من يتأمل حال العراق منذ احتلاله وإلى يومنا هذا يجد العجب العجاب، بلد منزوع السيادة، جيشه فاقد الهيبة والمكانة، تسيطر عليه الميليشيات التي أهلكت الحرث والنسل.
كثير من الناس اليوم يحاولون تجاهل الحقائق، فتراهم يغردون بلغة التحرير التي أطلقتها الحكومة الحالية، ويعلمون يقينا أن غالب من يقود تلك المعارك ميليشيات تريد الانتقام والقتل والسلب والاعتقال، وأن الجيش لا سلطة له بل قراره بيد تلك الميليشيات.
ما أقوله ليس مجرد ادعاءات بل هو حقيقة ثابتة في أرض الرافدين، أعرف شخصا أراد العودة إلى الفلوجة يقول ذلك الرجل لما ذهبت إلى المدينة أخبروني بأن أرضك التي تقع خارج الفلوجة بيد ميليشيات (حزب الله) فأردت الذهاب إليها، فنصحني بعض الإخوة بعدم الذهاب، فقمت بالاتصال بآمر لواء تلك المنطقة وأخبرته بالأمر، وأخبرني بأنه سيرسل معي مقدما لكي يسهل دخولي إلى المنطقة التي توجد فيها أرضي، فركبت مع المقدم وفي الطريق أوقفتنا سيطرة تابعة لميليشيات (حزب الله) وسأل المسؤولُ عنها المقدمَ الذي معنا أين ستذهبون؟ فأجابه إلى مجلس عزاء، فقال: ومن هذا الرجل الذي معكم؟ -وكان يقصدني- فقال له: هذا من أهالي الفلوجة وهو معروف عندنا، وكان المقدم يجيبه وهو مرتبك، وكأنه جندي عند ذلك الميليشياوي، بعدها أمر مسؤول تلك النقطة بأن أنزل من السيارة، ووضع مسلحا بجانبي وأمر المقدم ومن معه بالذهاب، وأدركت أنهم سيعتقلوني، فقمت بالاتصال بأحد الأصحاب وكان عنده علاقة بتلك الميليشيات فأطلقوا سراحي.
هذه قصة من بين آلاف القصص التي تقع في العراق اليوم من قبل المحررين الجدد، توضح لنا حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي أن الجيش الجديد الذي تم إنشاؤه في عهد الاحتلال لا يملك أي سلطة أو مكانة أو مهابة، وأن العراق أصبح قراره بيد الميليشيات.
وهذه الحقيقة أقرها المتمسكون بالعملية السياسية فالكل يعلم أن أياد علاوي صرّح قبل أيام عديدة أن قرار عودة أهالي جرف الصخر ليس بيد الحكومة بل بيد إيران والميليشيات التابعة لها، وهذا ما أكده قادة الميليشيات من خلال اللقاءات التي أُجريت معهم بأن جرف الصخر منطقة عسكرية لن يعود إليها أهلها.
حالة مزرية وواقع مؤلم حينما نجد جيشا بلا هيبة ولا سلطة ولا مكانة، ذلك الجيش العرمرم الذي كان وسام فخر لكل مسلم وعربي، وكان يهابه القاصي والداني.
كل هذا وغيره يجعلنا نتيقن أن سلطة الميليشيات هي المتنفذة في العراق، وبالتالي فهذا دليل قاطع على أنها مدعومة من أمريكا قبل أي دولة أخرى، فمن يقاتل في الموصل اليوم ميليشيات مدعومة بإسناد أمريكي قبل أن يكون إيرانيا.
وإذا علمنا هذه الحقيقة فمن الواجب علينا ألا نسير في سلك المدعين للتحرير، وأن يسأل كل منا نفسه هل التحرير أن تعود إلى بيتك ثم تكون فريسة سهلة بيد الميليشيات تصطادك في أي وقت تشاء؟
بقي على القارئ الكريم أن يعلم أن ما قدمته من رؤيا ليس المقصود منها أنني أدافع عن طرف ما؛ بل الكل في الحال سواء، لكن على المجتمع العراقي أن يتقين أن المحرر الجديد لا يرقب في العراقيين إلاًّ ولا ذمة، وأنه قادم من أجل تنفيذ مخططاته، وأنه لا يوجد جيش يأمن الناس بوجوده بل إن من يسيطر على القرار في العراق الميليشيات المتواجدة فيه، وأن النظرة السائدة عند كثير من الناس يجب تغييرها والمتمثلة بأن من يتزعم التحرير اليوم قادم لتخليصهم من المحرر القديم؛ لأنهم سيصدمون بعقبة كبيرة، وتتبين لهم الحقيقة التي تغافلوا عنها.
ـ مقال خاص بموقع ( الهيئة نت ).
