من الواضح جداً أن الهجوم على الإسلام لم يعد \"مهمة\" ترسمها عقول الإستراتيجيين البروتستانت من المسيحيين المتصهينين، إذ إن الرحلة البابوية الأخيرة في الأسبوع الماضي التي قادت حبر المسيحيين الأعظم إلى بلده الأصلي في ألمانيا، أظهرت أنه لا وجود لفرق كبير في وجهات النظر عند المسيحيين بوجه عام، فلا خلاف عند هؤلاء، سواء كانوا متدينين أو علمانيين، بأن الإسلام الذي كان دوماً غصة في حلوقهم، هو مشكلة كونية لا يمكن التعايش وفق عرفهم، معها بعد أن ثبت - ولقرون طويلة -
عدم القدرة على هزيمتها واجتثاثها بدءاً من أولى معارك الفتوح الإسلامية على تخوم الشام وبيزنطة مروراً بالحروب الصليبية التي حشدت لأجلها أوروبا كل مقدراتها وصولاً إلى هذه الحملة البوشية الشرسة التي لم يتورع رئيس أكبر دولة في العالم أن يسميها صراحة باسمها، قبل أن ينتبه من سكرة عنفوانه الديني المهووس بمنطق الانتقام فيصحح له مستشاروه كلامه ويحاولون عبثاً سحب ما قاله بدعوى الخطأ التعبيري وأن كانت الأحداث التي تلت ذلك خذلتهم وأثبتت دقة كلام كبيرهم.
ما يقع في الأعوام الأخيرة إذن لم يعد مجرد مشاعر "إسلاموفوبية" عابرة بمعنى أن الأمر أكبر من ذلك بكثير، فليس من الممكن أن نفسر كلام البابا بمفهوم آخر غير هذا الذي قاله؛ لأن الهجوم على الإسلام لم يعد يجري بطرق ملتوية وأساليب ماكرة تبطن من الشر والحقد أكثر مما تُظهر، فهي اليوم أضحت تتم بكيفيات سافرة جلية، ولم يعد مُطلقوها يعيرون كبير اهتمام لمواقفنا بمعنى أنهم لم يصيروا مجبرين حتى على مراعاة ضوابط الخطاب الدبلوماسي.
وها هي انطباعاتهم عنا تذاع عبر الأثير وتتخطفها كبريات الجرائد فتبرزها بأوسع المانشيتات بدعوى السبق والإثارة الإعلامية واحترام حرية الصحافة والرأي الآخر والحق في الإعلام وما إلى ذلك من مسوغات تبريرية، فالإسلام بات أخيراً مرادفاً للفاشية ثم أضحى قبل يومين، معاكساً للعقل وسبباً للعنف!!.
وبما أن الحال كذلك، فإن رواد هذا الوباء الجديد الذي يمكننا إجمالاً وصفه بـ: "عدوى سبّ الإسلام"، تتمايز ثقافاتهم وأجناسهم ووظائفهم، وتتفق غاياتهم وعواقب أفعالهم وهم مع ذلك أيضاً مُمْعِنون في التمادي على هذا، والحق أنه من غير الممكن لأي كان أن يكتب مقالاً عن القضية من دون أن يجد نفسه مضطراً إلى السخرية بما أن المنطق المقلوب، على طريقة: "رمتني بدائها.."، بات يمنح الآخرين الحق في الانتقاص من الإسلام على الرغم من أنهم أنفسهم يدركون أن ما يؤمنون به مليء بالهرطقة وحتى البلادة التي لا يقبلها الصغار فضلاً عن الكبار إلا أنهم - على الرغم من ذلك - يفضلون الهجوم على علمهم أنهم لا يحسنون الدفاع.
هل يمكننا أن نركب المنطق نفسه ونثبت لهذا القس الأعظم أن كلامه اعتمد على بناء غير مؤسس لا يليق بمكانته العلمية بغض النظر عن مكانته الروحية؟!! أليس من حقنا أن ننساق وراء فعلته ونستعير منه التسطيح التنظيري فنجعله يستنتج –وحده - أن عقيدته لا تقف على رِجل؟!!
كل هذا ممكن وميسور وفي وسع كل شخص أن يقوم به ولكن عائقاً وحيداً يقف في وجهنا: أن أخلاقنا والتعاليم التي أورثنا إياها آباؤنا على مر القرون وكابراً عن كابر، تمنعنا من أن ننجر عبر ذات المنطق، فديننا أصلاً يعلمنا أنه يتوجب علينا ألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.
سوف نسلم أن الإسلام دين عنيف وأن إلهنا - الذي يشهد العقل قبل باقي الحواس أنه واحد أحد - لا علاقة له بالعقل "على رأي البابا"، فهل في وسع حبر روما أن يطلعنا عن السبب الذي لأجله خرجت ملايين الناس من بين المسيحيين أنفسهم على سلطان الكنيسة فأسسوا مذهباً جديداً ثائراً هو المذهب – أو قل الدين، لأنه يخالف الكنيسة في أكثر مسلماتها - البروتستانتي؟ أم إن في وسعه أن ينكر أن الحروب الاستعمارية في العصور الحديثة هي مجرد نسخ مطورة من تلك الحروب الصليبية التي باركها أسلافه في الكنيسة إلى حد أن أشهرهم وقتها، وهو بطرس الناسك، كان يجوب مدن أوروبا التي كانت ترزح تحت طبقات من الجهل والظلمات والأوبئة، حافي القدمين شاحذا النفوس لكي تهب وتفك الأرض 'المقدسة' من أيادي العرب المسلمين، وكانت الألوف تسير وراءه حيثما حل وتنساق خلفه بعد أن كان القساوسة يعدونهم بكل صنوف الثواب الأخروي وحتى الدنيوي بما أن الإقطاعيين أيضاً تعهدوا بالتغاضي عن ضرائب كل سائر في الحملة المقدسة؟!!
الأمثلة كثيرة وهي على تنوعها أغنى من أن يتم تناسيها؛ ففرنسا الاستعمارية مثلاً حينما قررت غزو الجزائر في العام 1830، رأى ملكها شارل العاشر أن الواجب الديني يلزمه بأن يأخذ الإذن ثم التباريك من قداسة البابا في روما - قبل أن تكون أول مهمة يقوم بها رجاله حينما دخلوا العاصمة الجزائرية على جثث عشرات الألوف من أبنائها - أن يدمروا المساجد ويحولوا أكبر مسجد فيها "جامع كتشاوة" إلى كاتدرائية فضلاً عن أن مستلزمات هذه الحرب "المقدسة" دوماً تطلبت من هؤلاء الجند أن يحولوا عدداً غير معلوم على وجه الدقة من المساجد إلى إسطبلات وأوكار للفساد!
هل نسي البابا هذا أم تراه تناساه؟! إذ من غير المعقول أن نقبل التفسير التبليدي البسيط الذي يقول إن 'قداسته' أخطأ التعبير، بما أن هذا غير ممكن فالرجل كان يلقي محاضرة أكاديمية على مدرج الجامعة، وبالتالي فإن النص المكتوب أمامه، خضع للمراجعة والتنقيح والضبط مثلما هي عادة كل بحث أكاديمي علمي يقدمه أستاذ، والرجل -أولاً وأخيراً- كان أستاذاً جامعياً للاهوت قبل أن يصير كبيراً للكاثوليك في العالم.
الواقع أن المنطق يقتضي منا أن نتساءل هنا عن السبب الذي وفقه بات هذا الرجل الذي يفترض أنه أعلم الكاثوليك بالإسلام بحكم تكوينه كما قلنا أولا ثم بحكم منصبه، لا يتردد في أن يمعن في الخطأ، فليس مسموحا لدينا -نحن المسلمين- مثلا أن يتبوأ درجة الإمامة ويبلغ منصب العلم والفضل من لا يعرف أبسط قواعد الأديان 'الكتابية' الأخرى وفق طريقة علمية تمنحه الحق فيما بعد أن يكون مجادلاً بالحسنى.
وهنا يتعين علينا من جهة أخرى أيضاً، أن ننتبه إلى أننا -نحن المسلمين- اعتدنا التحرك بردود الأفعال، ومنحنا الآخرين الحق في القول إننا استحلينا الخمول والقعود، وهي حالة الكثيرين منا إلى درجة بات الآخرون لا يتعبون أنفسهم في سبيل لوم ديننا من الاستشهاد بواقعنا الذي لا يمت بكبير صلة إلى التعاليم التي يفترض أنها تحكم كل حركاتنا وسكناتنا.
لقد حاول الكثيرون منا على مر السنوات الأخيرة أن يبينوا لغير المسلمين أن الفرق بين الإسلام وبين التخلف والعصبية والعنف شاسع ولكن الأمر ليس سهلاً؛ فاضطر أكثرهم في سبيل الذود عن الدين إلى التبرؤ من بعض الأجزاء اللامعة المشرقة من تاريخه بدعوى نفي كل تهمة تلصق به، على الرغم من أن التاريخ يثبت أن طرائق التفكير والفعل تختلف وتتطور هي الأخرى، بمعنى أن ما كان أمراً عادياً فيما مضى أضحى غير ممكن حالياً، وهذا كله في سبيل الربط بين الإسلام والمدنية الحديثة وإن كان الأََوْلى لنا أن نخضع المدنية للقيم الإسلامية لا العكس، وبالتالي -وبما أن العكس هو الواقع- صرنا نلحظ مثلاً أنه حينما يقول غيرنا إن الإسلام هو دين العنف؛ فإننا نسارع إلى نفي ذلك إلى درجة أن بعضنا ربما ود أن كلمة 'الجهاد' ما وردت في الدين، وهكذا فكلما قالوا لنا إن الإسلام هو مرادف الجهل، سارعنا إلى الاستشهاد بأسماء من وزن ابن رشد، ابن سينا، الفارابي، الرازي وغيرهم من الأعلام لكأننا نسعى إلى تذكيرهم بما تناسوه من التاريخ.
من حق الأمة أن تكون الأمور واضحة أمامها في هذا الوقت تحديداً، فالمستهدف هنا هو الدين وكل الموروث الثقافي والفكري، وليس من حقنا أن نتغافل عن حقيقة أننا وهؤلاء نقف على طرفي نقيض من مرحلة الصراع من غير أن نكون نحن من أسس لهذا الواقع العالمي غير العادل بمعنى أننا لا نخشى الحوار والجدال العقلي الصريح إلا أننا وفي ذات الوقت لا نرغب في أن نخلط بين ما هو واقع وما هو مفترض.
لقد استشهد بابا الفاتيكان بإمبراطور بيزنطة لكأن الرجل هو أحد أدوات الاستدلال العقلي وتناسى ولست أفهم كيف لم ينتبه أولئك الأكاديميون الذين كانوا يجلسون في مقابله إلى أن هذا الإمبراطور 'العظيم' كان يحارب ويقتل كل الشرقيين بلا استثناء، والدليل على ذلك أن الجيش الذي كان يقف على تخوم عاصمته المحاصرة لم يكن يتشكل من المسلمين فقط، لقد كان من بين المحاصِرين أيضاً عدد كبير من المسيحيين الشرقيين الذين نالهم من صنوف 'عدالة' الكنيسة الغربية ما نالهم وما تحفل به كتبهم إلى أيام الناس هذه.
لقد تحاشى 'قداسته' أن يعرج على ذكر اليهود مثلاً على الرغم من أن كل أجداده أجمعوا على أن دم يسوع في أعناقهم قبل أن يقدم سلفه على تبرئتهم منه في خطوة لها ما لها من المعاني على الرغم من أن كتبهم تقول إن يسوع إنما قتل ليفدي الناس بدمه من غير أن ينتبهوا - ولن نستدعي العقل هنا لأن له رأياً آخر!! - إلى أنه من المنطقي أن يقتص له من يدعي الإيمان به من قتلته أم إن الظروف العالمية لا تسمح بذلك بمعنى أن الدين يصطدم بالعقل في هذا العصر؟!!
أليست هذه مشكلة عقلية عويصة أيضاً؟!!
كنا نود أن ينتبه البابا إلى أن الإسلام لم يكن السبب الذي لأجله اندلعت حربان كونيتان قتل فيما ما لا يقل عن الثمانين مليون إنسان!!.
كنا نود أن ينتبه البابا إلى أن الإسلام لم يكن عقيدة أولئك الذين قرروا قصف مدينة هيروشيما وناغازاكي في الوقت الذي كانت اليابان تستعد للاستسلام!!.
كنا نود أن ينتبه 'قداسته' إلى أن الذين يرمون آلاف الأطنان من الحبوب وكل صنوف المأكولات في البحار في الوقت الذي تموت فيه الملايين جوعاً، ليسوا من المسلمين!!.
ما كنا نود أن نصير مضطرين - والعالم تسوده هذه النبرة المتعجرفة التي تميز صناع الحروب وتجار النفط الملوث بدماء أطفال المسلمين عبر العالم - إلى أن نطلب من 'قداسته' أن يحاول استقراء التاريخ من موقع منصف ومتوازن لأننا كنا - سذاجة - نعتقد أن الحبر الأعظم هو أبعد الناس في الغرب، عن الوقوع في مرمى سهام عَرّابي المآزق والكوارث الإنسانية.
الحقيقة أننا كنا نتمنى هذا، ولكن خطاب جوزيف راتزينغر سابقاً، بينيدكت السادس عشر حالياً، أثبت لنا أن كل شيء ممكن في منطق الحرب والمصالح العالمية التي لا تلتقي بالضرورة مع المصالح البشرية.
فهل في وسعنا أخيراً أن نضرب أخماساً بأسداس ونقول إن الرجل هو فعلاً - كما توقعته تقارير كثيرة نشرت حينما آلت البابوية إليه - رجل التقارب المسيحي اليهودي في أوروبا وأمريكا أو بعبارة أخرى: مُنَظّر هرمجدون المنتظرة؟؟!!!
الاسلام اليوم
بابا الفاتيكان و\"عدوى سب الإسلام\"!.. عبد الحق بوقلقول
