هيئة علماء المسلمين في العراق

ماذا بعد رمضان ؟… عبد العزيز محمد
ماذا بعد رمضان ؟… عبد العزيز محمد ماذا بعد رمضان ؟… عبد العزيز محمد

ماذا بعد رمضان ؟… عبد العزيز محمد

رحل عنا شهر رمضان بصيامه وقيامه، ومضت أيامه المباركة ولياليه السعيدة، وقد كان هذا الشهر الكريم بمثابة سوق انتصب ثم انفضَّ، ربح فيه الرابحون، وخسر فيه الخاسرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.


عن القاسم بن محمد قال: قال رسول الله: ((أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل)) وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته.


أمة الإسلام، من داوم على طاعة الله ربح، ومن عَرف ربَّه استراح، ومن عبد اللهَ في شهر دون آخر فسيكون غدًا من النادمين. فيا أيها المتاجرون مع ربكم، كيف كانت لذة الطاعة معكم في رمضان؟ كيف كان الصيام والقيام؟ كيف كان الذكرُ والورعُ؟ كيف كانت مراقبتكم لله - عز وجل -؟ إن كنتم قد أحسستم بلذة العبادةِ في هذا الشهرِ الكريمِ فلماذا لا تداومون عليها بعد رمضان؟! وكيف تعودون إلى ذلِّ المعصية بعد أن تمتعتم بعزِّ الطاعة؟! وهل يفعل ذلك المؤمنون الصادقون؟! أوَليس أصلح لكم أن تحافظوا على هذا الربح العظيم والخير العميم الذي تفضل الله به عليكم في شهر رمضان؟!


و اعلموا أن طاعتكم لله هي الطريق إلى رضاه، وأنَّ الاستكثار من العبادة يحوِّلُ الأشقياءَ إلى سعداءَ، ويبدِّلُ الأعداءَ إلى أولياءَ، ويكون سببًا في محبة الله لعبده والدفاعِ عنه إذا أصابه من غير الله مكروه. والمداومة على الأعمال الصالحة تُطهِّر القلوبَ، وتزكّي الأنفسَ، وتُهذب الأرواحَ، وتُريح الأبدانَ، وتُسعدُ العبدَ في الدنيا والآخرة. فيا عجبًا لإنسان عاقل يعود إلى مرارة المعصية بعد أن ذاق حلاوة الطاعة!


إخوة الإسلام، تذكروا أن شهر رمضان حينما رحلَ عنكم رُفِعَتْ معه أعمالكم إلى علام الغيوب، وقد كنتم في رمضان تفعلون الخيرات وتحافظون على الصلوات، كانت المساجد في رمضان بالمسلمين مملوءة، وكانت المصاحف منشورة ومقروءة، فلماذا لا تصطحبون أعمال الخير معكم إلى ما بعد رمضان حتى تَصِلُوا عبادةً بعبادةٍ وطاعةً بطاعةٍ؟! أما علمتم أن ربَّ رمضان هو رب شوال أم أنكم كنتم تعبدون شهر رمضان من دون الله؟! أما سمعتم قول الله تعالى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 92]؟! فالمعبود وحده هو الله - عز وجل -، فإن كان رمضان قد مضى كأنه طيف خيال وعدتم إلى التفريط في جنب الله في شوال فاعلموا أن الله حيٌّ أبدي سرمدي، لا يدركه زوال، ولا يفنيه تداول الأوقات وتعاقب الأهلة هلالاً بعد هلال، فمن يعبد الله في شهر دون آخر فليس من عباد الله المؤمنين.


أيها المسلم، عهدناك في رمضان تائبًا من ذنبك منيبًا إلى ربك، عهدناك في رمضان مهذبًا تقيًا متواضعًا نقيًا، عهدناك في رمضان حريصًا على حضور الجمعة والجماعات، مقبلاً على دروس العلم، مستعدًا لقبول النصائح والعِظات، فلماذا تراجعتَ عن هذا الخير كله وهجرتَ بيت الله وطويتَ مصحفكَ؟! ولا ندري متى تعود إليه أيها المسكين. لقد كنتَ في رمضانَ جوادًا كريمًا معطاءًَ سخيًا، تبذل الكثيرَ من مالك، وتحسنُ معاملة الناس أجمعين؛ لأنك متخلقٌ بأخلاق الصائمين القائمين، من رآكَ في رمضان يقول: ما هذا بشرًا إن هذا إلا مَلَكٌ كريم؛ لما يرى فيكَ من حرصٍ على الطاعةِ ومواظبةٍ على العبادةِ، فقل لي بربكَ: ما الذي حدثَ حتى تخرجَ من رمضانَ مقبلاً على المعصية، ناسيًا ما كنت فيه من العبادة؟! وماذا ينتظر العاصي بعد ذلك من ثواب على ما فعل في رمضان؟!


لقد سُئِل العبد الصالح بشرٌ الحافي عن قومِ يعبدون الله في رمضان دون سواه فأجاب قائلاً: "بئس القوم هم، لا يعرفون لله حقًا إلا في رمضان". إن المؤمنَ الحقَّ والمسلم الصادقَ هو الذي يعبد الله في رمضان وفي غير رمضان. ولقد صدق الشاعر حيثُ يقول:


أفي رمضان نعتزل المعاصي  *** وبعد الصوم نرجع للحرام؟!


فهذي حرفة الأشرار منا  ***   وتلك طبيعة القوم اللئام


إذا ما المرء صام عن الخطايا *** فكل شهوره شهر الصيام


فما أحقرَ تجارةَ الشهوات، وما ألأمَ العابثين بعبادة الله، ويا حسرة على العباد يعبدون الله في رمضان ثم يعودون إلى المعصية في شوال، فما الذي يجنيه العاصي من وراء معصيته سوى قسوة القلب وغضب الرب والعذاب الأليم والقلق النفسي والاضطراب البدني في الوقت الذي تطمئنُ فيه قلوب المؤمنين بذكر الله الذين قال الله فيهم: الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]. ولقد نعى رسول الله على الذين يجتهدون في العبادة ثم يتكاسلون عنها فقال: ((إن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى)).


 فيا عباد الله، استمروا على الطاعة التي كنتم عليها في شهر رمضان، حتى تكونوا من المؤمنين الصادقين، وإياكم أن تكونَ عبادتكم لله عبادةً موسمية، فتكونوا تجارًا غير رابحين، واعلموا أن الموت يأتي بغتةً، يقول الله تعالى: (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [النحل: 77].


فأن خير الأعمالِ ما خُتِمَ بطاعةٍ، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ، وقارنوا بين مَن اتَّبَع هدى الله ومَن أعرضَ عن ذكره، حيث يقول -سبحانه وتعالى- في محكم التنزيل: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 123، 124].


عباد الله , المعبودُ هو الله وحده دون غيره من الخلق، وصدق سيدنا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- حيثُ قال يوم وفاة النبي: (أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). وأنتم -أيها السادة- من كان منكم يعبد رمضان فقد انقضى رمضان، ومن كان يعبد الله فلينظر كيف يتعامل مع ربٍ كريم يكافئ على الحسنةِ بعشر أمثالها، وقد يزيدُ. فطوبى لمن اتخذوا رمضان حافزًا على مواصلة العبادة، وبُشرى لمن داوموا على الطاعة بعد رمضان، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.


فاتقوا الله ، وحافظوا على مرضاة ربكم بمداومة العبادة، ولا تغضبوا نبيكم بالتكاسل عن الطاعة، حتى تستحقوا شفاعته يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.


فإن انتهى شهر الفريضة "شهر رمضان" فصوم التطوع بابه مفتوح؛ كصيام ستة أيام من شوال، فقد روى الإمام مسلم عن أبي أيوب - رضي الله عنه - أن رسول الله قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر)). وذلك لأن صيام شهر رمضان عن صيام عشرة أشهر في الأجر، وستة أيام من شوال عن صيام شهرين، فبذلك يحصل لمن صامها أجر صيام الدهر كله، ويجوز لمن أراد صيامها أن يتابعها ويفرقها في الشهر، كما يجوز أن يصوم سنة ويترك أخرى، فلا تُفوِّتوا -رحمكم الله- على أنفسكم هذه الفضائل، واذكروا الله سبحانه على إنعامه، وأتموا أعمالكم الصالحة، واستمروا عليها بعد رمضان إلى أن يتوفاكم الله -عز وجل-، ولا تبطلوا -رحمكم الله- أعمالكم الصالحة التي بنيتموها في شهر رمضان، فإن أحدنا لا يدري هل يدرك رمضان مرة أخرى أو لا يدركه، وكلنا بحاجة إلى التوبة إلى الله - سبحانه - والاستغفار وتتابع الأعمال الصالحة.


اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين وصحابته أجمعين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 عبد العزيز  محمد الغنام


 


أضف تعليق