لو علم الساسة الأمريكان بأن شخصا سيغتال آخر، سيقلبون أولا في مصلحتهم على منع الجريمة، سيبحثون فيما إذا كان مفيدا لهم وقوع الجريمة، سواء بالراحة من نشاط المغدور أو بالمصلحة في ملاحقة القاتل بتهمة ارتكاب جريمة كان بإمكانهم منعها.
هم لن يتدخلوا لمنع الجريمة إلا إذا كان منعها يحقق مصلحتهم السياسية بالمعنى الواسع للتعبير، وتلك هي البراغماتية أو النفعية التي لا منظومة قيمية لها إلا المنفعة وتحقيق الربح أو الفوز.
ولو علم الساسة الأمريكان أن جماعه إرهابية، أو جهازا استخباريا سيفجر مساجد أو يدمر أحياءًا ويقتل المدنيين، فهم لا يفكرون - أولا- في منع الجريمة أو دفع الضرر، بل يبحثون في كيفية توظيف ما سيجري لخدمة مصالحهم واستراتيجيتهم، بل هم لو علموا أن عدوهم سيفجر مواطنيهم هم، فسيبحثوا الأمر ليروا إن كان ذلك سيحقق للحكم ما يريد من تغيير معادلات الداخل وتغيير قناعات أو توجهات الرأي العام لمصلحة ما وقرار ما، يريد هؤلاء الساسة اتخاذه – والرأي العام لا يوافقهم عليه - ضد خصمهم الذي سيفجر مواطنيهم، فإن رأوا ذلك، فلن يترددوا في ترك الفاعل يرتكب جريمته ليحققوا هم ما يرونه في صالح رؤاهم وأفكارهم وخططهم.
ولا تستعجب أو تستغرب أو تشعر بالاشمئزاز، فذلك ما حدث عدة مرات في التاريخ الأمريكي، وأحدها صار موثقا بما لا يقبل أي شكوك، إذ بات مؤكدا أن الإدارة الأمريكية كان لديها علم كامل بالهجوم الياباني على بيرل هاربر في نهايات الحرب العالمية الثانية، لكنها لم تتحرك لمنعه، لقد احتجزت الإدارة تلك المعلومات عن بقية المشاركين في صناعة القرار السياسي والعسكري، وأوكلوا الأمر إلى عدد محدود من الموثوقين، للعمل على تقليل الخسائر لا منع الهجوم أو التصدي له قبل أن يقع.
رأت الإدارة الأمريكية – وقتها - أن وقوع الهجوم على بيرل هاربر سيحقق تغييرا في الرأي العام الأمريكي ليتحول من رفض دخول الحرب – التي كانت الإدارة تراه أمرا ضروريا - إلى ميل للانتقام.
وبعد وقوع الهجوم جرى إعلان دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، وجرى استخدام القنابل النووية في قصف اليابان، وكانت تلك أول جريمة نووية في التاريخ الإنساني.
وكذلك تحوم الشبهات حول علم إدارة بوش بهجمات سبتمبر 2011 قبل وقوعها –بطريقة أو بأخرى -وأنها امتنعت عن اتخاذ التدابير لمنعها، ورأت أن وقوعها سيفتح الطريق لإنفاذ استراتيجية غزو أفغانستان والعراق المخطط لها سلفا.
هذا التفكير هو نفسه ما كان في خلفية قرار فتح الطريق لإيران للتوغل في العراق منذ بداية الاحتلال، باعتبارها الدولة القادرة على تحقيق التفكيك والاقتتال الطائفي الداخلي، وفي ذلك جرى استثمار الطموح والرغبة والخطط الإيرانية لبناء وهم الإمبراطورية الفارسية المزعومة.
والآن حين نقلب في طبيعة وحقيقة الموقف الأمريكي من انفصال كردستان العراق، فنحن أمام الأمر ذاته، فالولايات المتحدة التي ادعت عبر أكثر من تصريح رسمي رفضها للاستفتاء وظهرت في موقف الناصح للقادة المتحكمين في الشعب العراقي في كردستان العراق، مطالبة بضرورة تأجيل الاستفتاء باعتبار الوقت غير مناسب-والتي وصل بها الحال أن أطلق مسؤولوها بعض التصريحات الرافضة - هي نفسها الولايات التي تقف خلف الاستفتاء والانفصال.
الموقف الأمريكي الحقيقي هو موقف عكسي لما يطلق من تصريحات، وهو موقف مؤيد لإجراء الاستفتاء والبدء في عملية تقسيم العراق، التي هي هدف أمريكي "قديم ودائم"، تدفع القيادات الكردية لتحقيقه تحت رعايتها وحمايتها، بما يدخل العراق في فتنة جديدة وحروب أهلية دائمة.
وإذ يقول قائل، كيف تفسر موقف بعكس منطوق كلامه، فالحقيقة هي أن من ادخل لعبة التقسيم ودعمها هو الولايات المتحدة لا غيرها منذ بداية الاحتلال ،بل من قبل البدء العملي لمعارك احتلال العراق.
الولايات المتحدة هي من خطط ورسم سيناريوهات تفكيك العراق - وكانت البداية تفكيك علاقة السنة والشيعة، والآن حان أوان فصل الأكراد - كنقطة ارتكاز لإنفاذ خططها في تقسيم الدول العربية انطلاقا من العراق، وإذا كان أمر الحكاية العرقية الكردية بالعراق، قد جرى عبر خطط احتاجت لزمن طويل بما أتاه أوراقا كثيرة عن عيون المتابعين، فالأمر في سوريا كاشف ومباشر ويجري أمام أعين الإعلام كليا، إذ دعمت الولايات المتحدة الحركة الكردية الانفصالية في سوريا بالسلاح - وعلى حساب تركيا الحليف للولايات المتحدة في حلف الأطلنطي - وفي مناطق انتشار مقاتليها بنيت القواعد الأمريكية على الأرض السورية لتحويل الاضطراب الداخلي إلى وضع دولي دائم للتقسيم.
الولايات المتحدة هي من تقرر في كردستان العراق وتدير أمر الانفصال وإن كان هناك أطراف أخرى فالأمر لا يتعلق هنا بالقيادات الكردية بل بحلفاء دوليين للولايات المتحدة، ولعل التأييد العلني والحاسم والمباشر من الكيان الصهيوني للاستفتاء أو لتفكيك العراق هو التعبير الأدق عن الموقف الأمريكي والكاشف له.
كما أنه ليس لأحد أن يتصور أن البارزاني المصمم على المضي إلى الاستفتاء وتفكيك العراق – حتى لو أدى الأمر للحرب - يتمتع بالقدرة على رفض التوجيهات الأمريكية أو أنه قادر على مواجهة الدول الرافضة للقرار – تركيا وإيران - إلا إذا كان مدعوما أمريكيا .. ومن قبل ومن بعد فهو يدرك مدى الرفض الشعبي العراقي ولا يمكنه مواجهة الموقف الشعبي إلا بالاعتماد على القوة الأمريكية أيضا .. الخ.
وهكذا فما نراه أمريكيا ليس إلا ازدواج مقصود ومخطط، عمليا تدفع الولايات المتحدة نحو تفكيك العراق ليكون الإقليم الكردي الخاضع لسيطرتها هو أساس ونواة التقسيم في العراق والإقليم.
وعلى صعيد التصريحات يجري إظهار موقف مختلف لتتمكن الولايات المتحدة من إدارة الطرف الآخر في معادلة التقسيم وضبط ايقاع حركته، وليظل هو الآخر خاضع للهيمنة والاحتلال الأمريكي، ولو تحدثت بدعم الاستفتاء لصارت في مواجهة حالة عدائية شاملة في العراق والإقليم.
خاص بموقع الهيئة نت
