ليس مهماً الآن النبش عن جذور مصطلحات أفرزها تطور التاريخ في الغرب من طراز الليبرالية والفاشية والنازية، لأن كلمة الديمقراطية مثلاً لم تتغير منذ خمسة وعشرين قرناً، عندما نحتها الإغريق القدماء من كلمتي الحكم والشعب، والمصطلحات تهاجر من سياقاتها الأولى، وقد يتغير معناها جذرياً، كما حدث لكلمات مثل التسوية والشعوبية.
وحين يلح الآن امريكيون بدءاً من الرئيس على ربط مصطلح الفاشية بالاسلام، فإن الخطأ - مزدوج، بل يتحول الى خطيئة كبرى ذات أبعاد سياسية ومعرفية وأخلاقية اضافة الى البعد الأيديولوجي.
فلا يصح على الإطلاق أن يتحدث الفاشيون الجدد عن الآخرين على نحو اسقاطي، ينسجم مع أدبيات حروب ما بعد الحداثة الاستباقية، لكأن المثل العربي القائل: أفطر بفلان قبل أن يتغدى أو يتعشى بك، هو الآن بوصلة يمكن الاهتداء بها لضبط الفاشيين الجدد من غلاة اليمين المحافظ وهم متلبسون بهذه الجريمة، وحين تواصل الميديا المهوّدة والمدفوعة الأجر ثرثرتها حول ثنائية الجلاد النازي والضحية اليهودية، فإنها أيضاً تمارس مثل هذا الإسقاط، بل ما يمكن أن نسميه المصادرة، كما يقول أهل المنطق.
ويبدو أن مصطلحات مثل الفاشية والنازية تحتاج الى إعادة تعريف كي يستطيع من يتداولونها الآن ويقذفون الشعوب والحضارات الأخرى بها أن يبرئوا أنفسهم من شرورها.. ما الفاشية اذا لم تكن هذا الانحياز الأعمى والمطلق وغير المشروط للمحتل والقاتل وسالب الحقوق؟
وما النازية اذا لم تكن هي الأخرى التجسيد التاريخي والمفاهيمي التام لما تمارسه سلطات الاحتلال الصهيونية في فلسطين وبالتحديد في غزة والضفة الغربية؟
ما من أحد يتحدث الآن عن ولادة مصطلح المائدة المستديرة الذي اقترن بالملك آرثر وفرسانه الذين ظفروا بالمساواة، لأن هناك موائد شديدة الاستدارة تشهد لقاءات وحوارات ومفاوضات بين أطراف غير متكافئة على الاطلاق.
ولا أظن أن من يستخدمون مصطلح الأكاديمية بمناسبة وبغير مناسبة يتذكرون قبر المحارب أكاديموس ومن كانوا يتحلقون حول قبره ليستلهموا منه الفروسية.
والمسألة ليست حرباً بين مصطلحات أو إعادة إنتاج لها بحيث تلبي رغائب ونيات، فالواقع الحي بمجمل حراكه وتموجاته وكل ما يمور في باطنه من الممكنات مرشح الآن لافراز مفاهيم مضادة بعد أن تحققت نبوءات الأقدمين الأشد تشاؤماً حول عصر كالذي نعيشه.. المستبد فيه هو العادل والضحية هي الجلاد والسرقة فيه مشروعة اذا تحققت لها أدوات القوة وإخراس المسروق.
إن وصف الإسلام بالفاشية يتجاوز زلات اللسان، خصوصاً عندما يلح رامسفيلد في كل المناسبات على وضع خط أحمر تحت كلمة فاشية، ثم ينقلها من موقعها الجغرافي والتاريخي والاخلاقي الى موقع آخر مغاير تماماً.
إن التاريخ الغربي على اختلاف الرواة والمؤرخين يتولى الرد، وينقض هذه الأطروحة الأمريكية الملفقة بأطروحات مضادة، لهذا نتمنى على رامسفيلد وسادة الفاشية الجدد أن يقرأوا شبنجلر الألماني وتوينبي البريطاني، وأخيراً تشومسكي الأمريكي، كي يتحققوا جيداً من الفاشية وتضاريسها في هذا الكوكب.
الدار العراقية
الفاشيون الجدد ..... خيري منصور
