جملة افتتح بها أول متحدث في مظاهرة صاخبة ضد الحرب شارك فيها 30 ألف شخص قدموا إلى وسط تلك المدينة الواقعة شمال انجلترا يوم السبت 23 سبتمبر/أيلول، لكن الجملة تعكس أيضا جو احتفال وتنوع لا يخلو من غرابة بين المتظاهرين في المدينة التي تستضيف مؤتمر حزب العمال هذا الأسبوع.
الشعارات المرفوعة مثال واضح على ذلك.
فمطالب المتظاهرين الأساسية هي استقالة توني بلير وسحب القوات من العراق وأفغانستان وعدم إحلال صواريخ تريدنت النووية.
لكن ذلك لم يمنع من وجود علم يحمل الشهادتين "لا إله إلا الله محمد رسول الله" رفعه متظاهرون مسلمون بريطانيون يرتدون جلابيب، أو شعار يحمل صورة رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية وتحتها عبارة "هذا هو خيارنا" من قبل بعض أفراد الجالية الفلسطينية التي يسكن عدد كبير منها مدينة مانشستر.
ولبس حاملو تلك الشعارات ملابس تتسق مع الرسالة التي يودون توجيهها، كالكوفية الفلسطينية أو الأفرول البرتقالي كذلك الذي يفرض ارتداؤه على معتقلي جوانتاموا.
وهو ما دفع المتظاهر بوب سليد للتعليق: "أشعر بأنني أشارك في كرنفال أتيت للاستمتاع به من لندن التي تبعد عن هنا ثلاث ساعات".
"الكلاب ضد الحرب"
ولم يخل هذا "الكرنفال" من مشاهد مثيرة ابتدعها المحتجون للتعبير عن غضبهم من سياسات حكومة توني بلير.
فقد ارتدى متظاهر مجسدا لهيكل عظمي ظهرت عليه علامة الموت محذرة من مخاطر إحلال صواريخ تريدنت النووية التي أعلنت عنه الحكومة.
وظهر مجسم آخر لبلير مكتسيا العلم الأمريكي ومثبتا بمجموعة من الخيوط يحركها المتظاهر وسط إعجاب المشاركين الذين تجمعوا حوله. كما ظهرت سيدة تجر كلبين مربوط على وسط كل منهما قطعة قماش كتب عليها عبارة "الحيوانات الأليفة ضد الحرب".
"تظاهروا معنا"
وفي أثناء المسيرة من ميدان ألبرت حتى مقر اجتماع حزب العمال، التي امتدت لأكثر من ساعة، ظهر وجه آخر لهذا "الكرنفال" -- الدعاية والمنشورات.
فهذا منشور يحمل دعوة للتوقف عن أكل اللحوم من قبل القائمين على حملة "كن نباتيا" وإلا "ستكون مشتركا في وقوع حمام دم يومي يستهدف الماشية"؟!!.
وتلك دعوة لمشاهدة فيلم "جندي الشتاء" الذي يتحدث عن الجنود العائدين من حرب فيتنام، ويمكنك أن تشتري التذاكر فورا في المظاهرة.
كما وزع منشور يدعو للتظاهر في شهر أكتوبر ضد بناء مفاعلات نووية جديدة في بريطانيا، ويقول المنشور إن الاحتجاج سيكون مليئا بــ "الغناء والرقص والمتعة!"
ومنشور آخر يطالب بالتظاهر في شهر نوفمبر أمام السفارة الأمريكية في لندن للاحتجاج على التغير المناخي الذي تتهم واشنطن بالوقوف في وجه جهود احتوائه.
ناهيك عن عشرات الدعوات للمشاركة في اجتماعات واحتجاجات الفترة القادمة لبعض الأحزاب الصغيرة أو الاتحادات المهنية.
تعليقا على ذلك، يقول بول خان، وهو أمريكي يعيش في لندن، مازحا: "في بريطانيا، يمكنك أن تقضي حياتك في التظاهر".
"تبرعوا"
كما كان واضحا النشاط المكثف لأصحاب حملات التبرعات. فجماعة "أوقفوا الحرب" التي نظمت المظاهرة تطلب تبرعات لمزيد من المظاهرات في المستقبل.
وانبرى أشخاص آخرون للمرور على المتظاهرين حاملين صناديق صغيرة للتبرع لصالح مرضى السرطان أو الأيتام أو المشردين.
كما اتخذ حزب العمال الاشتراكي جنبا من المظاهرة لعرض كثير من الكتب والمجلات والقمصان التي تحمل شعاراته للبيع في خيمة صغيرة.
ويقول روبن هيرش أحد المشرفين على الخيمة: "هذه فرصة عظيمة نقوم بعمل دعاية هائلة خلال تلك المظاهرات، ابتداء من رفع شعارات الحزب والتبرع له وانتهاء ببيع الكتب التي نصدرها".
ورفض هيرش الإفصاح عن حجم التبرعات في تلك المظاهرة، ولكنه أشار إلى زيادة الإقبال عليها.
"تنظيم رائع"
ولم يخف كثير من المشاركين إعجابهم بتنظيم المظاهرة، الذي وصفه محمد عاظم، وهو متظاهر من أصول باكستانية، أنه كان "رائعا".
ويضيف عاظم: "انظر حولك، الناس تعرف كيف تتظاهر والشرطة تعرف كيف تسيطر على المظاهرة، بعكس الواقع في بلداننا التي يمكن أن ينتهي بمأساة في مثل هذه الظروف"!!.
يذكر أن الشرطة البريطانية أغلقت شوارع يمر منها المتظاهرون قبل يوم الاحتجاج ونشرت ألف جندي في عملية كلفت أكثر من أربعة ملايين جنيه إسترليني حسب صحيفة الاندبندنت البريطانية يوم 23 سبتمبر/أيلول 2006.
وعلق روبن هيرش، عضو حزب العمال الاشتراكيين قائلا: "شاركت في مظاهرة نظمها القضاة في مصر العام الماضي، ورأيت أن كيفية التظاهر ومعاملة الشرطة مختلفة بيننا وبينهم".
لكن بعض المتظاهرين عبروا عن غضبهم من وجود شرطيين يحمل أحدهما كاميرا فيديو والآخر كاميرا لالتقاط الصور الفوتوغرافية حولهم.
وأعرب تيري كارتر، متظاهر قادم من لندن، عن مخاوفه بالقول: "انظر إلى هذه الكاميرات التي تحملها الشرطة. انظر إلى تلك الطائرة المروحية التي تحوم حول المظاهرة. إنها إجراءات تخيفنا."
وردا على سؤال، قال أحد الشرطيين: "بدأنا استخدام تلك الكاميرات منذ سنوات معدودة"، وأضاف الآخر أن الإجراء "يأتي لضبط أية عناصر خارجة أو سلوك غير منضبط."
يذكر أن مدينة مانشستر شهدت مقتل 11 شخصا عندما تدخلت الشرطة لتفريق مظاهرة تجمع فيها 60 ألف شخص للاحتجاج على البطالة وارتفاع الأسعار والمطالبة بإصلاحات برلمانية عام 1819.
مصطفى المنشاوي
مدينة مانشستر – بي بي سي
\"رمضان كريم\" في مظاهرة بريطانية ضد الحرب
