تدخل المسألة العراقية حالة التعقيد الأشد في تحالفاتها وصراعاتها، وتلك أهم سمات المراحل النهائية للمعارك الكبرى، وهو ما يتطلب تحديدا هو الأدق في تحديد معادلات الصراع الكلية، وفي تدبر واتقان الصياغات العملية للتحالفات المؤقت منها والاضطراري، والدائم فيها بطبيعة الحال.
كانت القضية شديدة الوضوح، حين احتلت القوات الأمريكية أرض العراق، فالعدو واضح ومحدد ويسير في الشوارع ببزته العسكرية التي تفوح منها رائحة الدماء، ومن معه، كان أوضح من أن يخفي وجهه أو وجهته، إذ كان في صف محتل، غاز، قاتل، مدمر، فيما لم يكن من اصطف في صفوف المقاومة أو ينشط في دعمها بحاجة لإبداء أسبابه.
كان هذا الوضوح أحد عوامل عزل قوات الاحتلال، وضعف المتعاونين معها، وأحد عوامل الالتفاف حول المقاومة العراقية، بما مكنها من تحقيق انتصارها.
ودارت دورات وتقلبات تمثل محور أهدافها الاستراتيجية في أحداث أكبر قدر من الالتباس والتدليس والارباك، وكان أخطرها لعبة العملية السياسية والانتخابات وما ترافق معها من ظاهرة الصحوات وما تلاها من ظاهرة تنظيم الدولة، وكلها استهدف منها ونتج عنها إرباك للرؤية الموحدة وتفكيك عوامل القوة، خاصة في دورها وتأثيرها في المناطق التي شكلت حواضن المقاومة.
اليوم يعيش مشهد تحرير العراق، وضعا معقدا، يتطلب نمطا معقدا من إدارة الأزمات.
نقصد هنا، الإشارات الصادرة عن إدارة ترامب التي تشير بطريقة أو بأخرى إلى قرب إنهاء خدمات إيران، وإلى أن الولايات المتحدة بدأت مرحلة جديدة، تستفيد فيها (هي) وتحصد نتائج ما أحدثته إيران من تخريب وتدمير، لتعيد تحقيق هيمنتها ومصلحتها (هي) بالاستفادة من الدور التخريبي الإيراني في المنطقة بصفة عامة وفي العراق وسوريا بصفة خاصة، وفي ذلك (هي) تعيد تقديم نفسها كطرف يواجه تخريب إيران ويقاوم نفوذها ودورها في الإقليم – بديلا لحالة التحالف السابقة – والأخطر، إنها تسعى - تحت تلك الوضعية الجديدة - للتغطي بالقوى التي أصابتها إيران قتلا وتخريبا، أو لإقامة تفاهمات وفق نمط من تقاطعات مصالح مع بعضها، وهو ما يجعل السير في قضية تحرير العراق، سيرا على أشواك تدمي العقول لا الأقدام فقط.
لقد تمكنت قوى المقاومة من المحافظة على استقلالها الفكري والوطني والاستراتيجي حين اعتبرت الاحتلال الأمريكي هو أصل الشرور، وبذلك لم تسقط في فخ الحرب الأهلية الذي رُسم بإحكام، وكذلك ينبغي لها أن تخوض معركتها مع الاحتلال الإيراني باستقلالية كاملة لرؤاها وأهدافها، حتى لا تسقط في فخ استخدام الولايات المتحدة لها – كما استخدمت إيران من قبل ضد العراق والمقاومة - ولكي تخرج من معركة مواجهة ايران، بانضاج مشروع وطني شامل لإنهاء كل صنوف احتلال العراق، إيرانية كانت أم أمريكية أو غيرها.
وواقع الحال أن الحاصل مؤخرا بين أمريكا وإيران – إن تأكد وتعمق – لم يكن مستبعدا في الرؤية الاستراتيجية للتحالف الأمريكي الإيراني المدشن علنيا مع بداية العدوان الأمريكي على أفغانستان ثم العراق.
كانت القراءة الاستراتيجية تفصح بأن دورا وظيفيا لإيران داخل الاستراتيجية الأمريكية، حين ينتهي أو تضعف أهميته أو حين تحاول إيران التمادي في تحقيق مصلحتها منه، سينقلب إلى صراع، وفي ذلك باتت المؤشرات تتحدث عنه الآن.
لقد استهدفت الولايات المتحدة من حربها واحتلالها لأفغانستان ثم العراق، تحرير القوة الإيرانية – طائفيا وعسكريا وسياسيا - لاستخدامها ضد أعدائها - أعداء الكيان الصهيوني.
وظفت الولايات المتحدة قدرات إيران في تحقيق مخططها لتدمير الإقليم البنية المجتمعية وقدرات خصومها، والآن وبعد أن استنفذت الولايات المتحدة أهدافها من توظيف إيران، وإذ آن أوان إعادة الترتيب والتقسيم وبناء أوضاع جديدة، فهي تدير ظهرها لإيران، تنهرها وقد توجه لها عصى غليظة، لتعود إلى داخل حدودها وتترك أمر الترتيبات الجديدة للكبار.
الأمر ظاهر الآن في محاولة الفصل بين روسيا وإيران، وفي الضغط لإنهاء دور بشار وبدأ الحديث الأمريكي عن خطر ودور الميليشيات الإيرانية - التي تأسست ونشطت في تخريبها وقتلها وتدميرها تحت الرعاية العسكرية والاستخبارية الأمريكية - وهو متجل في العراق في تحضيرات تتضح يوما بعد يوم.
الآن وفي إدارة توجهات المرحلة الجديدة – التي تتطلب متابعة مدققة لملامح اكتمالها أو تعرجاتها - يدخل العامل الداخلي في العراق، بعدا رئيسيا في حركة الصراع، كما يتوقع أن تحدث حالة واسعة من الاضطراب في تشكيل وإدارة العلاقات التحالفية والعدائية السابقة.
وفي الملامح المتوقعة لتلك المرحلة، سيجري تحرير قطاع من القوى التابعة لأمريكا عن تلك القوى التابعة لإيران، كما ستتحرر قوى مجتمعية كان يمنعها إحكام هذا التحالف من قبل، وستعلو أصوات قوى سنية مرتبطة بالاحتلال لتتحدث عن ضرورة التحالف مع الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة.
وستظهر دعوات للتركيز على إيران وحدها على غرار التحالف الإيراني السابق مع الولايات المتحدة، كما تتعقد الأدوار والأهداف الإقليمية وتزداد وضوحا في الداخل العراقي، وفي المقابل، ستسعى القوى الحليفة لإيران لتغيير بعض من سلوكها لاستقطاب قطاعات سياسية ومجتمعية، كانت فقدتها (نموذج مقتدى الصدر مثالا).. الخ.
وفي مثل هذا السير على الأشواك الدامية، يبدو اعتماد خط وطني صارم في إدارة التحالفات حلا أساسيا، وأن تتكثف الجهود لبناء كتلة تحالف وطني بعيدا عن القوى المتعاونة مع كلا الاحتلاليين هو الحل الاستراتيجي، غير أن مثل تلك الأوضاع تطرح ضرورات المناورة السياسية المعقدة في توجهاتها وقواها وأهدافها، لتعميق صراعات الاحتلالين، ولحشد أوسع القوى المؤقتة في بعض الأحيان لتحقيق أهداف مباشرة وحالة، خاصة وأمر التقسيم سيكون مطروحا بشدة في المرحلة المقبلة.
وكذلك تطرح ضرورات اعتماد أدوات جديدة في إدارة الأزمة لتحقيق فعالية أعلى للحشد المجتمعي، إذ سيؤدي الرأي العام والدور الشعبي دورا حاسما في إدارة الصراع الجاري والقادم في العراق.
مقال خاص بموقع ( الهيئة نت )
