من ذاق حلاوة الإيمان في العمل بين الفقراء لا يهنأ بالعيش ولو كان في الكويت
كنت أرفض النوم على سرير بدينارين خشية التعود على حياة الرفاهية
كرست جهدي الآن بين قبائل الانتيمور بمدغشقر طمعاً في استعادتهم إلى حظيرة الاسلام
لسنا طلاب كراسي والعمل بشفافية كاملة يطمئن أصحاب القرار السياسي
بات من المعلوم انه اذا ذكرت افريقيا يذكر معها د. عبد الرحمن السميط رئيس جمعية العون المباشر (مسلمي افريقيا سابقا) ولم لا وهو الذي صرح بالوقوع في حبها من أول نظرة ولأجل هذا كان قراره الجرئ بالاستقرار فيها والعيش بين قبائل الانتيمور بمدغشقر وهي قبائل ذات جذور عربية لكنها انحرفت عن جادة الصواب مخلطة الوثنية بالدين فبعدت بها الشقة وقد حاول إرسال كثيرون من الدعاة من الجمعية للدعوة لكن النتائج لم تكن حسب مايرغب فقرر د. السميط الذهاب بنفسه وأهله تاركاً حياة الرفاهية التي لم يعشها في الكويت بسبب كثرة سفره إلى أفريقيا فلا يكاد يحط رحاله في الكويت أيام قلائل حتى ينطلق في سفرة أخرى وسط الأدغال والصحاري عابراً المستنقعات والفلوات لأجل هدفه المنشود المتمثل في مساعدة محتاج أو إطعام جائع أو مسح دمعة يتيم.
وكان معه هذا اللقاء
د. السميط في البداية لماذا كان قرار الهجرة وترك الكويت؟
فيقول اشعر بأنني شبعت من الدنيا ولم يعد لي طموح أكثر من ارشاد اخواني من الذين ضلعوا الطريقة عن نور الاسلام في البلاد الأفريقية للأخذ بيدهم وإعادتهم إلى حظيرة الدين، ولهذا قررت الإقامة الدائمة بين أبناء قبيلة الأنتيمور في مدغشقر وهم يزيدون عن الخمسة ملايين شخص وجذورهم عربية لكنهم حادوا عن الاسلام وخلط الدين عندهم بالوثنية، وقد خصص لهم بعض الدعاة فأسلم معهم أعداداً لا ترقى لمطوحي حيث أنني أسعى للعمل على إدخالهم جميعاً في الإسلام ولهذا قررت الذهاب بنفسي والعيش بينهم لأفرغ تجاربي الدعوية فيما بينهم.
من أول نظرة
هل صحيح بأنك وقعت في حب أفريقيا من أول نظرة كيف ومتى؟ وكيف كانت بدايتك مع العمل الخيري؟
في قلبي كما في قلب كل مسلم حب الخير ولو تخيلت أن طفل صغير وجد قطة صغيرة وقع عليها حجر وحجزت في مكان لذهب إليها مسرعاً ليخرجها وينقذها وهذه من جوانب الرحمة التي زرعها الله تعالى في قلوب أهل الإسلام بل وأجزل لهم العطاء في انجاز مثل هذه الأعمال والافعال لمساعدة الحيوانات أو الطير فما بالنا لو كان المستحق للمساعدة إنسان؟!
ولله الحمد فأنا منذ الصغر وكانت لي رفقة طيبة أحببنا التقرب إلى الله بفعل الخير ومساعدة الغير حسب فهمنا وأمكاناتنا، واذكر اننا ونحن في المرحلة الثانوية جمعنا مبلغا صغيرا واشترينا به سيارة، وكان يقودها احدنا بعد انتهاء التزاماته سواء في العمل أو الدراسة بنقل العمال البسطاء في الشوارع الى حيث يريدون دون مقابل، وأتذكر هذا وأنا أضحك لانه كان مفهومنا العمل الخيري حينئذ وفي مرحلة الجامعة بدأنا تخصص جزءاً من مصروفنا لشراء الكتيبات الاسلامية وأقوم بتوزيعها في المساجد حتى أنني أذكر ان الجامعة منحنتي مبلغ 42 ديناراً وكنت لا أكل إلا وجبة واحدة في اليوم وأستكثر أن أنام على سرير رغم انه من ارخص الانواع وكان ثمنه دينارين فقط، بل وكنت اعتبر ذلك نوعاً من الرفاهية لا أحب التعود عليها، وكنت مع المراكز الاسلامية في هذه البلاد، وبعد ان عدت الى الكويت وجدت نفسي تواقاً لعمل الاكثر في الميدان الخيري.
اسير على قدمي أكثر من عشرة كيلو مترات حتى أوفر (10 فلوس) أجرة المواصلات لأنفقها على توزيع الكتيبات الاسلامية، وبفضل الله وزعت آلاف الكتب التي أتيت بها من الخارج على أبواب المساجد في، الكويت او عندما ذهبنا لاستكمال الدراسات العليا في بريطانيا وكندا كنا نجمع ومن كل طالب دولاراً واحداً شهرياً ثم نقوم بطباعة الكتيبات الاسلامية ونوصلها للمسلمين وغيرهم في أفريقيا وجنوب شرق آسيا، حتى كنت أشرف بنفسي على هذا العمل فترة السبعينيات على بعض ... فذهبت الى وزارة الأوقاف وعرضت عليها المساهمة في العمل الخيري فطلبوا مني تحمل نفقات السفر رغم قناعتهم بأهمية العمل، وقدر الله لنا الذهاب إلى أفريقيا لبناء مسجد على نفقة احدى المحسنات وشاء الله تعالى ان يكون حب هذه البقعة من الارض (أفريقيا) من أول نظرة.
مقارنة مع الفارق
د. عبد الرحمن كيف ينظر الى الفرق بين العمل الخيري الاسلامي والعمل التطوعي في البلاد الغربية؟
- لا يخفي علينا انه لولا التطور النوعي الذي وصل اليه العمل الخيري الاسلامي لما قامت عليه الدنيا ولم تقعد ولما كان هذا الاستعداد من كل حدب وصوب وإن كان العمل الاسلامي لا تزل أمامه اشواط يقطعها حتى يصبح سمة حضارية بمعنى الكلمة مثلما كان في سالف الحضارة العربية الاسلامية حيث كان الوقف (وهو جوهر العمل التطوعي) يؤمن معظم إحتياجات مجتمعاتنا القديمة من الخدمات الاساسية كالتعليم والمياه والصحة وغيرها بل كانت أساساً في دعم الانشطة الاقتصادية الاساسية في الزراعة والتجارة والصناعة، لكن الناظر الى مكانة العمل التطوعي الانساني في الغرب سيذهل من مدى تطوره كماً وكيفاً حتى أصبح مظهراً بارزاً ومؤثراً بغض النظر عن طبيعة المنظمات التطوعية وأهدافها وخلفيات إدارتها، فمثلاً في برنامج الأمم المتحدة الاغاثي يقدر عدد الذين استفادوا من المساعدات من المنظمات غير الحكومية في الدول الفقيرة 250 مليون شخص، وفي بريطانيا حوالي نصف مليون منظمة من بينها 175 ألف منظمة مسجلة كمنظمات خيرية برأسمال سنوي يبلغ 17 مليار إسترليني، أما بالنسبة لكندا ففيها أكثر من ألفي منظمة غير حكومية وفي استراليا نصف اجمالي الخدمات وأعمال الرعاية المقدمة للسكان تقوم عليها منظمات غير حكومية ويبلغ عددها حوالي 11 الف منظمة برأسمال 4.2 مليار دولار إسترليني تستهلك 93 مليون ساعة عمل طوعي، وهذا يدل على أهمية العمل الخيري والطوعي.
مستقبل العمل الخيري
فماذا عن مستقبل العمل الخيري الاسلامي؟
- لا شك ان حالة الاستهداف التي طوقت العمل الخيري الاسلامي واحاطت به كإحاطة السوار بالمعصم وفق استراتيجية تجفيف المنابع وتقطيع الأوصال وصلة الارحام بين الشعوب المسلمة من جهة وبين الاقليات المسلمة المستضعفة من جهة أخرى قد أثرت كثيراً على العمل الخيري الاسلامي، والواضح ان خصوم المشروع الاسلامي يتقنون الضرب في المناطق الهشة واكثر ما يهمنا هو عامل الثقة، الثقة بين أصحاب القرار والعمل الخيري وبين العمل الخيري وعامة أهل الخير من المتبرعين والمتعاطفين والداعمين، والا فكيف يطمئن أصحاب القرار الى ان العمل الخيري هو بالفعل فيه المصلحة كل المصلحة ويقطع الطريق على الصائدين في المياة العكرة؟ بل كيف ينتقل العمل الخيري من رحلة كسب الثقة إلى كسب الدعم من طرف أصحاب القرار؟ ونحن مطمئنون بفضل الله تعالى إلى ثقة أصحاب القرار شريطة العمل بشفافية كاملة تطمئن الآخرين الى أننا لسنا طلاب كراسي وعلينا أن نثبت ذلك قولاً وفعلاً.
د. عبد الرحمن يقولون انك كثير البكاء في المواقف الانسانية فمتى تبكي ولماذا؟
- يا أخي لو تروا ما أراه من حالات يندي لها الجبين الانساني في اماكن المجاعات وفي البلاد الافريقية فلن تلوموني على ذلك لأن هذه المشاهد تبكي الصخر وليس اصحاب القلوب التي هي من اللحم والدم فكثيراً ما أذهب إلى الأماكن والقبائل في أفريقيا وبعد أن ينعم الله على أحدهم أو مجموعة منهم بالهداية وأراهم يصرخون ويقولون إننا مسلمون منذ 1425 سنة وموجودون فلماذا لم تأتوا لإنقاذنا إلا الآن، ويتسائلون عن آبائهم وأمهاتهم الذين ماتوا قبل أن يعرفوا الاسلام فأشعر ساعتها بأنهم يجلدونني بالسياط وأبكي بمرارة على تقصيرنا في دعوة هؤلاء البشر للإسلام لأنني كنت شريكاً في عدم ايصال الاسلام لاناس ماتوا على غيره ولم انقذهم من هذا المصير المؤلم.
مجلة العالم الخيرية
حوار مع الدكتور عبد الرحمن السميط رئيس جمعية العون المباشر
