إصرار مسعود البرزانى على انزال العلم العراقى من فوق المؤسسات الرسمية فى اقليم كردستان، هو اشارة واضحة على أن تفتيت العراق بدأ الآن فعلا،
واذا كانت التصريحات السابقة حول الفيدرالية والتقسيم تدخل فى سياق الضغط على التيار المقاوم للوجود الامريكى لتقديم تنازلات ومحاولة لجره إلى حلبة العملية السياسية، فإن خطوة التخلى عن العلم الموحّد تفيد أن الاحتلال أعطى الضوء الأخضر للتيارات الموالية كى تبدأ فى الانتقال من الوعيد إلى التنفيذ.
ونعتقد أن هذه الخطوة كانت قراءة خطأ لاتجاهات الأحداث، فإذا كان ثمة إجماع على حق الاكراد فى اقامة فيدرالية، فهذا ليس صكا على بياض لاعلان الاستقلال واقتطاع كركوك وتحويلها إلى عاصمة، وكأن العراق وقف سائب.. لقد فهم الأكراد سعى التيارات الطائفية المقابلة إلى استرضائهم وتحييدهم فى الصراع على أنه ضعف وأن الطريق سالكة للاستقلال.. وهى خطوة، لو حصلت، ستجرّ إلى الاقليم مبررات الصراع الجارى فى بقية أرض العراق وسيصير حلبة جديدة للموت والفوضي.
وباعتقادنا أن الضوء الأخضر الأمريكى للأكراد بالاقدام على خطوة انزال العلم، كان رسالة إلى الطرف السنى المقاوم الذى استعاد المبادرة ونضجت عملياته وأصبح يجيد التحرك السياسى الذى أحرج الاحتلال وطرح أسئلة مهمة حول مبررات استمراره والحال أن الاستقرار ـ بالمفهوم الأمريكى ـ أصبح أمرا بعيد المنال.. والرسالة الأمريكية هنا تقايض منع تفتيت العراق بوقف العمليات المقاومة التى أصبحت هاجسا للادارة الأمريكية.
التقارير العلنية والسرية الصادرة فى واشنطن تتفق جميعها على أن الوضع الأمنى لم يعد تحت السيطرة وأن اللعبة الأمريكية بتوظيف البعد الطائفى والمذهبى فى الاقتتال الداخلى تحوّلت إلى ما يشبه الهستيريا التى يصعب التحكم فيها أو حتى وقفها.. ومن الواضح أن العسكرتارية الأمريكية لم تكن تقدّر حساسية الورقة الطائفية، لهذا سمعنا تصريحات أمريكية تستغرب حدة الاقتتال واصرار الكل على إفناء الآخر من الطائفتين..
لقد بلغ الوضع فى العراق مرحلة معقدة، وان كان الاحتلال هو المسؤول المباشر عنها، فإن العراقيين والعرب بدورهم يتحملون المسؤولية مضاعفة، فأمريكا جاءت لتحتل وتفتت، وبالتأكيد لن تبحث عن الاستقرار إلا الذى يسمح لها بالانسحاب، أما العراقيون، وخاصة محللى الفضائيات وكتاب المقالات هنا وهناك، فيتعاملون مع الوضع المأساوى باستعلاء وكأن البلد الذى يهدّم ليس بلدهم أو أن الناس الذين يقتلون يوميا بالعشرات ليسوا أهلهم.. من السهل أن يقف الانسان على الربوة ليطلق التصريحات المزايدة وتنتفخ فيه أوداج الوطنية والقومية والثورية، لكن الأصعب أن تطلق المبادرات الداعية إلى وقف هدر الدم ولو عن طريق التنازلات والدورس على الشعارات المضللة التى قادت العرب إلى كل مصائبهم المعاصرة.
ما الذى يمنع من تشكيل جبهة علمانية "تقدمية أو قومية أو ليبرالية" مشتركة بين مختلف الأطياف وتجمع بين الشيعة والسنة ومختلف المكوّنات الوطنية غير الطائفية لادارة حوار فى الحد الأدنى لايقاف القتل ثم بحث التفاصيل التى تدعم خط الثقة وتهديء النفوس.. أليس هناك مشترك يقف عليه العراقيون، لماذا نترك الأرض تحترق ونشير فقط إلى الورطة الأمريكية الايرانية وكأننا نبرئ النفس من فداحة الذنب وعقدة الصمت القاتل لأحلامنا ومستقبلنا..
وانزال العلم العراقى رسالة أيضا الى الجامعة العربية والى بعض الزعامات العربية التى سبق أن تحدثت عن تطمينات أمريكية بعدم استهداف وحدة العراق، وهى رسالة إلى كل الذين انتشوا بصمود حزب الله فى لبنان وأسمعونا سيلا من الشعارات والتحليلات المبشرة بانقلاب الموازين ثم عادوا ليضعوا الرأس فى الرمال وليذهب لبنان والعراق والسودان إلى الجحيم!
العرب اونلاين
نزال العلم العراقي.. لماذا الآن؟ - مختار الدبابي
