هيئة علماء المسلمين في العراق

الدعاء بـــ (الله يخَلِّيك) ... د. بلال فيصل البحر
الدعاء بـــ (الله يخَلِّيك) ... د. بلال فيصل البحر الدعاء بـــ (الله يخَلِّيك) ... د. بلال فيصل البحر

الدعاء بـــ (الله يخَلِّيك) ... د. بلال فيصل البحر

ذكر فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في (المناهي اللفظية) أن الدعاء بـــ(الله يخَلِّيك) كما هو معروف في العامية، لا يجوز لأن معناه: الله يتركك، إذ التخلية: الترك، وحُكي أن جلاً قال له ذلك فأجابه الشيخ بقوله: إذا خلّاني فمن يتولّاني، وتبعه على ذلك بعض الـمفتين.!


وفيما قاله نظر، فإن للتخلية معانٍ حسنةً مليحةً، يتّجه الحملُ عليها وإعذار الناس، فمن معاني التخلية الانفراد، ومنه الخلوة كقول امريء القيس:


 أَلَمْ تَرَني أُصْبي على الـمَرءِ عِرْسَهُ ... وأمنعُ عِرْسي أنْ يُزَنَّ بـها الخَالِي


أي: المنفرد، فيكون الدعاء بقولنا (الله يخليك) أي: يدعك منفرداً، كناية عن طول العمر والحفظ من الآفات.


ومنها: الإبقاء كما في حديث ابن عباس عند ابن سمعون في (أماليه) أن العباسَ قال له: (إنّ هذا الرجل -يعني عمر- يُخَلِّيكَ مع أكابرِ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم..) أي: يُبقيك ولا يُخرجك من المجلس كما يُخرج غيرك من الأحداث، ومنه قول ابن خياط:


وكلُّ قوم أطاعوا أمرَ سيّدهم...إلا نُميراً أطاعتْ أمرَ غاويها


الظاعنين ولـمّا يُظعنوا أحداً...والقائلون لـمن دارٌ نُخَلِّيها


فقولنا (الله يخليك) أي: يُبقيك، وإن حملناه على معنى الترك فمعناه يتركك وحدك بحيث لا يبقى غيرك كناية عن طول العمر كقوله (لـمن دار نُخليها) أي: من يبقى بـها إذا تركناها كلنا، ومنه عند الفقهاء بيع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط التخلية، ومنهم من يقول: التبقية، والمراد ترك وإبقاء الثمر على الشجر فلا يُقطع.


فخرج معنى (الله يخليك) على معنى الترك بحيث يبقى منفرداً لطول العمر لا على معنى الترك المحض الذي هو العدم كما توهمه المانع، ولهذا قطع الدكتور أحمد مختار في (معجمه) أن معنى (الله يخليك): أطال الله بقاءك، وفي الدعاء بطول البقاء قولان للعلماء أصحهما الجواز.


ومن معاني هذا الحرف أيضاً: الخلو والفراغ عن الهم والحزن، فقولنا (الله يخليك) أي: يُخليك عن الهمِّ والحزنِ ويبعدهما عنك فلا يُصيبك منهما شيء، كقول أبي العلاء:


ومهما عِشْتَ في دنياكَ هذي ... فما يُخليك من قمرٍ وشمسِ


أي: لا تخلو منهما في يوم من أيامك، وهو يؤول إلى الأول من جهة أن من خلا عن الهم والحزن طال عمره.


وحتى على القول بأن التخليةَ هي الترك، يتّجه أن يُقال إن معنى (الله يخليك) أي: يتركك فلا يقبضك، أو يتركك في عافية، كقول ابن وهب:


قالوا ابنُ عثمةَ قوّادٌ فقلتُ لهم ... كذبتم ما أبو حفصٍ بقوّادِ


لكنّهُ رجلٌ يُخلِيكَ منزلَهُ ........ بالدِّرهمينِ وما يبقى من الزّادِ


أي: يتركك في منزله بما فيه من زاد ومال، فــ(الله يخليك) على معنى يتركك في عافية أو يتركك في الدنيا فلا يقبضك، كناية عن طول العمر والسلامة من الحوادث.


ويحتمل أنه مشتق من (خلا) وهو فعل غير متصرف يفيد الاستثناء، فيكون مرادهم بقولهم (الله يخليك) أي: يستثنيك ممن كتب عليهم الموت أو السوء، كناية عن الدعاء بطول العمر والسلامة.


وذكر ابن الأعرابي وغيره أن العرب تقول: (لا أخلى الله مكانك) تدعو له بالبقاء، فلعل العوام أخذوا منه قولهم (الله يخليك) اختصاراً على معنى يُبقيك.


وما أحسن ما قال الإمامُ الحافظ أبو عمرو بن العلاء: (لقد هممتُ أن لا أُلَـحِّنَ أحداً من سعة العربية) وقال الثوري: (العلمُ الرخصةُ من ثقة فأما التشديدُ فيُحسنه كلُّ أحد).


وأيضاً فلو قُدَّر أن الدعاء بــ(الله يخليك) لا وجه له في العربية، فكان يكون سائغاً في القصد والعرف، لأن الناس تعارفوا على الدعاء به على معنى طول العمر والحفظ، لا على معنى الترك والتخلّي:


والعرفُ في الشرع له اعتبارُ .... لذا عليه الحكمُ قد يُدارُ  


على أن للتخلية معان غير ما تقدم وقد تقرر أن اللفظ إذا وقع مشتركاً في اللغة ولم يتميز معناه المقصود منه، رُجع في تمييزه إلى القصد والعرف، ألا ترى أن من معاني التخلية الموت كما قاله ابن الأعرابي، لكن الناسَ لا يقصدونه ولم يتعارفوا عليه، فلا يتّجه حمل كلامهم عليه.


وإنما يصح الإنكارُ بذلك إذا كان الناسُ يتحدثون الفصحى لا العامية، فيُنكر عليهم والحال هذه بتقدير أنه لا وجه لمثل هذا الحرف في العربية، على أن متعلق (يخليك) يقع في الغالب مضمراً، لأنه معلوم من السياق فيقال: الله يخليك..أي: في الدنيا أو في عافية ونحو ذلك، فيصير معناه: يتركك في عافية كما مر.


وقد حُكي أن الربيعَ عاد الشافعيَّ في وعكة توعّكها فقال له: (قوّى الله ضعفَك).


فقال الشافعيُّ ممازحاً: لو قوّى ضعفي قتلني.!؟


فقال الربيع: ما قصدتُ هذا، إنما قصدت قوّاك على المرض فلا يُضعِفُك.!


فقال الشافعي: لو شتمتني صراحاً علمتُ أنك لم تقصد.


فتأمل أدبَ الأئمة..


ولوددتُ أن ينتدب مطّلعٌ ألمعيٌّ لدراسة معاجم المناهي اللفظية المعاصرة، وتقويم ما وقع فيها لغة وشرعاً، فإنـها مشتملة على نظر وبحث، وتأثيم الناس وإيقاعهم في الحرج في كثير من موادها.


والحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله


خاص بموقع    الهيئة نت    


 


أضف تعليق