد افتعال لدعاية إعلامية، وهو أحدث تعبير في آلية الأكاذيب الكبيرة التي يستخدمها المحافظين الجدد في الحرب الدعائية التي تشنها واشنطن ضد أعدائها في العالم الإسلامي.
لقد ابتكر هذا المصطلح القبيح لأول مرة في إسرائيل- كما هو الحال في مصطلح الإرهاب، ذلك المصطلح الدعائي الذي حقق نجاحاً هائلاً- لتشويه سمعة خصومها ولتجريدهم من إنسانيتهم، ولإنكار أية دوافع عقلانية أو سياسية لما يقومون به، وبالتالي رفض أي إمكانية للتعامل مع مظالمهم ومطالبهم.
وكما عبر عنه ذلك الإنسان الرائع السير يوستينفو Ustinvo، "الإرهاب هو حرب الفقراء، والحرب هي إرهاب الأغنياء Terrorism is the war of the poor, and war is the terrorism of the rich ".
وكلا المصطلحين "الإرهاب" و "الفاشية" أسيء استغلالهما، وبولغ في استخدامهما إلى حد كبير لدرجة أنهما فقدا معانيهما الأصلية. وأفضل التعريفات الحديثة التي قرأتها للفاشية كان في كتاب رائع بعنوان ""تشريح الفاشية The Anatomy of Fascism" لروبرت باكستون Robert Paxton وهو أستاذ سابق في جامعة كولومبيا.
ويعرّف باكستون Paxton جوهر الفاشية، التي يسمي "حممها العاطفية" بأنها: 1) تجسيد لحالة شعور بأزمة لا يمكن معالجتها بالوسائل التقليدية، 2) إحساس المرء بأن جماعته هي الضحية، لتبرير أي عمل يقوم به بدون أية قيود قانونية أو أخلاقية، 3) رغبة أحد الزعماء في الحصول على سلطة تتجاوز القانون، بالاعتماد على قدراته المتفوقة، 4) حق الشعب المختار في الهيمنة على الآخرين بدون أية قيود قانونية أو أخلاقية، 5) الخوف من "تلويث" الأجانب.
تتطلب الفاشية حروب متعاقبة، وغزوات خارجية، وتهديدات داخلية لإبقاء الأمة في حالة من الخوف، والقلق، وارتفاع الروح الوطنية. والذين يختلفون مع هذا الوضع يوصفون بالخونة. ويشير باكستون Paxton إلى أن جميع الأنظمة الفاشية تحالفت مع الأحزاب التقليدية المحافظة وشركات الصناعات العسكرية.
ويقول باكستون Paxton أن النظم ذات التوجهات المحافظة والعسكرية المفرطة ليست بالضرورة نظم فاشية. فالفاشية الحقيقية تتطلب عدواناً مستمراً في الخارج وحالة من الافتتان شبه الديني في الداخل.
ولكن تحليل باكستون Paxton هذا، لا ينطبق في أي من الجماعات الإسلامية التي تعارض السيطرة الأمريكية والبريطانية على الشرق الأوسط. والجماعة الفاشية الوحيدة التي ظهرت في الشرق الأوسط هو حزب الكتائب الماروني المسيحي اللبناني الذي ظهر في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، ومن سخرية القدر، أن أصبح هذا الحزب حليفاً لليمين الإسرائيلي في ثمانينيات ذلك القرن.
ومن الغريب أن تشاهد إدارة بوش وتوني بلير يصران على إشاعة حالة من التوتر السخيف لإيهام الناس بأنهما يخوضان الحرب العالمية الثانية مرة أخرى. ووجه الشبه الوحيد بين ذلك العهد ويومنا هذا هو زراعة الخوف، وحمى الحروب والحقد الديني-العنصري الذي يبثه المحافظون الجدد والجناح اليميني المتشدد في أمريكا التي أصبحت الآن تغلي بالحقد والكراهية تجاه كل ما هو مسلم.
وتحت ذريعة خوض "الحرب العالمية الثالثة" ضد "الفاشية الإسلامية" أصاب اليمين الأمريكي المتطرف أمته بعدوى الاستبداد التي أصابت رواد الحرب العالمية الثانية.
لقد أصبحت كراهية المسلمين من السمات الأيديولوجية الرئيسية للأحزاب اليمينية في العالم الغربي. حيث أننا نشاهد ذلك أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، والدنمرك، وبولندا، ومؤخراً جداً في كندا، كما نجده بشكل مهذب جداً في بريطانيا، وبلجيكا. كما أن الضجيج الهائل الذي حدث حول الرسوم الكاريكاتيرية المعادية للمسلمين بشكل سافر والتي نشرت في الدنمرك، أدى إلى فضح وتعرية المحاولات الحثيثة لنشر كراهية الإسلام في المجتمع الغربي.
ولا يوجد في أي مرحلة من مراحل تاريخ العالم الإسلامي ما يشبه دول الشركات الفاشية في التاريخ الغربي. وفي واقع الأمر أن المجتمع الإسلامي التقليدي الذي يقوم على العشائرية، وبهياكله السلطوية الممزقة، وولاءاته المحلية، وما يتصف به من إجماع في اتخاذ القرارات، يكاد يكون بعيداً كل البعد عن فاشية الدولة في الغرب الصناعي.
ومع أن العالم الإسلامي يعج بالأنظمة الدكتاتورية القمعية، والممالك الإقطاعية، والدول الفاسدة التي يحكمها العسكر، إلاّ أنه ليس من بين هذه الأنظمة كلها، ما ينطبق عليه التعريف القياسي للفاشية، مهما كان سيئاً. ومعظم هؤلاء في واقع الأمر، حلفاء لأمريكا.
بل لا ينطبق حتى على الجماعات الفدائية الإسلامية السرية (الجماعات "الإرهابية" حسب المصطلحات الغربية). فهي إما أن تركز على تحرير الأرض من المحتل الأجنبي أو الإطاحة بالأنظمة "غير الإسلامية" أو لطرد النفوذ الغربي من منطقتهم، أو لفرض حكم ديني يقوم على الديمقراطية الإسلامية الأولى (أي الشورى).
يدعي المحمومون من المحافظين الجدد أن المسلمين الراديكاليين الذين يخططون لفرض خلافة إسلامية على العالم بشكل أو بآخر، فاشيين بشعين، وهو مثال آخر من آلية الأكاذيب الكبرى التي طالما طبقت كثيراً في العراق.
وكما يقول البروفيسور أندرو بوسورث Andrew Bosworth في مقالة له عن ما يسمى بالفاشية الإسلامية "أن الأصولية الإسلامية حركة عالمية معارضة بشدة للقومية المزيفة والتي هي ضرورية للفاشية".
غير أن هنالك الكثيرين من الفاشيين الجدد. وإن أردت رؤيتهم، فاذهب إلى أمريكا الشمالية وأوروبا. وهؤلاء الفاشيين الجدد "يؤيدون شن الهجمات الاستباقية ضد جميع الأعداء المحتملين"، والاستيلاء على موارد الأمم الأخرى، والإطاحة بالحكومات التي لا تتعاون معهم، وفرض الهيمنة العسكرية على العالم، وأعداء السامية (وهم المسلمون في هذه الحالة)، ويتبعون نبوءات الكتاب المقدس، ويكرهون كل الذين لا يتفقون مع هذه النبوءات، ويفرضون الهيمنة المكثفة للشرطة، ويمنعون الحقوق السياسية التحررية.
كما أنهم يستمتعون بالميلودراما الوطنية التي يلوح فيها بالأعلام، واستعراض القوة العسكرية، ويلبسون لبوس الوطنية لإنعاش شركات الصناعات العسكرية، ويتآمرون على المشرعين والناشطين في جماعات الضغط. ويحرضون على الحرب حتى الموت، والتي يخوضونها طبعاً بأبناء الآخرين. كما قاموا بتحويل قطاعات هامة من الإعلام إلى وسائل دعائية، وفرضوا سيطرتهم على البنتاغون.
والمحافظون الجدد مشغولون الآن، بتأجيج نار الحرب ضد سوريا وإيران حتى يُبقوا أنفسهم في السلطة، ولفرض الديناميكية السياسية لمشروع إحياء الفاشية في القرن الحادي والعشرين.
فالفاشيون الحقيقيون ليسو في العالم الإسلامي، بل في واشنطن. والمحافظين الجدد الذين يتشدقون بوصف الآخرين بالفاشية، هم الفاشيون أنفسهم. ومما يدعو للشفقة أن تخفف الدعاية الشيوعية واليسارية من استعمال مصطلح "الفاشيين الجدد" لأنه أصبح بلا معنى. وهذا هو المصطلح الصحيح الذي يجب أن نصف به المحافظون الجدد، لأنهم فعلاً كذلك.
خدمة: إسلام ديلي 26/8/1427 = 19/09/2006
الاسلام اليوم
المحافظون الجدد هم الفاشيون الحقيقيون.. إريك مارغوليس
