حيلة جديدة من حيل الاحتلال وأعوانه ليغرقوا هذا البلد في متاهات لا خروج منها.
فبالأمس كانت افكارهم تدور حول وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وغيرها من الوزرات والنسيج اليوم يحاك حول وزارة تعد من الوزارت المهمة في هذا البلد وأي بلد ألا وهي وزارة ( المالية).تسليط الضوء...
وزارة المالية تعد من الوزارات الاساسية وذلك لما تقدمه من خدمات ذات تأثير مباشر على بقية الوزارت ودوائر الدولة اضافة الى ما تقوم به من وظائف استراتيجية ذات بعد اقتصادي مالي يؤثر سلباً او ايجاباً على الوضع الاقتصادي ككل هذا من جهة ، ومن جهة اخرى اهمية وخطورة الدوائر التي تقع ضمن ملاكها وبالرغم من ان بعضها يتمتع بالاستقلالية واهمها (البنك المركزي) اضافة الى المصارف التجارية.
ويعتبر البنك المركزي من أهم المؤسسات المالية الموجودة في الدولة وعلى الصعيد الداخلي والخارجي وذلك لأنه يمثل السلطة النقدية العليا وليس له أي منافس.
ويتميز البنك المركزي بخصائص تميزه عن بقية المصارف والتي تجعله المركز الاول في السلطات الحالية أهمها:
- يتعامل البنك المركزي مع المصارف التجارية وليس مع الافراد فهو يمثل اعلى سلطة مالية.
- ان البنك المركزي لا يتنافس مع المصارف التجارية لأنه لا يهدف الى تحقيق الارباح وانما الى تحسن وتوازن الوضع الاقتصادي.
- يعتبر المغذي الرئيس لكل المصارف التجارية والمؤسسات المالية الأخرى.
- له خاصية احتكار اوراق البنكوت ( العملة الرسمية ولا ينافسه احد في هذا).
- يقوم بإصدار العملة بكافة انواعها مثل (الاوراق النقدية و المسكوكات المعدنية -النقود المساعدة-).
- كما يمثل البنك المركزي دور الممثل والمستشار المالي للحكومة فهو يقوم بدفع رواتب الموظفين والعاملين في دوائر الدولة وايضاً بجمع ايرادات الدولة وتسديد نفقاتها من خلال (خزينة الدولة العامة) التي تحتفظ بحساب لها لدى البنك المركزي يعرف بحساب (الخزينة العامة) كما ويقوم بادارة الدين العام الداخلي والخارجي.
ويتميز البنك المركزي بأنه يمتلك استقلالية في اتخاذ قراراته وتحديد سياسته النقدية والمالية بمعزل عن قرارات الحكومة.
النشأة التأريخية لنظام التصفير
نشأ هذا النظام في نهاية الحرب العالمية الثانية وبالضبط في المانيا وذلك عندما
خسرت هذه الحرب مما ادى الى انهيار النظام المالي والاقتصادي فيها وذلك لعدة اسباب:
- كثرة الديون المتراكمة عليها التي استخدمت كمصاريف للجيش الالماني.
- تحطم جميع المصانع والمعامل في المانيا وأوربا بسبب الدمار الشامل الذي خلفته الحرب العالمية الثانية.
- فرضت غرامات مالية كبيرة بسبب الاعتداءات التي قام بها الالمان وتجاوزهم للقانون الدولي.
ولقد وصل النظام المالي الالماني الى اسوأ الاوضاع بحيث اصبح (المارك) لا يساوي شيئاً وعادت المانيا في ذلك الوقت الى نظام المقايضة (المبادلة) وكان الشعب الالماني قد القى بالعملة لانها اصبحت لا تساوي الا قيمة المعدن المصنوع منه المارك.
وكان المواطن الالماني عندما يدخل المطعم في ذلك الوقت وينظر الى قائمة الاسعار ويجد سعر الوجبة (50) ماركاً فبمجرد ان ينتهي من تناول وجبته يجد سعر الوجبة قد وصل الى (70) ماركاً مثلاً. دلالة على تدهور قيمة المارك وبعد هذا الوضع السيئ رأت السلطات الالمانية انذاك يجب وضع حل لهذه المشكلة وكان الحل المناسب وقتها هو نظام (التصفير) واصدر البنك المركزي الالماني عملة جديدة يطلق عليها (المارك الذهبي) وكان يعادل مائة الف مارك من العملة القديمة الامر الذي اضطر الحكومة الالمانية الى تبديل العملة القديمة بعملة جديدة واستبدال السياسات المالية والائتمانية وتكليف الحكومة الكثير من الاموال والجهود والوقت والخطط بحيث وضعت المانيا في دوامة من الديون لم تنفك منها الا بعد فترة طويلة من الزمن.
البنك المركزي العراقي قبل الاحتلال
مر البنك المركزي العراقي بعدة مراحل حتى وصل الى هذه المرحلة ولو استعرضنا المراحل التي مر بها لادركنا مدى خطورة (نظام التصفير) الذي كان من المفروض ان يطبق في العراق.
توجد أربعة انظمة لإصدار العملة يمكن اجمالها كالاتي:
* النظام الاول: نظام الاصدار الكلي الذهبي: وهو الذي يقيد حركة البنك المركزي في الاصدار وذلك من خلال العلاقة بين الذهب واصدار العملة فمثلاً لو اراد البنك المركزي ان يصدر (1000.000 ) وحدة نقدية يجب ان يكون لديه احتياطي يساوي (1000.000) وحدة ذهبية وهذا النظام لا يمكن تطبيقه في اي من دول العالم بسبب كمية الذهب المحدودة.
*النظام الثاني: نظام الاصدار الجزئي: وينص هذا النظام على ان اصدار العملة لا يتم الا عن طريق غطائها 50% غطاء اجنبي (ذهب، عملة صعبة) و 50% غطاء محلي شدات واذونات حكومية وهذا ما كان يطبقه البنك المركزي العراقي في فترة الثمانينات.
* النظام الثالث: نظام الحد الاقصى: وهذا لا يعتمد على وجود علاقة مترابطة بين الغطاء الذهبي واصدار العملة وانما تقوم الدولة بتحديد حد اقصى لاصدار العملة لا يمكن تجاوزه.
* النظام الرابع: نظام الاصدار الحر: وهذا الذي لا يلزم البنك المركزي بقيد او شرط يعني اصدار العملة بدون غطاء وهذا ما لجأ اليه البنك المركزي العراقي في التسعينات فترة( الحصار) الذي كان مفروضاً عليه آنذاك الامر الذي ادى الى ظهور حالات التضخم بسبب هذا النظام الذي ادى الى ضعف القوة الشرائية للدينار العراقي بحيث اصبحت كمية كبيرة من النقود تطارد كمية صغيرة من السلع يعني (2000) دينار تطارد (قلم جاف) حتى جاءت الازمة الكبيرة سنة 1996 م مما ادى الى تدهور اوضاع السوق العراقي بمجمله ورغم هذه الاوضاع لم تلجأ السلطات المالية الى استخدام نظام الاصفار.
البنك المركزي في 2003 ونظام الاصفار
طرأت تغيرات جديدة على البنك المركزي العراقي بعد عام 2003 فلقد تحسنت وضعية الدينار العراقي خلال هذ الفترة وخصوصاً عندما قام البنك المركزي باستبدال العملة القديمة واصدار العملة الجديدة التي كان لها الأثر في هذا النمو الملحوظ وذلك لانها تتميز بخصائص عديدة:
* حجمت من عمليات التزوير.
*زادت الثقة بالدينار العراقي باعتبارها مدعومة بصادرات النفط.
*استطاع المدخر العراقي ان يحتفظ بها بسبب اصدار فئات كبيرة مثل (25000) دينار.
اضافة الى السياسات المالية والنقدية الجديدة التي استخدمها البنك المركزي كان لها الدور في نشاط الدينار العراقي حيث قام بعمل مزادات لبيع العملة الصعبة (الدولار) وذلك لغرض طرح كمية من هذه العملة في السوق النقدية لكي ينخفض سعر الصرف امام الدينار العراقي ويصل الى وضع مستقر نسبياً وقد نجح بذلك لأنه جعل الدينار العراقي يصل الى مستوى متوازن بعض الشيء في ظل هذه الظروف كما استطاع المحافظة على هذا السعر الان كدليل على نجاح السياسة النقدية المتبعة في هذه الفترة. ووصل سعر الدولار الواحد (1450-1500 ) دينار.
ونظراً لطبيعة الاقتصاد العراقي المعاملات الاقتصادية يعد سعر الصرف هذا الانسب خلال هذه المرحلة على الاقل.
وقد طرحت مؤخراً فكرة بدرت من وزارة المالية والتي تنص على حذف الاصفار من العملة العراقية فمثلاً لو كان سعر جهاز كهربائي (مسجل) يساوي (15000) دينار يصبح النظام (15) ديناراً.
والهدف الظاهر من هذا النظام هو قيمة الدولار مساوية للدينار العراقي وهذا شيء جيد. ولكن البعد الجوهري والهدف الحقيقي لهذا النظام له مضاعفات مالية كبيرة وخطيرة على النظام النقدي والتي بدورها سوف تسحب البلاد الى منزلقات مالية ونقدية خطيرة ويمكن اجمال هذه المضاعفات بجملة من النقاط.
* زعزعة الثقة بالدينار العراقي وجعله عرضة لتقلبات العملة من خلال التغيرات السريعة والمفاجئة التي طرأت وتطرأ عليه.
* تشويه الاستهلاك حيث يقوم نظام الاصفار بالعبث بالسوق العراقية من حيث عمليات البيع والشراء فمثلاً لو فرضنا ان احد الاشخاص يستلم (300) دولار شهرياً وكان ينفق منها (150) دولاراً لأغراضه وتلبية حاجاته الاستهلاكية هذا عندما الدولار يساوي (1500) ديناراً. ولكن عندما يصبح الدولار يساوي (150) ديناراً. ولكن عندما يصبح الدولار يساوي (15) ديناراً فانه حتماً سيغير من نمط استهلاكه.
* ان نظام الاصفار هذا سوف يكلف البلد استيراد الكثير من اوراق البنكنوت وذلك لأن فئاته صغيرة فمن مصلحة البنك المركزي العراقي ان يطبع عملة كبيرة مثل (25000) دينار بدلاً من طباعة المبلغ نفسه من فئة الـ(250) ديناراً والقيمة هي نفسها. اضافة ان اوراق البنكنوت يتم شراؤها بالعملة الصعبة ويتم طباعتها في الخارج وهذا مكلف للبلد وان الوضع المالي للبنك المركزي لا يسمح بهذه التغيرات الكبيرة.
* ما دام الاقتصاد العراقي يعمل وبصورة مستقرة نسبياً على سعر صرف (1500) دينار للدولار الواحد. ففي ظل قواعد النظام الجديد سيؤدي الى ظهور حالة (كساد اقتصادي) وذلك لو تصورنا مثلاً. ان السوق العراقي مثل اسواق (الشورجة، جميلة) يجني يوماً (2000.000 ) دينار عراقي من خلال الانفاق على شراء السلع والخدمات هذا عندما الدولار يساوي(15000 ) دينار. ولكن عندما تصبح قيمة الدولار تساوي (15) ديناراً فان السوق سيعاني من حالة الكساد وذلك لأن المواطن العراقي سوف يحسب الف حساب قبل ان ينفق ديناراً واحداً على الاستهلاك وذلك املاً منه بارتفاع قيمة الدينار العراقي اكثر فأكثر وحتى لو اثر على نمط استهلاكه وحسب نظرية (التشاؤم والتفاؤل) اي النظرية النفسية التي يعتمد الاقتصادالعراقي عليها كثيراً.
*تكليف البلد كميات من التي لابد من ضخها في السوق المالية وضمن المعرض النقدي حتى يساوي الدولار (15) ديناراً وذلك وفق المثال الاتي:
ان الحقيقة تقول ان الدولار يساوي (1500) دينار.
لو ارادت السلطات المالية جعل (100) دولار تساوي (1500) دينار عراقي بدلاً من (150.000) دينار كما هو معروف فانها ستحتاج الى ضخ (148500) دولار في السوق ومن خلال المعادلة الآتية:
نظام الاصفار: 1دولار = 1 دينار عراقي
اذن 100 دولار= 1500 دينارعراقي.
بينما ان الواقع يقولان:
100 دولار = 150.000 دينار عراقي.
فلو حولنا قيمة المائة دولار من (150.000)الى (1500) دينار سوف نحتاج الى:
100 دولار= 1500
هذا يعني ان
150.000 - عراقي1500 = 148500 دولار.
هذه بالنسبة لـ (1500) دينار فكيف الحال اذا كان المعروض النقدي العراقي يساوي (6) تريليون دينار فكم سيضخ البنك المركزي من العملة الصعبة في السوق وامكانيته لا تسمح بهذا.
* ان من مصلحة الاقتصاد العراقي ان يبقى سعر الصرف على هذه الحال (1500)دينار بدلاً من (15) ديناراً وذلك من خلال المثال الآتي: لو فرضنا ان موظفاً يستلم (450.000 ) دينار راتباً شهرياً اي ما يعادل (300) دولار هذا اذا كان الدولار يساوي _15) ديناراً ولكن الدولة ستدفع للموظف (445500) دولار وذلك لأن.
450.000-4500=445500
ونعني بـ(450) سعر صرف الـ(300 ) دولار الجديد عندما تصبح الـ(100) دولار تساوي (1500) دينار فان سعر صرف الـ(300)سيساوي (4500) دينار هذا بالنسبة الى بقية الموظفين ويقال ان عدد الموظفين يصل الى (2000.000)موظف.
* ان نظام الاصفار لا يمكن تطبيقه في اي بلد الا اذا تحسنت اوضاع البنك المركزي لذلك البلد والبنك المركزي لا يتقدم او يتطور الامن قناتين:
-القناة الاولى: زيادة الموجودات المالية في البنك المركزي مثل زيادة (الرصيد الذهبي، العملات الصعبة، سندات واوراق مالية) ورصيد البنك المركزي العراقي لا يتحمل تغطية النظام ولو كان قد طبق لجرالبلاد الى ديون ضخمة لا يمكن تسديدها ولو بعد فترة طويلة.
- القناة الثانية : هي زيادة وتطور الانتاجية ونمو التقدم الصناعي وذلك لا يتم الا عن طريق زيادة الصادرات وتقليل الاستيرادات وكما هو معروف فان العملية الانتاجية متلكئة او تكاد تكون معدومه في عصر الاحتلال واذياله وذلك بسبب الوضع الاقتصادي المزري وضعف وتخلف الجانب السياسي وفقدان الامن في الشارع العراقي كل هذه كانت بمثابة موانع قوية للحيلولة دون قيام صناعة وطنية عراقية.
اما بالنسبة لصادرات العراق فكما نعلم ان الاقتصاد العراقي يعتمد بنسبة تتراوح (80-90%) على الصادرات النفطية ووزارة النفط تعلن انها تنتج مليوني برميل يومياً ولكن السؤال المحير هو؟ كيف يستطيع العراق انتاج مليوني برميل يومياًَ وازمة المشتقات النفطية تحل المركز الاول في قائمة (هموم ومشاكل ) المواطن ؟ هذا من جهة ومن جهة اخرى اين تذهب ايرادات هذا المنتوج والى من؟! لا أحد يعرف.
هذه المرة ارادوا حذف الاصفار وابقاء الارقام ولكن الله سلم فهل ياترى سيأتي يوم تحذف فيه الارقام وتبقى لنا الاصفار ؟ من يعلم.
البصائر تلقي الضوء على ما يدور في أروقة وزارة المالية ( تصفير العراق لا تصفير العملة )
