أعلن حلف الناتو – حلف شمال الأطلنطي - أنه قرر الالتحاق بما يسمى بالتحالف الدولي للحرب على الإرهاب، وقيل إن هذا القرار جاء استجابة لطلب من الرئيس الأمريكي ترامب، وإن الحلف انضم للتحالف الدولي للحرب على الإرهاب، سياسيا دون المشاركة في العمليات العسكرية.
وهكذا أصبحنا أمام القرار وسبب القرار، وطبيعة المترتب على القرار، وفق صياغة غاية في النعومة، لا تخيف أحدا، إذ تظهر القرار وكأنه مجرد قرار شكلي لا وزن له ولا تأثير عسكري له، هذا التقديم الناعم للقرار، لا يقصد به سوى التعمية على طبيعة ومضامين النقلة الاستراتيجية بالغة الخطر التي حدثت بهذا القرار، كما قصد به تقديم إجابات تافهة على تغيير هو الأشد أهمية على صعيد أوضاع الأمة، وبشأن التوازنات الاستراتيجية الدولية.
لقد جرى تقديم هذا القرار باعتباره مجرد فعل مجاملة من الحلف للرئيس الأمريكي، وأنه مجرد قرار لتوحيد الجهود السياسية – وربما الإعلامية - في مكافحة الإرهاب، وهنا ومن حيث الشكل يبدو السؤال مهما، حول ما يملكه الرئيس الأمريكي أصلا من حق قانوني لدعوة حلف الأطلنطي للحضور في أراضي الدول التي تواجه ظاهرة الإرهاب، ومن حيث الإجراءات، فيبدو لافتا نسبة القرار للرئيس الأمريكي دون إبراز أي موقف للدول الأخرى المشاركة في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وكأن الحلف كيان تصدر قراراته لمجاملة هذا الرئيس أو ذاك .. الخ.
ومن حيث المضمون، فالأمر يدعو للدهشة، إذ كيف يشارك الحلف سياسيا لا عسكريا، فيما الحلف هو حلف عسكري، بل هو الحلف العسكري الوحيد الموجود في العالم حاليا!.
وبعيدا عن تلك الألاعيب، فالحاصل أننا نشهد قفزة لحلف الأطلنطي إلى الأراضي العربية الإسلامية كافة - إذ لا توجد أية دولة لا تعاني من الإرهاب - وأن دخول حلف الأطلنطي إلى الأراضي العربية الإسلامية يحدث نقلة كبرى لنمط الصراع الدولي والإقليمي على العراق وسوريا في الوقت الراهن، وإذ يبدو منطقيا القول، بأن حلف الأطلنطي يحضر إلى البلدين في مواجهة الوجود الروسي (والصيني) وفي سياق الموقف من إيران، فالأهم – وما بجب أن يهمنا نحن - هو أن الحلف يأتي بقوته إلى الأرض العربية الإسلامية حربا على نفس القوى والتيارات التي تقاتلها روسيا وإيران (أي قوى المقاومة وما الإرهاب إلا لعبة يعرف الجميع أبعادها الآن -وأن حضوره لا يعني لإيران وروسيا، سوى حضور منافس لهم في اقتسام غنائم الغزو والاحتلال.
ولذا، فالحقيقة الكلية هي أن ما جرى في أفغانستان من غزو واحتلال الولايات المتحدة لها، ثم جلب قوات حلف الأطلنطي لتساعد وتساند في مواجهة المقاومة الأفغانية، هو نفسه ما يحدث الآن، وإن كان متأخرا بسبب ظروف الانقسام الغربي بشأن العدوان على العراق (وقد وصل الأمر وقتها إلى تهديد فرنسا باستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن) وبسبب طبيعة ظروف الموقف العربي وقتها، الآن تحقق الولايات المتحدة ما أرادت وخططت له منذ بداية احتلال العراق.
ذلك لا يعني أن ليس هناك بُعدا صراعيا مع روسيا، بل القرار هو خطوة تستهدف تغيير التوازن الاستراتيجي معها في المنطقة العربية لمصلحة الأطلنطي، كما يمكن القول بأن قرار الأطلنطي هو حركة استباقية لقطع الطريق على مشروع طريق الحرير الذي تعتبره الصين مشروعها لهذا القرن.
ففي البعد الصراعي مع روسيا، نحن أمام تعويض لعدم قدرة حلف الأطلنطي على إنزال قواته في أوكرانيا، بحكم استباق روسيا لقرار انضمام أوكرانيا للحلف، بعملية الغزو الناعم والتقسيم، وفي جانب التوازن مع روسيا على الأرض العربية، فالولايات المتحدة لا تريد أن تكون وحدها في سوريا والعراق، وهي تستدعي حلف الأطلنطي إلى المنطقة لتغيير التوازن الذي أحدثه وجود روسيا الاستعراضي هناك، كما هي تريد جعل الدور التركي تحت مظلة حلف الأطلنطي كذلك، وضمن أهدافه وأطره لا غير، أما مواجهة الصين، فذلك لأن مشروع طريق الحرير والحزام الذي أنجزت الصين خطوط ومشروعات كثيرة، يلتقي في سوريا بحريا وبريا.
الآن يوسع حلف الأطلنطي وجوده ودوره على الصعيد العالمي، وللأسف لا مكان يتوسع فيه إلا أراضي أمتنا، وهو كان وضع قدم في أفغانستان واليوم يضع قدم ثانية في العراق وسوريا، وبعد غد سيبلور مشروع يمكنه من السيطرة الرسمية على منظومة متكاملة تضم الكثير من الدول الإسلامية.
خاص بموقع الهيئة نت
