الهيئة نت ـ عمّان| عقد القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين؛ ندوة خاصة بمناسبة الذكرى السابعة والتسعين لثورة العشرين في العراق، جاءت بعنوان (الأفكار السياسية لثورة العشرين)، وحضرها جمع من أبناء الجالية العراقية من الأكاديميين والإعلاميين.
وقُدمت في الندوة ورقتا عمل اختصت إحداهما بجوانب من تاريخ هذه الثورة، وقدّمها الدكتور محمد مظفر الأدهمي؛ فيما اعتنت الورقة الأخرى التي قدّمها الأمين العام للهيئة الدكتور مثنى حارث الضاري، بالجوانب السياسية لثورة العشرين.
وقال الدكتور الأدهمي في مستهل حديثه؛ إنه لا يُمكن أن يُفسر التاريخ بعامل واحد، بل بعدة عوامل بما فيها العامل المباشر، مبينًا أن لثورة العشرين مقدمات وعوامل عديدة اقتصادية واجتماعية وسياسية، وأن تلك المقدمات بدأت منذ بدء الاحتلال البريطاني للعراق 1917، وخلال المدة التي تلت هذا التاريخ بدأ حراك سياسي لافت، وتعالت مطالب استقلال العراق، معرجًا بالذكر على أسماء العديد من الشخصيات التي كان لها دور في هذا المجال.
حراك سياسي وطني
وشرح الدكتور الأدهمي مجريات الأحداث التي سبقت ورافقت ثورة العشرين، مسلطًا الضوء على تحركات سياسية متزامنة جرت في العراق وسورية تهدف إلى الاستقلال والتحرر من تبعية الاحتلال.
وتناولت ورقة تاريخ ثورة العشرين؛ أحداثًا مهمة على صعيد التحرك الوطني والعمليات المناهضة لوجود الاحتلال البريطاني، والهجمات التي نفذها الثوّار ضد قوّاته في مناطق عدة من العراق، معززة تلك المعلومات بشهادات وثقتها كتابات مسؤولين بريطانيين آنذاك.
ولفت الأدهمي إلى أن التحرك السياسي في بغداد والفرات الأوسط والجنوب تزامن مع الثورة التي شهدتها مدينة تلعفر بمحافظة نينوى قبيل انطلاق ثورة العشرين وتحديدًا في أواخر شهر آيار ومطلع شهر حزيران، واستمرت حتى الثلاثين منه الذي كان يوم انطلاق الثورة المشهود.
مواقف قادة الثورة
وتعليقًا على ما جرى في أيّام الثورة، ذكر الدكتور الأدهمي أمثلة على مطالب الثورة والمواقف الوطنية لقادتها، ومن أبرزهم الشيخ ضاري المحمود الزوبعي الذي رفض خطابًا طائفيًا تبناه الحاكم العسكري للاحتلال في محافظة الأنبار (لجمن)، وسجل مواقف مناهضة لسياسات الاحتلال، ورفض الرضوخ إلى الضغوط التي مورست عليه، قبل أن يشرع الاحتلال بمحاولة القبض عليه لاسيما وأن المجاميع التي قادها تمكنت من ضرب قوّات الاحتلال وإسقاط إحدى طائراته، مما جعل البريطانيين يرفضون العفو عنه خاصة بعد قتله للحاكم العسكري، في الواقعة المشهورة في تاريخ العراق.

أمّا الورقة الأخرى التي قدّمها الأمين العام الدكتور مثنى الضاري؛ فقد تناولت أفكارًا وطروحات عديدة في مجال السياسة المتعلق برؤية ثورة العشرين والأفكار التي تبناها الثوار.
وأكد الدكتور الضاري أنه على الرغم من كل ما كُتب عن ثورة العشرين؛ إلا أنها ما تزال بحاجة إلى ذكر الكثير من الجوانب المهمة والأفكار السياسية، وهي جديرة بالدراسة والتحقيق من قبل الباحثين المختصين.
الفكر السياسي لثورة العشرين
وفي هذا الشأن قال الأمين العام؛ إن البحث في منطلقات الفكر السياسي لثورة العشرين يُظهر أنها كانت اللبنة الأساس للفكر السياسي الحديث، في كل التطورات والحركات السياسية والحركات العسكرية التي استمرت بعدها، مبينًا أن جميع الحركات الوطنية التي تلت تلك الحقبة استفادت من الإرث الكبير لهذه الثورة.
وأشار الدكتور مثنى الضاري إلى أن ثورة العشرين لها فكر سياسي عام، وأفكار سياسية خاصة، ومنها طلب الاستقلال باعتباره الهدف الأساس الذي يتبناه الجميع من مختلف الأطياف والمكونات من شمال العراق إلى جنوبه، وقال: إن ما كان يميز ذلك هو الانسجام والفكر السياسي الموحد لدى الجميع، مما يدل على أن الثورة لم تكن مجرد دفقة عاطفية أو ردة فعل، بل كانت وليدة وعي سياسي مؤثر.
ومضى الدكتور الضاري إلى القول؛ بأن الثورة مثّلت أغلب المكونات العراقية، في وسط وشرق العراق وفي جنوبه وغربه، إلى جانب الحركات الوطنية التي ظهرت في شمال البلاد، وفيما استعرض أسماء أبرز الشخصيات التي مثلت تلك المكونات؛ دعا إلى إعادة كتابة أحداث الثورة العراقية الكبرى وتضمينها هذه المعلومات المهمة من تاريخ العراق.

وفي السياق نفسه؛ بيّن الدكتور مثنى الضاري؛ أن الثورة كانت تسعى لحل نهائي وليس لتسويات وقتية، وضرب لذلك أمثلة منها؛ رفض أهل بغداد العروض التي قدمها الاحتلال البريطاني، وما حدث في المؤتمر الذي عقد في بغداد وحضره مندوب الاحتلال؛ حيث أبى العراقيون الاستجابة للعروض الترقيعية التي تبنها بريطانيا فيه.
وبشأن الأحداث التي رافقت الثورة؛ أكد الأمين العام أنها مرّت بمراحل صعبة ومأساوية، مثلما مر العراق كلّها بها، وهو أمر بشبه تمامًا ما هو حاصل في واقعنا المعاصر ولاسيما بعد احتلال العراق في سنة 2003 وحتى الآن.
مطالب الثورة وأفكارها السياسية
ولخّصت ورقة الدكتور مثنى الضاري؛ أهم المطالب السياسية للثورة، ومنها؛ فكرة التحرر والانعتاق من الاحتلال والذي عبر عنه شعار ثوّار ثورة العشرين: (الاستقلال التام أو الموت الزؤوام)، وقد أوجدت هذه الفكرة أرضية مناسبة بعد حين، وفكرة رفض الهيمنة الأجنبية أيًا كانت، فكيف بهيمنة غير مسلم على مسلم؟ موضحًا أن الكثير من العشائر العراقية استمعت للفتاوى التي طُرحت في ذلك الوقت ونصت على عدم جواز أن تكون هناك ولاية لغير المسلم على المسلم؛ فقاتلت مع العثمانيين ـ رغم الخلاف السياسية والمذهبية لبعض هذه العشائر مع العثمانيين ـ ضد البريطانيين في الشعيبة والعمارة والكوت وبغداد والموصل وغيرها من مناطق العراق.
ومن بين الأفكار التي سلطت ورقة الأمين العام الضوء عليها؛ فكرة المطالبة بحكومة يختارها المواطنون، وليس الدخلاء ولا الوافدون ولا الطارئون؛ مما يعكس وعيًا كبيرًا للثوار؛ الذين أكدوا على موضوع الحكومة في كل لقاء أو اجتماع على مختلف الأصعدة الدينية والقبلية والسياسية، وقد جمعوا بهذا المطلب البُعد العراقي الخالص البعيد عن المذهبيات والعرقيات، فضلاً عن التعاون في هذا المجال بين العشائر والسياسيين والضباط العسكريين.

وأشار الدكتور مثنى الضاري إلى أن فكرة المواطنة الموحدة في وجه العدو ـ بغض النظر عن الاختلافات ـ خيّبت مساعي قادة الاحتلال البريطاني التي كانت تهدف لزرع الفرقة بين العراقيين، باعتبارها واحدة من الأفكار الرصينة التي تميزت بها الثورة، واجتازت بموجبها مراحل مهمة في تلك الحقبة.
هذا، واهتمت ورقة الأمين العام ببيان أهم الوسائل التي اعتمدتها ثورة العشرين في حراكها ضد الاحتلال؛ ومنها الفتاوى الشرعية المتعلقة بالجهاد ضد الاحتلال البريطاني، مستعرضًا بالتفصيل نماذج منها شرحًا وتعليقًا وبيانًا، ومشددًا على أهمية أن تعنى هذه الفتاوى بالدراسة وأن تأخذ نصيبها من التوثيق التاريخي لأهميتها ودورها في ذلك الوقت، لاسيما وأنها عبّرت عن فكر واعٍ وأسس وأهداف لتوسعة الثورة وديمومتها.
وفضلًا عن الفتاوى فإن الوسائل الأخرى التي اعتمدها الثوار من قبيل اللقاءات والمؤتمرات، والموالد النبوية بما فيها من خطب وكلمات، والمظاهرات التي تطورت شيئًا فشيئًا، إلى جانب العمليات العسكرية التي أسهمت في بلورة الثورة ونضجها؛ حظيت بتفصيل وشرح في ورقة الدكتور الضاري، ونالت المعلومات المتعلقة بها بتوثيقات وشواهد تاريخية ومواقف مختلفة.
الهيئة نت
ج
