مختارات من بعض تلك الروح التى ما تزال تقول لا .
لكل مقام مقال، ولكل منبر حال. فيه قيل وقال. فيه شعر وشاعر وشويعر.
وفيه هذيان الندامى من مدمنى عصير الشعير المصبب، او نبيذ العنب المعتق والمرطب، او نشوة المحلقين فى مجالس روح الحكمة المخمرة عند ابو نؤاس وعمر الخيام، حيث هناك ذروة الانبلاج تتفتق، وفيه من يفوح بانفاس شعره بلاسم تتألق، بشهيقه وزفيره مساجلات الاعمال والامال، ليس لحالة اللغة حال، ليست للنبؤات والبلاغة والجمال حدود، فهى تطير بلا اجنحة، وتطوف بلا استئذان بين العقول والقلوب، والارواح والاجساد، ومنها وفيها يخرج الحلال من الحرام والحرام من الحلال.
اللغة وعاء للتفكير، والفكر يعيد تشكيل معانيها ويصقلها ويعصرها لتسكر فى تقطير وتكثيف يستسيغها اللسان ويصعد بها الى اللب فيغذيه بحلاوة صورها ويلقى بزبد مخلفاتها الثقال فى بحر النسيان، لتنتفى الى رذاذ يعاد سحبه بعد تحلله الى بدايات الوصال، او يغنى على اطلالها من تجمدت فى تلافيفه الافكار لينطوى على ذاته كابتا شحناته التى ربما تساعد على انفجار حيث قد لا يموت فيه الا من بموته تتفتح الازهار، الفكر لا يتلاشى دون ان يخلفه اخر يحتوى ماتحلل من عناصره بل يموت الموت على ابوابه الجديدة، وبما ان للشعر وزنان الاول وزن بذاته ولذاته والاخر للاخر يفترض به فعل وانفعال وتيار من الاحاسيس تشتعل عند المتلقي، وحسب الاجادة ونوع الاتصال، فان تلاوينه لا تعد ولا تحصى وهى على قدر بصمات الناس واعداد شعور رؤوسهم.
الشعر فن تتسامى به النفوس وتطهر الارواح، عند ارسطو، وخلق جمالى لصور مرئية وغير مرئية عند ابن المقفع، وهو فعل التجريد النسبى للذات الشاعرة بانطلاقة مطلقة عند اخوان الصفا، اما والشعر ديوان العرب، ورئة يتنفس بها المتطلعون والثائرون والمغامرون والمصلحون والمستائون والمتهكمون والمتحمسون، والمتكسبون، والمحبون، فانه يلائم مفاعيل، ومفاتيح قلوبهم، وتفعيلات حدوهم، فهو لصيق بهم، وبصفاء السماء والصحراء والماء والخضرة والوجه الحسن.
اشعار الوهج
اشعار الحماسة والاتقاد المنساب، والاشاعة المشعة تحريضا، والسخرية والتهكم الخلاق، وقراءة الافاق، انها جميعا اغراض اجتماعية توظف فى الشعر ليعاد انتاجها وحسب التجربة الشعرية ذاتا وموضوعا حيث تتكامل لتكوّن خطاب الثورة-الحلم، بعد ان اكتمل نصابها والشاعر هنا هو دليلها الذى لا يخذلها فهى من بنات احلامه، ومن امهات قصائده التى لم تكتب بعد.
يقول الشريف الرضى مستنهضا بغداد، وهو الامام الثائر، والشريف الشاعر:
نبهتهم مثل عوالى الرماح ـ الى الوغى قبل نموم الصباح
فوارس نالوا المنى بالقنا ـ وصافحوا اعراضهم بالصفاح
لغارة سامع انبائها ـ يغص منها بالزلال القراح
ليس على مضرمها سبة ـ ولا على المجلب بها جناح
يا نفس من هم الى هم ـ فليس من عبء الاذى مستراح
قد آن للقلب الذى كده ـ طول مناجاة المنى ان يراح
لابد ان اركبها صعبة ـ وقاحة تحت غلام وقاح
...
متى ارى الزوراء مرتجة ـ تمطر بالبيض الظبا او تراح
...
حتى ارى الارض وقد زلزلت ـ بعارض اغبر دامى النواح
متى ارى الناس وقد صبحوا ـ اوائل اليوم بطعن صراح
يلتفت الهارب فى عطفه ـ مروعا يرقب وقع الجراح
...
قوم رضوا بالعجز واستبدلوا ـ
بالسيف يدمى غربه كأس راح
غطى رداء العز عوراتهم ـ فافتضحوا بالذل اى افتضاح
...
صبرت نفسى عند اهوالها ـ وقلت من هبوتها لا براح
اما فتى نال العلى فاشتفى ـ او بطل ذاق الردى فاستراح.
صدى قصيدة الشريف الرضى يتردد يتجدد ولكنه لا يتكرر، روح الحماسة والشهادة على العصر وله هى ذاتها الثابت والمتحول فيها الزمن والتفاصيل، فيها فضح لتناقض المواقف والنقد للعجز عن القيام بما يجب، اى بما هو مألوف فى سيرة القوم، والقوم هنا قومان، قوم مستسلم ومترف وظالم، وقوم ناقمون وثائرون او عازمون.
فى مقاطع من قصيدة صفى الدين الحلي، سلى الرماح العوالى يقول فيها:
لما سعينا فما رقت عزائمنا ـ
عما نروم ولا خابت مساعينا
يا يوم وقعة زوراء العراق وقد ـ
دنا الاعادى كما كانوا يدينونا
بضمر ما ربطناها مسمومة ـ
الا لنغزو بها من كان يغزونا
وفتية ان نقل اصغوا مسامعهم ـ
لقولنا او دعوناهم اجابونا
قوم اذا استخصموا كانوا فراعنة ـ
يوما وان حكموا كانوا موازينا
تدرعوا العقل جلبابا فان حميت ـ
نار الوغى خلتهم فيه مجانينا
اذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة ـ
وان دعوا قالت الايام آمينا
أن الزرازير لما قام قائمها ـ
توهمت انها صارت شواهينا
...
انا لقوم ابت اخلاقنا شرفا ـ ان نبتدى بالاذى من يؤاذينا
بيض صنائعنا سود وقائعنا ـ
خضر مرابعنا حمر مواضينا.
انها مفاخرة ليست بمتعالية او مريضة ولكنها نوع من الحث على تجاوز النكوص واستحضار التجارب وخلاصاتها. ويقول الشاعر المبدع معروف الرصافى فى مقاطع مختارة من قصائده:
من اين يرجى للعراق تقدم ـ وسبيل ممتلكيه غير سبيله
لا خير فى وطن يكون السيف عند ـ
جبانه والمال عند بخيله
والرأى عند طريده والعلم عند ـ غريبه والحكم عند دخيله.
وفى قصيدة مشهورة له ايام الاحتلال الانكليزى للعراق يقول فيها:
للانكليز مطامع ببلادكم- لا تنتهى الا بان تتبلشفوا "اى تفعلوا كما فعل الشعب الروسى بثورة اكتوبر".
علم ودستور ومجلس امة- كل عن المعنى الصحيح محرف
اسماء ليس لنا سوى الفاظها- اما معانيها فليست تعرف
من يقرأ الدستور يعرف انه- وفقا لصك الانتداب مصنف.
صادقا صدق الحقيقة ومعبرا عنها بمباشرة لا تخاتل او تزوق بافتعال لتتمثل فى السامعين وتصعد بهم سهلة فى الذهاب الى معانيها، ممتنعة عن المغالطات والتشويه، لها رؤيا تدعو الى التجاوز بالثورة.
والجواهرى جوهرة اكتنزت صدى الاسبقين وشحنته من ذاتها وصعقته بابداع المتألقين يقف معهم فى خندق الانسان والمعذبين، من قصائده الخالدة اخترنا مقاطع من قصيدة الجياع:
نامى جياع الشعب نامى ـ حرستك آلهة الطعام
نامى فإن لم تشبعى ـ من يقظةٍ فمن المنام
نامى على زبد الوعود ـ يداف فى عسل الكلام
نامى تزرك عرائس الاحلام ـ فى جنح الظلام
تتنورى قرص الرغيف ـ كدورة البدر التمام
وترى زرائبك الفساح ـ مبلطات بالرخام
...
نامى فجلدك لا يطيق ـ اذا صحا وقع السهام
نامى فجدران السجون ـ تعج بالموت الزؤام
ولأنت احوج بعد اتعاب الرضوخ الى جمام
نامى يرح بمنامك الزعماء من داء عقام
نامى فقد انهى مجيع الشعب ايام الصيام
نامى فقد غنى إله الحرب الحان السلام.
ولرائد الشعر الحر قولته فى الالعاب القاتلة التى يريدها المستعمرون هيجاء لغزوهم المتواصل وهذه الالعاب رصاص ثقيل بثقل الخطايا والسفح الذى لم يسبقه سفح. فقد كان بدر شاكر السياب يتمتع بصفاء قريحته الفكرية والشعرية بحيث تستطيع ان ترى فى قصائده كل النجوم والاقمار وحتى الشموس البعيدة، فليس هناك ضباب رؤيا ولا غيوم تحجزها، ومن نجمته الشعرية الخارقة يرى كوريا وبغداد وفلسطين وكل المدن المشعة عذابا وعطاء، بومضة خاطفة، نختار مقاطع من قصيدة الاسلحة والاطفال :
رصا.. ص
لمن كل هذا الرصاص؟
لاطفال كورية البائسين
وابناء بغداد والاخرين
اذا ما ارادوا الخلاص
حديد
رصاص
رصاص
رصاص !
...
حديد ونار، حديد ونار
وثم ارتطام وثم انفجار
...
قسم
باقدام اطفالنا العارية
يمينا وبالخبز والعافية:
اذا لم نعفر جباه الطغاة
على هذه الارجل الحافية
وان لم نذوب رصاص الغزاة
...
حروفا هى الانجم الهادية
ونجل المغيرين عن آسية
فلا ذكرتنا بغير السباب
او اللعن أجيالنا الاتية.
وثمة شاعر ليس كبقية الشعراء. مثل نحلة يتنقل بين الحقول لينشد ويصدح برحيق ازهارها مبدعا وبتلاوين طرية فنونا شديدة العقل والحنين والجنون لا يتذوقها الا من كان حليب نسغه غير ملوث بطاعون اللهاث وراء الماعون.انه مظفر النواب فى اخر قصيدة له وهو اسير سرير المرض فى دمشق معلقا على الحرب العدوانية الاسرائيلية على لبنان ونختار منها بعض المقاطع:
كهرمان... يا كهرمان
الوطن المتساوى الاضلاع
رجس لن يقبله منذ الان
الامريكان.
...
كهرمان ... يا كهرمان
فى يوم واحد تتناقض ثلاثة
بلدان
طهران تقضم من كبد البصرة
ومن ابطيها تُسحل غزة
وعلى اربعة عشر صليبا
يتخوزق لبنان.
...
كهرمان... يا كهرمان
هل علم فلسطين هو الممنوع
وتزدحم باعلام الفيفا بلادى
وباعلام الالمان.
...
كهرمان... يا كهرمان
من يحمى الان الخرفان
اذا كان الذئب صديقا
وحليفا
وهو الامر والناهي
فى هذا البستان؟
...
والشيخة عكا فى المستشفي
بدأت تفتح عينيها
من يعرف فى هذا القصف
اذا كانت تتذكر ابويها؟
ارشقها بالبحر يا حاج حسن
بالرعب فقط... تسقط آثار الرعب
على قدميها.
...
يا سيدى حسن
يا سيدى فى جبتك الخوف
أمان
يتلفح نصر الله اذا جاء
بآيات القرآن
هذا الفتح ال... من عند
الله ومن مارون الراس
لا من عند الامريكان
فسبح بحمد ربك واستغفره
لن تبقى حيفا هادئة بعد الان.
محمود درويش شاعر فلسطين والعرب وشاعر لا يسعه لقب، كالاوكسجين يساعد على الاشتعال الذى يطهر ولا يقبح، يعزف سمفونية للزيتون والثورة والمفارقات يختصر المسافات، نفسه سريع وطويل، وشعره منذ نعومة اظفاره مليء بالمواويل، له فى كل عاصمة او منارة او فنارة قاسمها العيش ريح وبصمة، فى حيفا ويافا وبيروت، له فى كل ثائر نظرة، عنده الثورة اعظم من الدولة، عنده بيروت لن تكون اخر الطلقات، وعنده فلسطين لن تكون حقيبة سفر ولن يغادرها الشعراء.
من معلقته الرائعة مديح الظل العالى نختار رغم صعوبة الاختيار فهى كلها قصيدة مختارة، ولكن للكتابة شروطها، وها نحن نختار منها بعض المقاطع:
الله اكبر
هذه آيتنا، فآقرأ
باسم الفدائى الذى خلقا
من جزمة افقا.
باسم الفدائى الذى يرحل
من وقتكم.. لندائه الاول
الاول الاول
سندمر الهيكل.
باسم الفدائى الذى يبدأ
إقرأ،
بيروت ـ صورتنا
بيروت ـ سورتنا.
بيروت ـ لا
ظهرى امام البحر اسوار و.. لا
قد اخسر الدنيا.. !
قد اخسر الكلمات..
لكنى اقول الان: لا .
هى ما تبقى من هواء الروح ـ لا.
بيروت لا.
أشلاؤنا أسماؤنا. لا.. لا مفر
سقط القناع عن القناع عن القناع،
سقط القناع
لا اخوة لك يا اخي، لا اصدقاء
يا صديقي، لا قلاع
لا الماء عندك، لا الدواء ولا السماء ولا الدماء ولا الشراع
ولا الامام ولا الوراء.
حاصر حصارك.. لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها
واضرب عدوك.. لا مفر.
وسقطت قربك، فالتقطني
واضرب عدوك بي.. فانت الان حر
حر
وحر..
قتلاك، او جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب بها. اضرب عدوك.. لا مفر.
سقط القناع عن القناع عن القناع
سقط القناع
ولا احد
الاك فى هذا المدى المفتوح للاعداء والنسيان،
فاجعل كل متراس بلد
لا.. لا احد
سقط القناع
عرب اطاعوا رومهم
عرب وباعوا روحهم
عرب.. وضاعوا
سقط القناع
...
علمتنى الاسماء
لولا
هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت ثكلى !
بيروت ـ كلا .
بيروت ـ صورتنا
بيروت ـ سورتنا
فاما ان نكون
او لا نكون.
...
الطائرات وصوت امريكا لامريكا
لامريكا سنحفر ظلنا ونشخُّ مزيكا
على تمثال امريكا.
سعدى يوسف هذا الاخضر دائما، هذا العراقى الاصيل، هذا العربى الاصيل، هذا الانسان الاصيل والجميل خلقا وشعرا، هو قرين السياب واثره ومكانته فى الشعر، واكثر من ذالك فهو روائى ومترجم وكاتب متمرس، تجاوز السبعين وما زال عطاؤه فى ذروته، من اخر قصائده نختار قصيدة الى شيخ عشائر ال..
سيكون الامر ـ كما تعرف ـ معروفا
لا سر لديك
ولا سر لدي
الدنيا، الان، غدت اضيق من جحر الضب...
ـ الخيل تخب بعيدا ـ
والمراة "اعنى اخر زوجاتك" تعرف هذا
والمارة
والمرآة
والاف الناس على شاشات التلفزيون...
انا ايضا اعرف هذا
"حتى وانا فى الريف باقصى لندن"
اعرف انك ملقي:
ووجهك للارض
وجزمة جندى امريكى تسحق فقراتك حتى الارض
زمان مختلف؟
لا بأس
اذا، الصق احدى اذنيك بارضك
الصقها كى تسمع، مثل الخيل، مغار الخيل
والصقها كى تسمعني
"ارجوك"
اتسمعني؟
لا تحزن
احزن
فالخيل، الان تخب بعيدا
وتخب بعيدا
لكن اقرب من نبضك
لا تحزن
احزن
لا تحزن!
وفى مقطع تهكمى كاريكتيرى لا يخلو من الاتساق مع ما ذهبنا اليه، يبدو ان احمد مطر قد ضاق ذرعا باصحاب المعالى الذين ليس فيهم اى شيء يدل على العلو لا شكلا ولا مضمونا. لا بالافعال ولا بالاقوال حيث لا يستحقون غير مناداتهم بما يتفق وحقيقتهم كما يذهب فى قوله التالي:
صحت من قسوة حالي
فوق نعالى كل اصحاب المعالي
قيل لى عيب.. فكررت مقالي
قيل لى عيب.. وكررت مقالي
ثم لما قيل لى عيب
تنبهت الى سوء عبارتي
وخففت انفعالي
ثم قدمت اعتذاراً لنعالي!
* كاتب ومحلل فى القضايا العربية.
شعر ومقاومة - جمال محمد تقى
