هيئة علماء المسلمين في العراق

نظرية الفوضي والدمار الخلاق ومخاض الشرق الأوسط الجديد - د. نهي خلف
نظرية الفوضي والدمار الخلاق ومخاض الشرق الأوسط الجديد - د. نهي خلف نظرية الفوضي والدمار الخلاق ومخاض الشرق الأوسط الجديد - د. نهي خلف

نظرية الفوضي والدمار الخلاق ومخاض الشرق الأوسط الجديد - د. نهي خلف

رغم ان العالم كله ينظر الي الدمار الذي أصاب الشرق الأوسط ككارثة تشبه الكوارث الطبيعية المرعبة، الا أن الرئيس الأمريكي، في كلمته التي أدلي بها للاذاعة الامريكية في 29 تموز (يوليو) 2006، قد عبر عن رؤية شائعة في البيت الأبيض تدعو الي الأمل والتفاؤل الذي يولد من الدمار. فبينما اضطر بوش أن يدعي ان القتل مؤلم ومأساوي إلا أنه نظر الي تلك المآسي كفرصة لتغيير أشمل سيؤدي الي ما يعتبره حرية، ديمقراطية وأهم من ذلك كله أمريكا أكثرأمنا .

هكذا انتقد كريغ كروفورد في مجلة الكونغرشونال كوارترلي نظرة بوش لما حدث من دمار في لبنان وفلسطين مضيفا:
إن سيناريو الرئيس الوردي للشرق الأوسط يتطابق مع ما أصبح مبدأ أساسيا بالنسبة له، يمكن تسميته في رأي الباحث نظرية بوش للفوضي .

إن الرئيس بوش، في رأي هذا الباحث، يظن ان الاسلوب الأفضل للتوصل الي النتائج التي تناسب رؤيته للعالم، هو عبر تفجيرالاوضاع وقلب الامور رأسا علي عقب ثم الإنتظار بعد ذلك حتي تأتي ثمار تلك الافعال.

ان مصطلحات الفوضي و الدمار الخلاق قد شكلت أساسا للتحاليل والدراسات التي قام بها الكاتب مارك لوفاين حول السياسة الامريكية في الشرق الأوسط. ولوفاين يعتبر من جيل العلماء والأكاديميين الغربيين الصاعدين في مجال الدراسات الشرق أوسطية.

فقد بين لوفاين في مقال بعنوان الدمار الخلاق الجديد انه منذ أكثر من نصف قرن استخدم الاقتصادي النمساوي الشهير رودولف شومبيتر مصطلح الدمار الخلاق ليشرح كيف تقوم الرأسمالية بتحطيم الانظمة الاجتماعية القائمة وكيف تستفيد بعد ذلك من الانظمة الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي تأتي في مكانها.

أما مصطلح الفوضي فقد بدأ باستخدامه توم بيترز وهو أحد رجال الأعمال الكبار في الولايات المتحدة عندما نشر كتابا بعنوان الإنتعاش من الفوضي في عام 1988
.
وقد نصح عبره الأمريكيين بضرورة اعتبار الفوضي أمرا واقعا وأن يتعلموا كيفية التعامل معها من أجل الانتعاش الاقتصادي، حيث أن الفوضي والغموض هي فرص تجارية للأذكياء، والرابحون في المستقبل هم الذين سيتعاملون بنشاط مع الفوضي .

وقد وضح لوفاين كيف اعتنق مفكرون ورجال السياسة من أمثال بول فولفويتز وصموئيل هانتغتون ووروبرت كابلن توصية بيترز هذه، حيث بدأوا في منتصف التسعينات التنظير من أجل حرب باردة جديدة وصراع للحضارات بين الإسلام والليبيرالية الغربية في قوس الأزمات. وفي عام 1995 صدر تقرير من قبل البنك الدولي يشير الي أن تحديث الشرق الأوسط قد يتطلب فترة من الإهتزاز والارتباك حتي تتمكن المنطقة من التأقلم مع النظام الجديد وقد رأي بعض المحافظين الجدد أنه يجب عليهم استغلال تلك اللحظة عبر إفتعال درجة معينة من الفوضي قد تشكل مقدمة لنظام عالمي جديد علي الطريقة الأمريكية.

وفي رأي الباحث إن من أكبر الأوهام الخطيرة التي قد تصيب القادة والجنرالات هي وهم السيطرة علي زمام الامور، وربما من أغرب جوانب تلك الأوهام هي القناعة بأنهم يمكنهم أن يستخدموا الفوضي للتوصل الي المزيد من السيطرة ولتقوية مواقفهم. لكنه يبين كيف أن هذا النوع من التعامل مع الامور هو مجرد لعب بالنار من قبل هؤلاء.
ويشير الي بعض الأمثلة الواضحة في الشرق الاوسط التي من المفترض ان تشكل دروسا هامة توضح ان هناك امورا لا يمكن السيطرة عليها عندما تبدأ دائرة العنف.

فبينما كانت أعين العالم والإعلام تركز علي الحرب الإسرائيلية في لبنان كانت الاوضاع في العراق تستمر في الخروج عن سيطرة إدارة بوش.

والحقيقة هي أنه منذ وصول القوات الأمريكية الي العراق، أي منذ أكثر من ثلاثة أعوام، من الصعب أن نجد يوما واحدا لم تعم فيه الفوضي في مناطق شاسعة من هذا البلد.

ورغم ذلك يدعي بعض الجنرالات الأمريكيين في العراق من أمثال فيلكينز ، وبكل سذاجة أو وقاحة، أن لا أحد كان يمكن أن يتوقع العنف الطائفي الذي أصاب العراق، كما يحمل مسؤولية استمرار العنف الي العراقيين أنفسهم لأنهم لم يتمكنوا من وضع حد للحرب مما يجعلهم ايضا مسؤولين عن عدم عودة الجنود الأمريكيين الي الولايات المتحدة.

كما يشير لوفاين الي اعترافات رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت وبعض كبار موظفي وزارة الدفاع الإسرائيلية علي أن الحملة العسكرية والجوية ضد لبنان، كان قد تم التخطيط لها منذ عامين وأنه منذ أكثر من عام عرض أحد الضباط الإسرائيليين علي أفراد مهمين في الإدارة الأمريكية، وبشكل غير رسمي، خططا عسكرية لحملة هجومية من المفترض ان تدوم حوالي ثلاثة أسابيع فقط في لبنان. وعلي هذا الأساس أصبحت عملية حزب الله في جنوب لبنان حجة للحكومة الإسرائيلية للقيام بحملتها المبرمجة سابقا. وقد أصبح واضحا الآن أن الإسرائيليين اساؤوا التقدير لقوة حزب الله وفعالية التدريب والاستعداد لقواته مما أصاب نظام القيادة العسكرية الاسرائيلية بالارباك والتخبط وبنوع من الفوضي ولذلك شاهدنا في الأسابيع التالية من الحرب حملات عسكرية غير مضبوطة ضد كل البني التحتية وكل المجتمع اللبناني. كما يبدو ان الطرفين في هذه الحرب قد اساؤوا التقدير لشدة رد فعل الآخر مما أدي مثل ما كان عليه الحال في العراق لمزيد من الفوضي والدمار الذي ازداد مع مرور الزمن.

ويمكن إعتبار ما حدث في لبنان كنموذج للفوضي والدمار الذي يمكنه ان يتضخم ويتعمق ويتكاثر بشكل لا ارادي في اية منطقة تقع ضمن ما عرفه المحافظون الجدد بقوس عدم الاستقرار .

ومن المفارقة أن ما حدث في منطقة الشرق الاوسط جاء بشكل متناقض مع ما كان يتوقعه أكبر المفكرين الإستراتيجيين في إدارة بوش الأولي، حيث كانوا ينظرون الي العراق كنقطة انطلاق لتحولات في كل شرق الأوسط ستؤدي بشكل خاص الي السيطرة علي الشيعة في إيران، وكانت من اهم اقوالهم الشائعة في ذلك الحين الجميع يريد أن يذهب الي بغداد وفقط الرجال الحقيقيون يريدون الذهاب الي طهران .

فالعكس قد حدث حيث أدي احتلال أمريكا للعراق الي تقوية الأكثرية الشيعية في المنطقة، كما ادت الحملة العسكرية الإسرائيلية علي لبنان الي تقوية حزب الله. ومن المفارقة أيضا أن إسرائيل كانت تدعم دخول بوش في حربه مع العراق علي أمل أن يؤدي ذلك الي إحتلال إيران.

ولكن الآن بعد حرب إسرائيل في لبنان فقد انعكست الصورة حيث أصبحت إسرائيل نفسها، هي التي تبدو أمام العالم كالعامل المهدد للسلام في المنطقة عبر إحتلالها وقصفها لمنطقتين في آن واحد وبسبب انتهاكاتها المستمرة للقوانين الدولية. ومن المستحيل أن نتصور أن أيهود أولمرت وأعوانه كانوا يترقبون مثل هذه النتائج.

المشكلة إذن، في رأي لوفاين، هي أنه في عالم سياسات الاحتلال ، الأمواج الصغيرة التي تشعل نيران الفوضي في أول الامر، أكان ذلك بشكل مقصود أو غير مقصود، تتجمع وتتراكم وتتكاثر لتخلق زلزالا من الرعب والمآسي لا يمكن تهدئته فيما بعد.

وحسب رأيه فإن الحروب كانت دائما تؤدي الي نتائج غير محسوبة من الفوضي الإجتماعية السياسية، ولكن الجديد في فترة ما بعد الحرب الباردة هو انه قد تم تطوير نظريات جديدة حول فائدة العنف والفوضي والدمار الخلاق.

ففي منتصف التسعينات بدأ بعض صناع القرار التفكير بأن الفوضي لها دور هام في النظام الإقتصادي الكوني الناشئ والذي سمي بالعولمة النيوليبرالية والتي كانت معروفة سابقا بديمقراطية اقتصاد السوق الحر . كما أعيد انعاش المصطلح القديم الدمار الخلاق لكي يصبح الإطار النظري المناسب لتبرير العنف والفوضي التي كان يظن المخططون في ذلك الحين أنها ضرورية للإنتقال من نظام الحرب الباردة القديم، الذي كان مبنيا علي ميزان القوي بين الدولتين العظميين، الي النظام العالمي الجديد الذي تهيمن عليه قوة واحدة والذي ستسود فيه حسب رأيهم قيم الديمقرطية والتقدم.

كما أن المفكرين الإستراتيجيين من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة بدأوا يصورون الترسانة العسكرية الهائلة للقوة العظمي الوحيدة والأحادية الباقية في العالم علي أنها تشكل الطريق الأسهل لصنع سلام أمريكي علي الصعيد الكوني.


وقد عبرت وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس عن تبنيها المطلق لنظرية الدمار الخلاق عبر تصريحها في 21 تموز 2006 حين قالت إن ما نراه في لبنان هو مخاض الولادة لشرق أوسط جديد ، وانه مهما فعلنا فيجب أن نتأكد أننا ندفع الي الأمام شرق أوسط جديد ولا نعود الي الخلف الي النظام القديم.

أما بالنسبة لفكرة الشرق الأوسط الجديد ، فيري لوفاين أنه رغم كونها فكرة أساسية في مشروع المحافظين الجدد الشرق الاوسطي، إلا أنها قد طورت في أول الأمر من قبل وزير الخارجية الإسرائيلي السابق والشهير شمعون بيريز، والذي لا يزال يحاول الترويج لها، حيث أن هذه الفكرة كانت الأساس الذي بني عليه مسار أوسلو التفاوضي والذي إنهار وفشل بعد عقد من الزمن.

فكان بيريز يتصور إسرائيل كالمحرك الثقافي والإقتصادي المستقبلي في شرق أوسط يندمج تماما في نظام كوني نيوليبيرالي. ولكن ما حدث في الواقع كان عكس ذلك، فعندما بدأت عملية تطبيق النظام النيوليبيرالي علي إقتصاد إسرائيل والضفة الغربية وغزة، إزداد الفقر وعدم المساواة في إسرائيل نفسها بشكل هائل مما أنتج طبقة عمال وطبقة وسطي لم تر أيا من المكتسبات الإقتصادية والثقافية التي وعد بها حزب العمال. وعلي هذا الأساس اعتبر هؤلاء مسار أوسلو وحزب العمال والتفاوض مع الفلسطينيين كأساس لمشاكلهم الإقتصادية، بينما أدي دخول الإقتصاد الفلسطيني في عهد النيوليبيرالية الي عزله بشكل كامل من العالم الخارجي وجعله يعتمد بشكل أعمق علي إسرائيل مما أدي بالفلسطينيين الفقراء الي إعتبار أن عملية السلام كانت عبارة عن وهم وأصبحوا يشعرون أن الأمل بأي تطور إقتصادي يخرجهم من الفقر، كامنا في شبكة الخدمات والمؤسسات التي قدمتها وطورتها حركة حماس.

وعلي هذا الأساس استغلت إسرائيل إنتفاضة الأقصي لبث الفوضي داخل المجتمع الفلسطيني بهدف إضعاف نسيج المؤسسات الوطنية والحياة الإجتماعية. لكن الخناق المفروض علي الشعب الفلسطيني أدي، بشكل عكسي للأهداف الإسرائيلية، الي تقوية روح و هوية المقاومة مثلما هو الحال في لبنان، وهو الشعور الطبيعي الذي تنبأ به بعض علماء الإجتماع علي أنه سيهيمن علي كل المجتمعات المهمشة والفقيرة في عهد العولمة مؤديا الي تطوير هوية ايجابية تدفع بالشعوب الي الدخول في مجازفات والي تحمل الصعوبات والتضحيات من أجل تحقيق أهدافها ورؤيتها للحرية وللهوية الوطنية والدينبة وللعدالة الإجتماعية والإقتصادية.

إن ولادة الشرق الأوسط الجديد تمت إذن في رأي لوفاين في حديقة البيت الأبيض في 1993 عندما تصافح كل من إسحاق رابين وشمعون بيريز مع ياسر عرفات، لكن هذا المشروع في رأيه قد ولد ميتا أو أنجب طفلا مشوها.

وبعد أن عمت الفوضي وساد الدمار في دول عديدة في الشرق الأوسط، والتي أصبحت تشبه المناطق التي أصابتها كوارث طبيعية ذات أحجام مذهلة، مما أصبح يهدد الامن العالمي، إستغلت الشركات الامريكية والمتعددة الجنسية الكبيرة الفرص المتاحة في السوق العالمية لاعادة البناء والتعمير لما أنجزه الدمار الخلاق مثل ما فعلت شركات أكسون موبيل وهاليبورتن ولوكهيد مارتين، علي اثر الفوضي التي أصابت الشرق الأوسط بعد 11 ايلول (سبتمبر) 2001، حيث بدأت شركات النفط وصناعة الأسلحة والهندسة الثقيلة الحصول علي حصة الأسد من الأرباح العالمية والتي ستستمر بالسطو عليها طالما استمرت الفوضي، محولين الإقتصاد العالمي في الألفية الثالثة ليخدم مصالحهم.

وستبقي هذه الأسئلة عالقة ليجيب عليها الزمن: في أي بند من بنود الربح والخسارة في ميزانيات أصحاب نظريات الفوضي والدمار الخلاق ستدرج الاعداد التي لا تحصي من الشهداء والقتلي والجرحي والاسري والمشردين... وهل سينجح السيد بوش ووزيرة خارجيته السيدة رايس بإخراج فكرة بيريس البالية من غرفة الانعاش... ومن هم البارعون في منطقة قوس عدم الاستقرار الذين سيشاركونهما الربح في هذه المهمة الخلاقة؟


وكالة الاخبار العراقية

أضف تعليق