يبلغ هذا الاقتصادي الحائز جائزة نوبل عام 1976 ما يزيد قليلاً على 94 سنة، وقد كان مكروهاً إلى درجة أنه يستحيل عليه إلقاء محاضرة عامة يحضرها طلاب وأساتذة الجامعات في الستينات، من دون أن يتعهد من يدعوه بحمايته «جسدياً» من غضب أكثرية المجتمع الأكاديمي الأميركي في تلك الفترة.
ومع أن نفراً من الاقتصاديين الجادين يعتبرونه أعظم اقتصادي بعد كينز، من حيث تأثيره في علم الاقتصاد في القرن العشرين، فإن غالبية الاقتصاديين يعتبرونه رجلاً رجعياً، على الأقل من النواحي السياسية.
غير أن الهدف من كتابة هذا الموضوع، ينحصر في موقف هذا المفكر (الذي اعتبرته أكثرية طلابه الذين يدُرّسونَ الاقتصاد في جامعات كثيرة في جميع نواحي شمال أميركا، وأكثرية زملائه في قسم الاقتصاد في جامعه شيكاغو، عملاقاً علمياً) من غزو العراق... ثم احتلاله.
فريدمان ليس ضد إزالة صدام من الحكم، وهو يعرف كما يعرف غالبية العراقيين والخليجيين، أن صدام لا يختلف إلا من حيث الزمان والمكان، عن أشهر أشرار البشرية، كستالين وهتلر. فحينما سُئل فريدمان (في مقابلة صحافية تم نشرها في 22/7/2006) عن الحزب الجمهوري الحاكم حالياً، وتضخم الدين العام، وبالتالي مستقبل الحزب في انتخابات 2008، قال حرفياً:
«الذي قتل [القصد سياسياً] الحزب الجمهوري ليس زيادة إنفاق الحكومة الأميركية. لكن ما ألحق بالحزب أشد درجات الضرر السياسي والاقتصادي هو الحرب في العراق».
وإذا كان من تابعوا ويتابعون قديم علم الاقتصاد وجديده لم يفاجأوا بموقف فريدمان من غزو العراق، ومن ثم احتلاله، لأنهم كانوا يعرفون سلفاً أن فريدمان لا هو «محافظ» ولا «ليبرالي» بالمعاني المألوفة. بل هو في واقع الأمر ما يسمى في الغرب «ليبرتنين»، أي ممن يؤمنون بإعطاء الناس كامل الحرية داخل بيوتهم وأماكن عملهم، على شرط ألا ينشأ عن تصرفاتهم ما يضر بالآخرين. وهذا سبب انعدام ثقته بموظفي الحكومات. ومقولته الشهيرة: «أعط الناس حريتهم الاقتصادية كاملة بقدر المستطاع، وهم أقدر في نهاية المطاف من الحكومات على رفع مستوى دخل الجميع». وإذا كان الناس يعرفون سلفاً انهم هم المسؤولون عن أنفسهم قبل أية جهة أخرى، فدور الحكومات ينبغي أن ينحصر في المساواة بين الجميع من حيث فرص مصادر الرزق والأعمال العامة، من دون أدنى تفرقة على أساس عرقي أو ديني.
نعود إلى موقف الاقتصادي الشهير من العراق. يقول فريدمان حرفياً:
«كنت وما زلت ضد غزو العراق. أعتقد أنها كانت خطيئة أميركية كبيرة لسبب بسيط، هو أنني أعتقد أنه لا ينبغي أن يكون للولايات المتحدة دور عدواني (اغريشن)».
قاطعته زوجته وقالت: هذا ليس عدواناً، العدوان ضد الشعوب لا ضد ذلك الديكتاتور الشنيع. فقال لها فريدمان: «إن غزو أميركا للعراق عدوان. هو بالطبع عدوان».
صحيح ان فريدمان يهودي أميركي معروف بأنه محافظ متشدد، بالمعنى الشائع لهذه الأوصاف، غير أنه في الوقت ذاته صادق مع نفسه. ويقول دوماً - سواء أصاب أم أخطأ - ما يعتقد انه الحقيقة، مع علمه أن فرسان الصحوة اليهودية وقادة الصحوة المسيحية، أي من يسموّن «المحافظون الجدد»، سيغضبهم ما قاله عن غزو العراق.
وليقارن القارئ المتابع لما يحدث في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، بين موقف هذا المفكر المحافظ، وذلك المفكر الليبرالي ألن دروشتز «اللئيم»، فدروشتز أستاذ القانون في جامعة هارفارد، الذي نشر كتباً ومقالات يزعم فيها أن جميع حروب اسرائيل ضد العرب، بما في ذلك غزوها للبنان عام 1982، حروب دفاعية بحتة. وهو الذي يقول ويكرر القول، بأن قتل الإسرائيليين لا يعادل «أخلاقياً» قتل العرب. أي يستحق الإسرائيليون الحياة أما العرب فأقل استحقاقاً للعيش بسلام. فكل من فريدمان ودروشتز يهودي. أحدهما يمكن وصفه بـ «المحافظ» غير انه مفكر نزيه، حتى لو اختلفنا معه بالنسبة الى ما يهمنا.
والآخر «الليبرالي» المتحذلق، الذي صار في السنوات الأخيرة يحتل مكانة بارزة بين زعماء الصحوة اليهودية، وبعض قادة الصحوة المسيحية. أي من يسمون «المحافظون الجدد».
والله من وراء القصد.
* أكاديمي سعودي.
أستاذ الاقتصاد فريدمان واحتلال العراق : علي بن طلال الجهني
