لا قصر، لا حصران لا عِندنا بَردي
فوق القهر والضيم ريّسنا كردي
الحصران جمع حصيرة، وبردي نبات تصنع من قشه الحصر، وأُسرع قبل أن اتهم بالعنصرية الى القول إن الرئيس جلال طالباني هو الذي روى لي هذا الزجل العراقي عن رئاسته في غداء بضيافته على هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي.
الكلمات الرسمية سمعت ونشرت، وكذلك التصريحات والمؤتمرات الصحافية، فاكتفي اليوم بما سمعت عن العراق ومن ممثليه لملء أي فراغ في معلومات القارئ، أو زيادة حيرته.
شخصياً ليست عندي أسباب كثيرة للتفاؤل بمستقبل العراق، غير أنني وجدت الإخوان جميعاً مصرين على امكان تجاوز موجة العنف الحالية وبناء عراق ديموقراطي لجميع ابنائه، وفي حين أنني اتمنى أن أكون مخطئاً، وأن يكون الإخوان مصيبين، فإنني أذكر أنني كنت اناقش المسؤولين العراقيين على خلفية تقرير للأمم المتحدة يقول إن القتل في العراق سجل رقماً قياسياً في الشهرين الماضيين، مع تقدير سقوط سبعة آلاف قتيل فيهما، ومع تلميح الى أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير، وأن صوم رمضان افتُتِح بقتل وذبح.
مع ذلك كانت طاولة الغداء مع الرئيس والسيدة زوجته تمثل العراق كما أريد أن يكون، فقد كان معنا سبعة وزراء بينهم السني والشيعي والكردي والتركماني والأشوري، وديبلوماسيون مثلهم، ثم انضم الينا السفير الأميركي في بغداد زلماني خليل زاد والسيدة زوجته، وهي من معهد راند المحترم، وتهتم بالشرق الأوسط وتترأس مبادرة لمساعدة الشباب.
مام جلال كان مرتاحاً كثيراً للاجتماع مع الرئيس بوش، فقد وعد الرئيس الأميركي باستمرار الدعم والالتزام، وحضّ العراقيين على أن يساعدوا أنفسهم. والكلام الأميركي جميل عادة، إلا أن التنفيذ «حاجة ثانية»، فقد كنت اسمع وقد قرأت في اليوم السابق (الخبر الرئيس في «نيويورك تايمز») أن مسؤولين أميركيين وعراقيين بدأوا يشكون في حزم رئيس الوزراء نوري المالكي وصلابته السياسية بحجة أنه يبدو غير قادر على منع العراق من الانحدار نحو حرب أهلية.
لا أعرف ما اذا كان هذا الكلام صحيحاً، ولكن أذكر ان الدكتور ابراهيم الجعفري اتُّهم أيضاً بالضعف، وأخشى أن يكون الأميركيون يبحثون عن أعذار تُغطي على تقصيرهم، فما أوصل العراق الى حافة الهاوية ليس شيئاً عمله الجعفري أو المالكي، أو لم يعملاه، وإنما السياسة الأميركية، أو غياب هذه السياسة، وعدم وجود خطة حقيقية لإدارة العراق بعد الحرب.
في نيويورك رأيت مام جلال ونائب رئيس الوزراء برهم صالح ووزير الخارجية هوشيار زيباري، وكلهم من الأكراد. ولم تغب عن الوزراء العرب في نيويورك أهمية لافتة كردية في اجتماع دول دعم العراق، فقد تحدث المسؤولون الثلاثة بالعربية، وكانوا يستطيعون التحدث بالانكليزية فيفهمها المشاركون مباشرة بدل الترجمة. والرئيس طالباني عضو مؤسس في نقابة المحامين العراقيين ونقابة الصحافة العراقية ولغته العربية ممتازة، ويصحح أحياناً للعرب في الحكومة.
في اليوم السابق لغداء الرئيس كنت اتفقت مع الأخ برهم صالح على أن نتناول العشاء وحدنا لمراجعة شؤون العراق، إلا أن العشاء توسع بانضمام الأخ سمير الصميدعي، سفير العراق في واشنطن، ثم السفير خليل زاد وقرينته، وأخيراً السناتور نورم كولمان الذي أعرفه من مؤتمرات المنتدى الاقتصادي العالمي، وهو عضو في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ وثلاث لجان أخرى.
كان الحديث عن العراق متفائلاً مرة أخرى، وأنا أرجو أن أكون مخطئاً في حذري وشكي، ويبدو أن ثمة شعوراً بأنه اذا استطاعت الحكومة العراقية نشر الأمن في بغداد والسيطرة عليها فإن المحافظات ستتبع، لذلك فكثير من مستقبل العراق يعتمد على نجاح الخطة الأمنية في بغداد، وهي، فعلاً، عاصمة السنّة والشيعة والأكراد، فوجود كل من هذه الاطراف فيها يفوق وجوده في أي مدينة عراقية أخرى.
ما كل ما يُعرف يُقال، والحديث كان على أساس عدم كشف الأسماء، لذلك انتقل الى مسؤولين أميركيين آخرين تجمعت لي منهم صورة أوضح عن التفكير الحالي، وكانت الأسئلة التي وُجّهت اليّ أحياناً أكثر فائدة لي من الأجوبة التي تلقيتها على اسئلتي.
الأميركيون يعتقدون بأن المشكلة الأهم التي تواجه جهود الأمن في العراق هي تسلل المسلحين، خصوصاً الانتحاريين عبر الحدود السورية ويسألون كيف يمكن فصل سورية عن ايران.
قلت إن مشكلة العراق الأهم داخلية وليست سورية، ثم أن الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد وعد الرئيس طالباني ووفده بمساعدة العراق في نشر الأمن، ويفترض أن سورية وايران تنسقان المواقف، ولا يعقل أن تساعد واحدة وتعطّل الأخرى.
حتى لو كان ما سبق غير صحيح، وايران تعد وتعمل العكس فإنه يبقى أن الحلف الإيراني – السوري (ومع حزب الله) أقوى من أن يذعن السوريون لأي ضغط أميركي او اغراء.
قلت لمسؤول أميركي نافذ إن هناك أزمة ثقة عريضة وعميقة مع ادارة بوش. وهناك مثل حكومة لبنان التي ساعدها الأميركيون الى الوصول الى الحكم ودعموها ثم تركوا اسرائيل تدمر لبنان، وهم يعارضون وقف اطلاق النار، من دون أن تكون الحكومة اللبنانية متهمة بشيء. ومثل آخر هو الرئيس محمود عباس الذي تصفه الإدارة الأميركية بأنه رجل سلام وتدعمه، ثم تترك اسرائيل تقتل وتدمر، وتحول قطاع غزة الى معسكر اعتقال نازي. واذا كان الأميركيون يفعلون هذا باصدقائهم وحلفائهم، فكيف يمكن لخصم أن يثق بفائدة التعامل معهم.
لست متفائلاً، مع أنني أقول مرة أخرى إنني أتمنى أن أكون مخطئاً، إلا أن الرئيس طالباني متفائل، والى درجة أن يروي الطرف عن نفسه. ومع وجود سيدات حول الطاولة فقد التزمنا الأدب، واختتم برواية لمام جلال فقد جاؤوا اليه بإرهابي اعتقل قبل تنفيذ عملية انتحارية طلب الرأفة به، وقال الرئيس: سأعفو عنك اذا قلت لي كم عملية انتحارية نفذت وأين؟.
صحيفة الحياة
لست متفائلاً - جهاد الخازن
