أن يكون هناك مشروع أميركيّ للمنطقة، شرق أوسطي جديد أو كبير، فهذا ما لا يرقى إليه الشكّ. بيد أنه مشروع متعثّر متناقض، وفي بعض البلدان متهاوٍ.
وإذا كانت الأقلام تجرّب فيه حبرها، والأصوات تجرّب فيه حناجرها، فهذا لا يلغي وجود مشروع آخر لا يقلّ، في حال من الأحوال، خطراً: انه المشروع الإيرانيّ.
فإذا كان أسوأ ما في المشروع الأميركيّ تبعيد النزاع الاسرائيليّ - الفلسطينيّ، إن لم يكن تجاهله، فأسوأ ما في المشروع الإيرانيّ انه مبنيّ على هذين التبعيد والتجاهل، مكمّل لهما ومستفيد منهما. فهو يريد أن يوظّف النزاع المذكور مثلما وظّف «الحلّين» الأميركيّين للمسألتين العراقيّة والأفغانيّة. وكما استثمر حكّام طهران ضعف الحضور العربيّ في الموضوع العراقيّ، إن لم يكن انعدامه، فإنهم يسعون الى استثمار العجز العربيّ في ما خصّ الموضوع الفلسطينيّ - الاسرائيليّ تمهيداً لتكريس العجز المذكور.
غنيّ عن القول إن النظام الإيرانيّ، لا يُكنّ، على عكس زعمه، أيّ عاطفة «إسلاميّة» صادقة لجيرانه في الغرب. يُستدلّ على ذلك باحتفاظه بالجزر الثلاث المحتلّة في الخليج، وبمعاملته عرب إيران. وعلى رغم لفظيّتها المناهضة لاسرائيل، فإن طهران لم تنشط في إيذائها إلا مع توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، حين بدا ان وضعاً عربياً جديداً ينشأ، وضعاً لا يعيق النزاعُ الفلسطينيّ - الاسرائيليّ صلتَه بالغرب وبالعالم. أما قبل ذلك فمعروفةٌ قصة ايران-غيت التي تنمّ عن المدى الذي يصل اليه حكّام طهران في التنازل عن مزاعمهم الايديولوجيّة المناوئة للولايات المتّحدة واسرائيل.
والآن، قد يكون أخطر ما تحمله لنا الريح الايرانيّة في هبوبها غرباً انها، أوّلاً، تقوّض منظومة الدول كما هي قائمة في منطقتنا لمصلحة فوضى بلا حدود تغطّيها تلك المزاعم الايديولوجيّة إيّاها، لا سيّما منها الصراع مع اسرائيل. وأنها، ثانياً، تستنفر التراكيب الأهليّة وتسعى الى تفجيرها، على ما هي الحال راهناً في العراق، فتوقظ النزاعات المذهبيّة وتطلقها الى حدودها القصوى. وأنها، ثالثاً، تصدّر لنا، فضلاً عن التنازع والفوضى، أفكاراً «سياسيّة» لا تنضح الا تخلّفاً ورجوعاً الى القرون الوسطى، يتصدّرها تديين الشأن العام ورذل كل ما يمتّ بصلة الى التقدم والتنوير، فيما يواكبها رفع الاستبداد الى مصاف الرجاء والخلاص.
فإذا صحّ ان الملامح أعلاه ملامح التمدّد الإيرانيّ، صحّ أن خصومه العرب مدعوّون الى نشاط جديد وتفكير جديد: أما النشاط فلا بدّ من تركيزه على إعادة إحياء التفاوض في شأن تسوية الموضوع الفلسطينيّ، ومن ثم وقف التكامل الوظيفيّ بين التجاهل الأميركيّ والاستفادة الايرانيّة منه. وأما التفكير الجديد فمداره تطوير نظرة الى العالم عصريّة وديناميكيّة تقطع مع التفكير الايرانيّ القروسطيّ، ولا تتيح له توظيف المقدّمات الايديولوجيّة التي قد تبدو مشتركة.
وأوّل التصدّي لما تفعله إيران، ولما تنويه، الكفّ عن معزوفة التخويف الصدّاميّ والشوفينيّ بـ «الفرس»، واعتماد لغة حديثة في مساجلة النفوذ الخمينيّ، مع وضع خطط لإصلاحات جديّة، سياسيّة واجتماعيّة، في البلدان العربيّة المعنيّة. ولئن وفّر لبنان، بفضل حزب الله والدور السوريّ، رأس جسر التمدّد الإيرانيّ غرباً، كانت ملاقاته هناك شرطاً شارطاً لردّه على أعقابه.
صحيفة الحياة
والمشروع الإيرانيّ؟ - حازم صاغيّة
