((كيف تحول كتيب اميركي بعنوان \'المخطط القومي الاستراتيجي لإحراز النصر في العراق\' الى مشروع \'وطني\' عراقي؟!!)
منذ ان تشكلت حكومة نوري المالكي بعد مخاض عسير في العراق المحتل، ونحن نعيش في ظل فبركة اعلامية أطلقها المحتل تدعى مبادرة المصالحة الوطنية. فصار المواطن العراقي يصحو على مفخخة تنفجر وتقتل العشرات بينما يغني سياسيو الاحتلال نغمتي الارهاب والمصالحة الوطنية. وينام المواطن فتداهمه قوات الاحتلال والميليشيات والمرتزقة فيهان ويعتقل او يقتل مع افراد عائلته بعد اغتصاب النساء بينما يقف سياسيو الاحتلال، بعيدا، في المنطقة الخضراء، وهم يتمايلون مع السفيرين الاميركي والبريطاني على نغمتي الارهاب والمصالحة الوطنية.
فكيف أصبحت نغمة المصالحة الوطنية هي السائدة؟!!
لقد ولدت حكومة المالكي (المنتخبة) وهي مربوطة بالادارة الاميركية بحبل سرة، حافظ الطرفان على بقائه كما هو لمصلحة الطرفين. وكان أحد شروط ولادة الحكومة ان تتبنى بشخص رئيس وزرائها ما اطلق عليه اسم "مبادرة المصالحة".
ومثل كل المبادرات المزودة بالغذاء عبر حبل السرة مع المحتل الانكلو ـ اميركي، لم تكن مبادرة المصالحة الوطنية وليدا عراقيا وطنيا. بل كانت فكرة المصالحة قد تدرجت في التكوين بدءا من النطفة مع زيارة كوندليزا رايس، وزيرة الخارجية الاميركية، وجاك سترو وزير الخارجية البريطاني، في الاسابيع التي سبقت الانتخابات في 15 كانون الاول/ ديسمبر من العام الماضي. حيث تحدث الاثنان بحب ودفء عن المصالحة الوطنية. وفوجئ وكلاء الاحتلال خلال اسبوع واحد بزيارتي رايس وسترو وتلاهما كوفي انان، سكرتير عام الامم المتحدة، يوم 12 تشرين الثاني/نوفمبر، في اول زيارة له منذ غزو العراق. داعيا في زيارته المفاجئة، هو الاخر، الى المصالحة الوطنية. ثم وبتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر، وزع البيت الابيض الاميركي باحتفالية من يفرح بولادة صبي، على الصحافيين كتيبا بعنوان "المخطط القومي الاستراتيجي لاحراز النصر في العراق". وكان من الجلي ان الكتيب قد تمت كتابته قبل ارسال الثلاثي كوندوليزا وسترو وانان الى العراق للاعلان عن فكرة المصالحة. ويعتبر المخطط القومي الاستراتيجي الاميركي ان اعلان مبادرة المصالحة الوطنية (لاحظوا انها العراقية وليس الاميركية) واحدة من الخطوات التي ستؤدي الى الانتصار الاميركي في العراق!!.
منذ تلك اللحظة اصبح لمصطلح "المصالحة الوطنية" المبهم الغامض قدسية تماثل قدسية النصوص الدينية!. وازداد انشغال الحكومة بالمبادرة دون سواها حتى باتت هي الحل الوحيد والمنقذ الاوحد بل ولا مستقبل بدونها حسب تصريح الطالباني اخيرا!. وصار هم وكلاء الاحتلال، المدركين تماما لادوارهم في الملهاة الاميركية، اقناع الشعب العراقي، الواقف على مدى ساعات يوميا امام محطات البنزين بانتظار الفرج، بان مصيبته العظمى منذ احتلال العراق وحتى اليوم ليست جيوش وقوات الاحتلال التي تتمتع بالحصانة من القانون العراقي مهما ارتكبت من جرائم بحقه، وليست قصفها المدن واسلحتها الكيمياوية ومجازرها الجماعية وليست عملاءها وفسادهم وميليشياتهم وطائفيتهم ومحاصصاتهم ونهبهم للاموال العامة، بل ان المشكلة الاساسية هي نقص حماسه وقلة نشاطه وعدم انضمامه السريع الى صفوف مبادرة المصالحة الوطنية! ومع وكلاء الاحتلال المتمرسين في التضليل الاعلامي، شارك عدد من السذج واليائسين في التطبيل والتزمير لمبادرة لا يعرف احد معناها.
ولننظر الى ملهاة المصالحة خلال يوم واحد هو الخميس لنفهم حجم التضليل المصاحب لها. فها هي وزارة المهجرين والمهاجرين تسعى الى عقد مؤتمر لدعم المصالحة الوطنية وبالتعاون مع وزارة الدولة لشؤون الحوار الوطني وشؤون المجتمع المدني. ودعا وزير المهجرين والمهاجرين عبد الصمد رحمن جميع الجهات الدينية والعشائرية والحزبية ومنظمات المجتمع المدني الى دعم المشروع الذي دعت اليه الحكومة العراقية. واذا ما حدث وتساءل احدنا عن معنى المبادرة ومصالحة من مع من فان الجواب سيقتصر على جمل جاهزة طالما سمعناها من بوش وجماعته وهي التي رددها الوزير: إن العراق يمر بمرحلة دقيقة وخطيرة يحاول فيها أعداء الحرية والسلام أن يوقفوا التغيير والتقدم اللذين طالما انتظرهما العراقيون بكل اطيافهم بفارغ الصبر!! .
وها هو باسم خميس عبيد المعاون الاداري لمكتب مساعدة المنظمات غير الحكومية والتابع لوزارة التخطيط يقول ان العمل جار لتفعيل لجنة المصالحة الوطنية في المكتب لاختيار 1000 منظمة للمشاركة في مؤتمر المصالحة الوطنية وحسب توجيهات وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني عادل الاسدي.
كما اعلن نقيب الصحافيين العراقيين شهاب التميمي ان النقابة ستعقد مؤتمراً وطنياً ومهنياً لدعم مشروع المصالحة الوطنية. واضاف التميمي في تصريح صحافي ان انعقاد هذا المؤتمر يأتي تعبيراً عن دعم الصحافيين العراقيين وتفهمهم لجوهر الدعوة التي اطلقها رئيس الوزراء نوري المالكي كونها الطريق الوحيد الذي يعيد للبلد استقراره وأمنه!!. فما الذي حققته مبادرة المصالحة الوطنية حتى الان؟! اعلاميا، لقد استخدمتها الادارة الاميركية لتبين لمواطنيها بانها ستواصل ابقاء ابنائهم في العراق مع احتمال تعرضهم للقتل والجروح المميتة لانها تشارك في الدفاع عنهم ضد الارهاب في العراق!
واستخدمت حكومة المالكي الحديث المكرر عن المصالحة الوطنية كصمام امان يحميها من غضب وتذمر الناس بعد ان فشلت فشلا ذريعا، كسابقاتها، في تحقيق أي من وعودها وخاصة في مجال تحقيق الامان، اذ تم اغتيال 2100 مدني في شهر تموز/يوليو لوحده حسب الناطق العسكري الاميركي. بينما بلغ عدد المهجرين، داخليا، 200 ألف منذ ستة أشهر. وتجاوز عدد الهاربين من جحيم الغزو وارهابه وعصاباته المليون.
ماذا عن الشعب العراقي؟!، كيف يرى مبادرة المصالحة الوطنية؟!
يبقى صوت المواطن العراقي وسط جعجعة ملهاة المصالحة ومهزلة محاربة الارهاب صادقا، أصيلا، نابعا من صميم عراقيته ووطنيته متسائلا المرة تلو المرة سؤالا بسيطا وواضحا وهو: مصالحة منْ مع منْ؟! العراقي مع العراقي؟! أليست هذه مسألة متروكة للعراقيين انفسهم بلا تدخل اجنبي! العراقي مع المحتل مع الارهابي؟! منْ هو الارهابي؟ !المحتل ام منْ يقاوم الاحتلال؟ !
يتلفت المواطن العراقي حوله، هو المقيم على الارض ذاتها منذ آلاف السنين، مدركا ان المعنى الحقيقي للكرامة وعزة النفس هو ان يمتلك استقلاله وسيادته ويدافع عن وطنه، عن أهله ومدنه. ألا يسمح لاجنبي يدعى زلماي خليل الحديث عن عاصمته بغداد، بآثارها ومدارسها واهلها وتاريخها وحضارتها، باعتبارها مجرد أرض جرداء تصلح لمعركة يخوضها جنود الاحتلال تحقيقا لامن بلدهم.
ويبقى يكرر السؤال: مصالحة منْ مع منْ؟!!، اذا كانت الوجوه السياسية واحزابها ما تزال كما هي وهي التي خططت للغزو والاحتلال ثم شاركت في كل ما انبثق عن الاحتلال استنادا الى التقسيمات والمحاصصات الطائفية والعرقية وها هي تطبل وتزمر لعراق الاقاليم والمحافظات وتقسيم البترول.
مصالحة منْ مع منْ؟!، اذا كانت الحكومة التي اطلقت المبادرة هي التي استجدت تمديد بقاء قوات الاحتلال ووقف مسؤولوها في حلقة يصفقون ويغنون بينما تقوم تلك القوات بارتكاب المجازر، انتهاك الاعراض واستباحة الثروات؟
هيفاء زنكنة/ كاتبة من العراق
ميدل ايست اونلاين
فبركة إعلامية أميركية تدعى المصالحة الوطنية في العراق!.. هيفاء زنكنة
