إن كلَّ ما يقدمه الإنسان مهما كان دينه وانتماؤه لنفسه أو لغيره في أبواب المعروف فهو خير له ولوطنه، ويصب ذلك في عمارة الأرض وبناء المجتمعات، سواء أكـــان هذا العمل عملاً فردياً أم جماعياً ، مقصوداً أم غير مقصود ، قال الله تعالى )فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ # وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ( (الزلزلة 7 و 6) .
وتأسيساً على هذا فإن المواطنة موجودة في ذات الإنسان شاء أو أبى وهي جزء لا يتجزأ من فطرته التي أودعها الله عز وجل فيها، لذا نجد في الدول التي لا تدين بالإسلام في أيامنا هذه أن كل ما ينتجه الفرد من جهد، فإنه يصب في عمارة وطنه .
ومن باب أولى فإن على المسلم الذين يدين لله عز وجل بالعبودية المطلقة الخالصة أن يكون فعله كله خير ويصب في بناء مجتمعه نحو الأحسن.
ومعلوم أن كل ما يفعله المسلم من خير يعود عليه بالأجر مرتين، فالأول دنيوي ، والثاني أخــــروي لينال به الحسنى ، وفي الحالين فإنه يصب في عمارة وطنه ودينه ، قال الله تعالى : )مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ((النحل 96) .
هذا هو المعيار الإسلامي، فالمسلم الذي يعمل بإخلاصٍ ونية صادقةٍ، فهو صادق التوجه وصادق المواطنة، والمواطنة من آكد توجهات العبد الصالح الذي يسعى لآخرته ومرضـــاة ربه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها)) . ألم يكن زراعتها وغرسها عملا حسنا يصب في رافد المواطنة الصالحة وبناء المجتمع رغم شدة الهول يوم القيامة ، ومن دلالة هذا الحديث الحث على استغلال الأوقات والفرص وعدم تضيعها من غير إنتاج .
والأوطان تبنى بالأعمال الفردية التي يقدمها الأفراد، وبالأعمال الجماعية التي تقدمها الجماعات، ولبنة فوق أخرى تنتج بناءً شامخاً وصرحاً كبيراً.
فإذا ساد الخير وانتشر، فستموت الفوارق الطبقية والطائفية والمناطقية والدينية وسيصبح الفرد يعيش بسلام وأمان في ظل عرف المواطنة الصالحة، قال الله تعالى )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ( (البقرة 256).
وما القوانين الرادعة التي تشرّعها الحكومات، والقصاص العادل الذي تفرضه المحاكم الحكومية على المجرمين ومرتكبي السيئات إلاَّ رادعاً لهم، ليعودوا إلى رشدهم ويسلكوا الطريق الأمثل في مستقبل أيامهم لتتحقق بهم المواطنة الصالحة التي يتعايش الأفراد تحت ظلها. فدرء المفاسـد المستعصية لا يتم إلاَّ باستخدام القوانين الصارمة، قال الله تعالى: )وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَاب لَعَلَكُمْ تَتَّقُونَ( (البقرة 179).
ومن هذه المقدمة نصل إلى نتيجة حتمية أن الفرد الذي يعيش على بقعة من الأرض ومعه أفراد آخرون إما أن يكون بعمله وتوجهاته مواطناً صالحاً يخدم أمته ووطنه، وإما أن يكون مفسداً مخرباً لا نفع يرتجى منه.
ومما يستشف من تأريخ أمتنا أن السلف رضي الله عنهم كانوا من النوع الأول الذين خدموا دينهم ووطنهم، فكانوا حقاً أنواراً ومصابيح تنير للأجيال طريقها، ورحم الله القائل : (فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم, إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ.).
فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن فتى شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنى ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا : مه ، مه ، فدنا منه قريباً قال فجلس قال : ((أتحبه لأمك ؟)) ، قال : لا والله جعلني الله فــداءك ، قال : ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)) ، قال : ((أتحبه لأختك ؟)) ، قـال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم))، قال : ((أتحبه لعمتك ؟)) ، قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قال : (( ولا الناس يحبونه لعماتهم)) ، قال : ((أتحبه لخالتك ؟)) ، قال : لا والله جعلني الله فداءك ، قــال : ((ولا النــاس يحبونه لخالاتهم)) ، قال : فوضع يده عليه وقال : ((اللهم اغفر ذنبه ، وطهّر قلبه ، وأحصن فرجه))فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء . (الحديث صحيح رواه أحمد).
فتوجهات هذا الشاب كانت تنصب نحو الإفساد والإساءة إلى مجتمعه، ولولا وازعه الإيماني وتوجيهــــــات المعلم المربي صلى الله عليه وسلم، لوقع في المعصية والسوء الذي سيرد على المجتمع بالعواقب السيئة.
إذن تتحقق المواطنة الصالحة بثلاثة أشياء:
الأول: التوجه الصحيح والنية المخلصة والنفس المطمئنة، قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (رواه البخاري ومسلم).
الثاني: وجود المعلم والمربي والموجه الصادق لتصويب العمل وتسديده، وعلى كل مسلم أن يقبل من معلمه ومربيه النصيحة والتوجيه والتسديد.
الثالث: الرادع الديني والقانوني، قال الله تعالى: )وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَاب لَعَلَكُمْ تَتَّقُونَ( (البقرة 179).
فإن لم تتحقق الأشياء الثلاثة في كل فرد لم تتحقق لديه المواطنة الصالحة التي أرادها القرآن الكريم. قال الله تعالى وهو يصف هذه الأمة بالخيرية واستمرارها فيها: )كُنْتُمْ خَيَرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ( (آل عمران 110).
ولما ابتعد المسلمون عن فعل الحسنات واجتناب المنكرات أصبح المجتمع في حالة سيئة يرثى لها، وبات المجتمع يئن لمثل هؤلاء الرجال الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والذين كان همهم وديدنهم بناء المجتمع على أفضل ما يكون.
فالمجتمع لا يتعافى من أمراضه وشرور مواطنيه إلاَّ عندما يعرف كل فرد فيه حقه ومستحقه، ويؤدي ما عليه من حقوق وواجبات تجاهه، وكذلك لا يسوده الأمن والرخاء إلاّ إذا التزم أفراده بأداء حقوق الآخرين وتنازل عن رغباته النفسية الجامحة لغيره.
فكل من عرف حقه وحق الآخرين عليه وسعى إلى تحقيقها عاش في مجتمعه بمواطنة صالحة من غير أن يخطر بباله الإساءة إليه وهذا ما نسعى إليه ويسعى إليه أهل الخير في كل مجتمع إنساني قائم على أسس ومبادئ.
ولكن عندما تضيع الحقوق ولا يعرف كل ذي حق حقه تنتشر الفوضى ويعم البلاء ويسوء الأمن وتسوسه الأشرار وأهل الأطماع والرغبات الشهوانية وهذا ما لا يرضاه الله ولا يرضاه رسوله صلى الله عليه وسلم.
فالمسلم الحـق لا يتجاهل حق الآخرين، والذي يتجاهل هذا لا يعرف للمواطنة الصالحة حقها، بل يتنكر ذلك باستمرار ليكون عابثاً مفسداً وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مقال خاص ب الهيئة نت
