هيئة علماء المسلمين في العراق

لماذا لا يستفيد بوش من دروس كلينتون في الصومال؟!.. عبد الرحمن سهل
لماذا لا يستفيد بوش من دروس كلينتون في الصومال؟!.. عبد الرحمن سهل لماذا لا يستفيد بوش من دروس كلينتون في الصومال؟!.. عبد الرحمن سهل

لماذا لا يستفيد بوش من دروس كلينتون في الصومال؟!.. عبد الرحمن سهل

في الثالث من أكتوبر عام 1993م كان الحدث الكبير في مقديشو الذي هز أمريكا، وأربك سياسة البيت الأبيض بقيادة بيل كلنتون الذي ورث تبعات بوش الأب الثقيلة وأخطاءه الإستراتيجية في العالم، وكان هذا الحدث الكبير يتمثل، في مقتل ثمانية عشر من قوات المارنز الأمريكية الخاصة، في عملية عسكرية أمريكية فاشلة، قامت بها قوات المارنز، ضمن مطاردة الجنرال فارح عيديد العدو الأول لواشنطن آنذاك، وقد شاهد العالم عبر الفضائيات جثث القوات الأمريكية في شوارع مقديشو، احتجاجاً على المجازر الأمريكية ضد المدنيين العزل، ومات في عملية واحدة في شهر أكتوبرعام 1993م سبعين شخصاً كلهم من المدنيين الأبرياء، كانت مجرزة بشعة فعلاً، ولكنها لم تجد الاهتمام المناسب من المجتمع الدولي، في حين تحدث العالم كله عن مقتل (18) جندياً أمريكياً.

في اليوم السابع من شهر مارس عام 1994م انسحبت القوات الأمريكية من الأراضي الصومالية وفق خطة أمنية اتخذها كلينتون في السابع من أكتوبر عام 1993م بعد أربعة أيام فقط من قتل جنوده، إنقاذاً لمستقبله السياسي الجديد، وإنهاءً للأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبها بوش الأب في الصومال، والذي أدخل أمريكا في رأي الإستراتيجيين، والمحللين السياسيين، وقتذاك في مرحلة حرجة للغاية، باستخدام القوة غير المبررة ضد المدنيين الصوماليين، وأدى ذلك لفشل مشروعها الرامي إلى تحقيق الأمور التالية في الصومال: القضاء على التيار الإسلامي العريض الذي برز وبصورة قوية بعد انهيار الحكومة المركزية عام 1991م.وإنشاء حكومة عميلة لها في الصومال، في إطار مشروع إعداد القيادات الجديدة الموالية لأمريكا في شرق إفريقية، والبحيرات العظمى، والقرن الإفريقي، إضافة إلى إسقاط الحكومة السودانية التي تبنت توجهات إسلامية بعد سيطرة الجبهة الإسلامية على مقاليد الحكم عام 1989م، وكان المخطط يقوم على مرحلتين، المرحلة الأولى، إنشاء حكومة في الصومال، موالية للغرب، والأب، والمرحلة الثانية، صوملة السودان تمهيداً للتدخل الدولي فيها بقيادة أمريكا.

بيد أن هذا السيناريو لم يصمد طويلاً أمام الإرادة الإسلامية والوطنية في الصومال، كما لم يتوقف المشروع الإسلامي في المنطقة، بل ازداد قوة ومتانة؛ إذ تحوّل الآن إلى ثورة شعبية أزاحت أمراء الحرب، كما واصل السودان برامجه التنموية على الرغم من الحصار الاقتصادي الذي فُرض عليه من قبل أمريكا، و على الرغم من أن إدارة بوش الابن قد غيّرت قواعد لعبة الصراع في الصومال شكلياً، بعد الهزيمة التي مُنيت بها عام 1993م إبّان تدخل الأمم المتحدة في الصومال، إلاّ أنها تستخدم الآن سياسة الاحتواء ضد المحكام الإسلامية، عبر تأليب دول الجوار (كينيا+ إثيوبيا) على الشعب الصومالي، وهو الأسلوب التقليدي الذي استخدمته أمريكا سابقاً ضد الخرطوم.

لم يستفد بوش الابن من سياسة كلنتون القائمة على وضع القضايا الداخلية في قائمة أولوياته، وحماية الجنود الأمريكيين من الموت المحقق؛ إذ أصبحوا الآن ضحية أخطاء بوش وتصرفاته الجنونية في العراق، وأفغانستان، كما يرسل مزيداً منها إلى القرن الإفريقي، لمراقبة الأوضاع الصومالية، وتقديم الدعم اللوجستي لقواتها المحتلة للعراق، وإنشاء قواعد عسكرية دائمة في المنطقة، خاصة (إثيوبيا + كينيا)، وإن لم تخض القوات الأمريكة حرباً مباشرة ضد الصوماليين في الوقت الحالي إلاّ أن فرصة تحويل الصومال إلى عراق جديد وارد لامحالة، حسبما تؤكد المعطيات الراهنة في الساحة الصومالية.

بوش الابن يكرر أخطاء بوش الأب

يبدو أن بوش الابن وساعده الأيمن ديك شيني يعتقدان أن أمريكا يجب ألاّ تكون دولة مهادنة أمام العالم الإسلامي الضعيف حسب زعمهما، بل عليها أن تكون دولة قوية، تسدد الضربات الوقائية ضد العدو "المحاكم الإسلامية في الصومال" والدول المارقة، في الوقت المناسب، وتأكيداً لهذه النظرية العدوانية، تكثف قواتها الخاصة في القرن الإفريقي نشاطاتها العسكرية في المنطقة لتحضير هجوم محتمل على الصومال بالتنسيق مع ما يُسمى هيئة الإيغاد، في إطار ما يُعرف محاربة الإرهاب الدولي "الأكذوبة التاريخية في العصر الحديث" بحثاً عن العدو المجهول في الصومال، بيد أنها لم تعثر على شيء حتى الآن،لا في البحر، ولا في البر، يقول قائد القوات الأمريكية الخاصة في القرن الإفريقي "نحن عندما جئنا إلى المنطقة كنا نعتقد أن هناك مئات الإرهابيين، الذين فروا من العراق وأفغانستان، لنقضي عليهم، ولكن لم نعثر على شيء من ذلك، واضطررنا لتغيير دورنا من مجال مكافحة الإرهاب إلى مساعدة الناس، ودعم الاستقرار في المنطقة"، ولكن هل حصل ذلك فعلاً؟ الجواب لا بالتأكيد، أصبح دورهم الجديد في المنطقة التحالف مع أباطرة الحرب الصوماليين.

قتل بوش الابن مئات الصوماليين بل الآلاف على أيدي أمراء الحرب، كما قتل أبوه من قبل على أيدي جنوده، قبيل انتهاء فترة الانتخابات الرئاسية الثانية عام 1993م، فهدم البيوت على رؤوس أصحابها، بذريعة نشر الحرية والديموقراطية الزائفتين في الصومال، وهل تحقق ذلك أم لا؟ الجواب: مزيد من الضحايا، والخراب استمر (16) عاماً.

خسر بوش الابن مرتين المرة الأولى عندما ظن أن كسب قلوب أمراء الحرب عام 2006م عبر الدولار، قد يعيد سمعة أمريكا التي تلطخت بدماء الصوماليين بين الأعوام 1992-1994م، والمرة الثانية محاولته الفاشلة في بناء شبكة استخباراتية قوية في القرن الإفريقي انطلاقاً من الصومال، ولكنها لم تحقق شيئاً حتى الآن سوى تبديد الأموال، وانهيار تحالف أمراء الحرب الصوماليين؛ إذ لم تستطع في الوقت المناسب، تحديد من هم المحاكم الإسلامية؟ ومن أين جاءت؟ وما هي الوسائل التي مكنتهم من تحقيق نصر تاريخي على أمراء الحرب في وقت قياسي؟ وأصبحت الأسئلة الشائعة والمباحة في الشارع الصومالي الآن، من هم أصدقاء أمريكا في الصومال؟ وأين جيوشهم الاستخباراتية؟ أين مصادر معلوماتهم؟ إلى أين ذهبت ملايين الدولارات التي سلمت أمريكا إلى جهات عدة من بينها: الهيئات الغربية، والمنظمات المحلية الموالية لها، وأمراء الحرب؟ هل أصبحت تلك المصادر كلها عديمة الفائدة؟

ولنقل بباسطة متى أصبحت الشعوب مثل صفحة بيضاء، كي يكتب بوش الابن ما يشاء من قرارات، وسياسات؟ ومن الذي أعطى له هذا الدور؟ إذا كان بوش الابن مصراً على أنه يتلقى الوحي الوهمي من السماء، ويستمد قوته الروحية والعسكرية من قراءاته في التوراة المحرّفة، فإن حماقته هذه ستكلف أمريكا كثيراً، وعلى الشعب الأمريكي أن يدرك ذلك, والإنسانية جمعاء تدرك بما لايدع مجالاً للشك، أن مشروع بوش الابن محكوم عليه بالإخفاق، سواء ما يُسمّى مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي روّجته رايس في الأيام الماضية في المنطقة، أو مشروع "القرن الإفريقي الأمريكي" الذي تولت تسويقه نائبتها في الشؤون الإفريقية (جنداى فريز)، حيث التقت مع القيادة الكينية، واليوغندية، والإثيوبية، وغيرها لإقناعهم بالمشروع الجديد الرامي إلى احتواء القوى الجديدة "المحاكم الإسلامية"، حفاظاً على أمنها القومي وربيبتها الأب، وإثيوبيا.

زيارة السناتور الأمريكي (جون بن) إلى أديس أبابا ولقائه مع رئيس الوزراء الإثيوبي (ملس زناوي) في 9/8/2006م، أكدت أيضاً شيئاً واحداً وهو، تأكيد دور إثيوبيا في قضايا القرن الإفريقي، ومواجهة المحاكم الإسلامية، وفرض مشروع بوش الابن على الصوماليين ربما بالقوة هذه المرة، لإفشال الثورة الشعبية بقيادة المحاكم الإسلامية، والتي قد تفرض معادلة سياسية، لم تكن في حسبان الأمريكان.

الإستراتيجية الأمريكية ضد الصومال

تتلخص الإستراتيجية الأمريكية في الوقت الحالي ضد الشعب الصومالي في النقاط التالية:-

1. استمرار زخمها الإعلامي على ما يُسمّى محاربة الإرهاب الدولي "الأصولية الإسلامية" بصفة عامة، بإطلاق الاتهامات العارية عن الصحة ضد المحاكم الإسلامية".

2. تأكيد دور إثيوبيا في الصومال، وإرسال رسالة سياسة وأمنية قوية إلى دول المنطقة، وخاصة العربية منها، مفادها أن أديس أبابا هي الأقدر على مواجهة القوى الإسلامية التي تهدد أمن منطقة القرن الإفريقي، وهوما تنفيه المحاكم الإسلامية جملة وتفصيلاً.

3. عزل كينيا سياسياً بعد إخفاقها في التعامل مع التيار الإسلامي في الصومال حسب "المنظور الأمريكي" بعد التطورات الأخيرة في مقديشو، حيث اتخذت كينيا مواقف تتعارض مع السياسة الأمريكية في الصومال، بمنع أمراء الحرب من الدخول إلى أراضيها، بدلاً من احتضانهم وهو عكس ما فعلت يوغندا، وإثيوبيا.

4. إفشال التجربة الإسلامية الجديدة في الصومال بقيادة المحاكم الإسلامية عبر عدة وسائل أهمها:

أولاً: إعادة تشكيل أمراء الحرب المخلصين من جديد لواشنطن.

ثانياً:- دعم الحكومة الانتقالية الصومالية عبر إثيوبيا في مواجهة المحاكم الإسلامية فقط، لا في تعزيز قوة الحكومة الصومالية الضعيفة.

ثالثاً: إعطاء الضوء الأخضر لإثيوبيا "الإيغاد" لاستخدام القوة العسكرية ضد المحاكم الإسلامية، على أن تشارك القوات الجوية الأمريكية المرابطة في جييوتي، كقوة جوية إثيوبية علي غرار ما حصل عام 1998م ضد المقاومة الإسلامية في إقليم الصومال الغربي المعروف "إقليم أوجادين".

5. تهديد مصر والسودان عبر تشجيع أديس أبابا على إنشاء خزانات كيبرة في منابع نهر النيل الأزرق الذي يمد القاهرة، والخرطوم بالمياه، هذه القضية، وإن كانت ليست جديدة، ولكن الشيء الجديد الآن هو الدور العربي الذي يتعاظم الآن في الصومال بعد سيطرة المحاكم الإسلامية على العاصمة مقديشو، وبالتالي فإن أديس أبابا قد تلجأ إلى استخدام تلك الورقة الإستراتيجية ضد مصر والسودان، لتهميش الدور العربي، وأعتقد أن مصر بالذات مدركة تماماً خطورة الموقف في الوقت الراهن، حيال التحالف الأمريكي الإثيوبي في القرن الإفريقي والذي يهدد بلا شك مصالحها الإستراتيجية، على حساب مصالح الدول العربية، والإسلامية، إن لم تتحرك الدول المعنية قبل فوات الآن، لإنشاء دولة صومالية قوية تستطيع خلق معادلة سياسية وإستراتيجية داخل دول الإيغاد، بما يحقق مصالح الدول العربية، والإسلامية في منطقة القرن الإفريقي.

فهل تدرك المحاكم الإسلامية، والدول العريبة والإسلامية معاً الرسالة الغربية – الأمريكية- وحليفتيهما الأب وإثيوبيا حيال الصومال؟
أرجو ذلك..

الإسلام اليوم

أضف تعليق