من طرائف أخبار اليومين الماضيين أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر يزور بغداد حاليا موفدا من جورج بوش بشكل شخصي “لاكتشاف حقيقة ما يحدث في العراق”،
ووجه الطرافة أن “الحقيقة” المشتهاة قد تتعلق بالمسألة المختلف عليها في واشنطن: هل ما يحدث في العراق حرب أهلية أم مناخها أم نذرها أم أن هذه الحرب ليست قائمة ولا واردة أصلا. فوزارة الدفاع الأمريكية تدلي بدلوها وتقول إن “المناخ” القائم في هذا البلد يمكن أن يتطور إلى حرب أهلية، ويخالفها بوش ويرى أن الإرهابيين الذين يناهضون العراق الديمقراطي يريدون دفع هذا البلد إلى ذلك “المناخ”، وكان جنرالات وأهل سياسة ومخابرات أمريكيون قد ذهبوا إلى أن الحال يتجاوز حكاية المناخ هذه، وأعلن عن أكثر من ذلك سفير بريطاني سابق.
الحكاية إذاً، هي مجرد خلافات في الرؤى، والمعلوم أن لجورج بوش أكثر من رؤية في أكثر من مسألة، إحداها كانت من نصيب الفلسطينيين. أما الحكاية على الساحة، فيوجزها مقتل نحو 800 عراقي في نحو شهر في تفجيرات واشتباكات واغتيالات جرى التآلف معها منذ حل بول بريمر الجيش العراقي الذي كان 60 % منه من الشيعة، وألغى الدولة التي كانت، لتقوم دولة الميليشيات والمحاصصات والفساد الأسود، ونشر صور أوراق اللعب إياها ل 52 ركنا في النظام البائد، يكون حسنا لو تذكرنا أن 36 منهم شيعة وأكراد (!). فعل بريمر ما فعل وهيأ المناخ الديمقراطي الذي نعرف، وصارت الانتخابات والاستفتاءات إياها، وخرج الزرقاوي بمذابحه وبياناته ثم قتلوه، وتآلفنا مع قصص الخطف والرؤوس المقطوعة والجثث المتروكة وعصابات القتل والاغتصابات، ومع الدستور الانتقالي وخرافات الفيدرالية، ومع أبو غريب وحديثة وباقر صولاغ ومحاكمة صدام. وواجهتنا توليفة الأخبار التي تتالت بالسؤال الصعب عما بقي في العراق الذي نشاهده على التلفزيون، مذبوحا ومنهوبا ومخيفا ومخلّعا بالطائفية والعنصرية، من العراق الذي كنّا نعرف وكنّا لا نحب له الطغيان ولا مغامرات الحروب، وبتنا الآن نخاف عليه من الخلاف الطريف الحادث حاليا بين وجهتي نظر وزارة دونالد رامسفيلد ومكتب جورج بوش (!).
يريد جيمس بيكر الوقوف على الحقيقة، فهي غائبة عن بصر بوش وعن مستشاريه ومخابراته وأجهزته، ويكفي بشأنها أن يعلن مسؤولون عراقيون عن خطط أمنية ومبادرات مصالحة (ما عددها حتى الآن؟)، لا أحد يريد المجاهرة بأن العراق الجديد الذي أسس له بريمر وحاخامات الكونجرس وخبراء البنتاجون وال “سي.آي.إيه”، بمعاونة أحمد الجلبي وكنعان مكية وآخرين، لا يمكن أن يكون غير العراق الذي نرى، يحوز مسعود البرزاني شماله ويريد عبد العزيز الحكيم أن يحظى بجنوبه.
الخليج الامارتية
...البحث عن العراق .....معن البياري
