أُسْري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيت الله الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بمدينة القدس الشريف..
ثم عُرِج به من الصخرة المقدسة بالمسجد الأقصى إلى السماوات العلى حتى بلغ إلى سدرة المنتهى..
يقول جل شأنه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا).
كان الإسراء والمعراج آية من الله لنبيه ومصطفاه ومعجزة خارقة لكل قوانين ونواميس الحياة..
كان الإسراء والمعراج رقياً وارتقاء برسول الله على كل إنسان وجان في أي زمان أو مكان..
فالجان قد صعدوا إلى السماء ولها قد لمسوا واتخذوا منها مقاعد للسمع فوجدوها ملئت حرساً شديداً وشهبا.
يقول - عز وجل - في سورة الجن: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً).
(وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً).
وقضى الله في حكمه وعلمه بأنّ من الإنس مَن سوف يصعدون إلى الفضاء ويخترقون الأجواء وسوف يأذن الله لهم ويفتح لهم باباً من أبواب السماء لكي يهبطوا منه على بعض الكواكب والأقمار للبحث عما في الكون من أسرار وأغوار ليرواْ آيات الله في خلقه وقدرته فيزداد الذين آمنوا إيماناً ويوقن الذين اتبعوا الباطل بوحدانيته.. يقول اللطيف الخبير: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).
الإعجاز العلمي للإسراء والمعراج
من ارتاد أو يرتاد الفضاء لابد وأن يتخذ السبل والوسائل اللازمة في صعوده وتصعده حتى لا يشعر بضيق في التنفس أو يحس بالاختناق ولكي يتحاشى الانقباض في رئتيه، أو يصيبه منه دوار أو حرج في القلب وحتى لا تكون حالته مضطربة في السكون أو الحركة نظراً لانخفاض الضغط الجوي وقلة نسبة الأكسجين كلما صعد وتصعد في الهواء.
النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ارتاد الفضاء وسرى واخترق الأجواء وصعد من الأرض إلى السماء دون انقباض في الرئتين أو حرج في القلب ودون إحساس باضطراب أو شعور بضيق أو اختناق.
الصعود في الفضاء دائماً ما يكون عبر خطوط متعرجة ومنحنية وهو ما يسمى بالعروج أو المعراج لأن حركة الأجسام فيه لا تكون في خطوط مستقيمة معتدلة بل لابد لها من التعرج والانحناء..
وإذا ما علا رائد الفضاء وخرج من طبقة الغلاف الجوي واخترق الجاذبية المحيطة بالكرة الأرضية فهو بذلك يكون قد دخل باباً من أبواب السماء وحينئذ تنعدم الجاذبية الأرضية.
وتنعدم الأوزان فلا يكون هناك من اعتدال للأجسام أو استقامة أو استواء فتسبح الأجسام وتترنح في الفضاء..
النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - صعد وعلا واخترق ونفذ من طبقة الغلاف الجوي ومن الجاذبية الأرضية معتدلاً ومستوياً في الآفاق دون انعدام وزن أو ترنح في الفضاء.
استوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ولن يستوى أحداً سواه.. يقول - سبحانه - في سورة النجم: (فَاسْتوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى)...
إذا ما أذن الله لأىٍ من رواد الفضاء وفتح الله له باباً من أبواب السماء سوف يجد الكون أمامه مظلماً ظلمة حالكة دامسة وعينيه ستكون فيه كأنها مسدودة مغلقة وبصره، كأنه مقفلاً مُسكّراً لا يعي ولا يبصر ما يراه وسوف يكون جسده مسلوباً منه كمن أصابه سحرٌ أو كمن صار وأصبح مسحوراً.. يقول جل شأنه: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ)..
النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فتح الله له كل أبواب السماء ونفذ فيها من سماء إلى سماء دون ميل عن القصد ودون حيدة أو طغيان.
كان - صلى الله عليه وسلم - يبصر ويعي ما يراه دون ظلمة أو ظلام كان يرى ويشاهد ما يريه الله دون إقفال أو تسكير في الإبصار.. يقول جل ذكره: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى).. (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى).
لقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إسرائه وفي عروجه ومعراجه آيات كبرى ومعجزات عظمى..
وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالا يبلغه أحد من قبله.. ورأى ما رأى عند سدرة المنتهى.. وسدرة المنتهى عندها جنة المأوى.. (سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى).
قد تكون هذه السدرة هي منتهى الأرض والسماوات ومنها تبدأ جنة الخلد والنعيم.. فلقد أخبرنا العزيز الحكيم أن مقدار عرض الجنة يعادل مقدار السماوات والأرض فقال في كتابه الكريم: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ).. (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ).
فسبحان مالك الملك والملكوت وسبحان صاحب العزة والجبروت وتبارك الله ذو الجلال والإكرام والعزة والسلطان.
وصلى الله وسلم على إمام العلماء وسيد الأصفياء وخاتم الأنبياء خير الأنام سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام -.
