\"قررت أن ألجأ إلى إحدى دور المسنين بعد أن أتعبتني معاملة أبنائي، وكنت أتمنى أن أجد الراحة في هذه الدار، غير أن الأوضاع في هذه الدار انقلبت رأسا على عقب في أعقاب الاحتلال الأمريكي للعراق.. وتحول كل شيء فيها إلى ما يشبه الكابوس. صرنا نخشى كل شيء بسبب المداهمات المستمرة لقوات الاحتلال الأمريكية والعراقية على حد سواء للدار التي لم يعد أحد يهتم بها الآن وتعاني من نقص الخدمات\".
بهذه الكلمات لخص الحاج علي حسين لوكالة "قدس برس" معاناة المسنين ودارهم التي تعد الوحيدة بالعاصمة بغداد وأحد الدور المعدودة بالعراق التي تعتني بشريحة كبار السن.
وبمجرد أن تقع عين الزائر من بعيد على المنطقة ثم مبنى الدار الذي يقع قرب "الشماعية"، وهو مستشفى للأمراض النفسية والعقلية، في منطقة الرشاد، شرق بغداد، يدرك الزائر حجم المعاناة، التي يعيشها هؤلاء الذين غادرهم الشباب، بالإضافة إلى سكان تلك المنطقة، التي كانت إلى وقت قريب مكبا للنفايات القادمة من العاصمة، وتحولت بسبب غياب الخدمات الأساسية إلى برك ومستنقعات للمياه الآسنة ومياه المجاري.
أقدم دار للمسنين
ويقول رائد جعفر المسؤول الإداري للدار: إنها "تأسست في منطقة الشماعية في عقد الأربعينيات من القرن الماضي، تحت اسم دار العجزة، ثم تحولت بعد ذلك إلى دار المسنين، وتضم الآن نحو 120 نزيلا من المسنين، بينهم رجال ونساء".
ويضيف جعفر: "نحاول أن نمنحهم هنا شيئا من الحنان الذي فقدوه على كبر.. هناك من يعاني من عقوق الأبناء، وهم الأكثرية، في حين هناك قسم آخر فقد عائلته، بسبب الظروف، التي عاشها العراق، ولم يجد من يعيله".
نقص الخدمات
وتعاني الدار من الكثير من المشكلات، التي تقف في وجه تقديم الخدمات الضرورية لكبار السن. فيقول كريم هاشم معاون مدير الدار: إنه "رغم تفردها في هذا المجال، فإنها تعاني من الكثير من الأزمات ومن نقص الخدمات، التي يتوجب توفرها لتقديم خدمة مناسبة لهؤلاء المسنين".
ويضيف: "أبرز ما نعاني منه في هذه الدار من معوقات هو غياب الخدمات الطبية اللازمة، بل إن الدار تفتقر إلى وجود طبيب متخصص مقيم، الأمر الذي يضطرنا إلى اصطحابهم إلى أقرب مستشفى، مع العلم أن هؤلاء النزلاء هم من كبار السن الذين يحتاجون أصلا إلى رعاية صحية خاصة، ناهيك عن أن عددا منهم يعاني من أمراض مزمنة".
ويقول هاشم: "في ساعات الليل، بعد أن يبدأ حظر التجوال الذي تفرضه قوات الاحتلال، تكون المعاناة أشد؛ لأن عملية نقل المريض تكون مجازفة كبرى، علما أننا لا نملك سوى سيارة إسعاف واحدة. كما أن الدار تعاني من ندرة في الأدوية اللازمة لعلاج المسنين، وخاصة أدوية الأمراض المزمنة، ناهيك عن غياب التخصيصات المالية اللازمة لكل مسن".
ويشير معاون مدير الدار إلى أن "السن القانوني لشمول الرجال بخدمة الدار هو 60 عاما، أما بالنسبة للنساء فهو 55 عاما، كما أن لدينا حالات استثناء من هذا الشرط، تشمل الحالات فاقدي المأوى من جراء الحروب. والدار تضم عراقيين من مختلف الطبقات والتخصصات.. فهناك المواطن البسيط، وهناك المحامي، بل إن هناك بعض القادة العسكريين الذين لم يجدوا مأوى، بعد أن طردهم الأبناء، فكانت هذه الدار وجهتهم".
الخوف
أم حسين إحدى المسنات تقول: "أحضرني ابني إلى هذه الدار، بعد أن رفضت زوجته بقائي معهما.. كنت في البداية أشعر بالغربة والوحدة، غير أنه بمرور الأيام ألفت الأوضاع هنا.. لكن المشكلة اليوم أننا نخاف من كل شيء، نخاف من طرقة الباب القوية، مرة هاجم الأمريكان هذه الدار وعاملونا بقسوة؟!!.. ومرة داهمتنا القوات العراقية وكأننا مسؤولون عما يجري في العراق من مآس؟!!، ناهيك عن خشيتنا من اللصوص".
وتعيش الدار اليوم وضعا مشابها لحال نزلائها، فالكل تخلى عن هذه الشريحة، بل إن بعضا من مسني الدار روى حوادث تتعلق بالفساد الإداري داخل هذه الدار، مثلها مثل بقية مؤسسات العراق الجديد، وربما من أكثر تلك الحوادث إثارة للحزن والأسى، الاستيلاء على معونات خصصها عدد من المنظمات الإنسانية في العالم لهذه الدار؟!!.
بغداد -
قدس برس (إياد الدليمي)-
إسلام أون لاين. نت
في زمن حقوق الإنسان الأمريكية.. مسنو العراق بين نارين.. العقوق والاحتلال!
