مضت أربع عشرة سنة من الدمار الشامل الذي خلفه الغزو الأمريكي في العراق وطال الأخضر واليابس، فنالت البيئة العراقية نصيبا عظيما من التخريب الذي مزق عناصرها الحيوية وقضى على أشكال الحياة وسمم الماء والتربة والهواء، فألحق الضرر بالإنسان والحيوان والنبات، بسبب الاستعمالات المحرمة دوليا للأسلحة السامة والكيماوية والنووية، والقذائف المحظورة المتفجرة والقابلة للانتشار، فضلا عن أسلحة جديدة جربت للمرة الأولى في الحرب على العراق مثل القنابل النيوترونية، كل هذا يعتبر بمثابة جريمة دولية على البيئة التي صيغت من أجلها العديد من القوانين أملا في حمايتها ومعاقبة الجناة.
فبمجرد الغزو الأمريكي على العراق في شهر مارس عام 2003 كانت أولى مقدمات التلوث الذي تعرضت له البيئة من جراء استخدام اليورانيوم المنضب في الأسلحة المضادة للدبابات العسكرية، وقد أكدت بعض الدراسات الميدانية التي أجراها باحثون استراتيجيون ومختصون في علم الأسلحة أنه تم إلقاء ما مجموعه من 7 إلى 8 قنابل نووية على الفلوجة والأنبار والموصل وتلعفر وكشفته وسائل الإعلام التي صورت نتائج قوة الدمار الذي لحق بهذه المناطق، وصرح الباحث الاستراتيجي اللواء الركن حازم الراوي في برنامج "حديث اليوم" على قناة "آر تي" بأن العدو الأمريكي استعمل القنابل النيوترونية والتي لم يكن الجيش العراقي يملك أي معلومات عنها، وأضاف بأن القوات الأمريكية استخدمت اليورانيوم بكميات فاقت ما استخدمته عام 1991 بنحو 10 أضعاف- بحسب تصريح رامسيفلد- أي ما يعادل 70 قنبلة نووية، وبالرغم من نفي الجانب العسكري الأمريكي لآثار اليورانيوم المنضب الوخيمة والطويلة الأمد على الصحة والبيئة، إلا أن العلم أثبت عكس ذلك حين كشفت دراسة لمركز السرطان بلندن بين عامي 2010 و2012 من خلال تحليل عينات من الماء والتربة عن وجود نسب كبيرة من المصابين بمختلف الأمراض السرطانية مثل اللوكيميا وسرطان الرئتين، أضف إليها التشوهات الخلقية للأطفال حديثي الولادة، وتتداخل الأسباب بين استنشاق لجزيئات اليورانيوم العالقة في الهواء وبين استقرارها على التربة والماء والغذاء لا سيما وأن هذه الأسلحة لها امتداد جغرافي يتجاوز الخمسين كيلومترا ويمتد أثره إلى الأجيال المستقبلية، وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست طرفا في اتفاقية حظر استعمال اليورانيوم المنضب فمن الصعب أن تصلح آثار ومخلفات اليورانيوم السمية والإشعاعية على البيئة والإنسان.
كما لم تخل أيضا ترسانة الأسلحة الأمريكية من الأسلحة الكيماوية والجرثومية والحارقة كالقنابل الفسفورية والعنقودية وأسلحة الليزر المحظورة دوليا بسبب آثارها التدميرية على البيئة، وقد أثار الشريط الوثائقي الذي عرضته قناة ر.أ.ى الإيطالية جدلا واسعا لدى الرأي العام والمجتمع الدولي، إذ تضمن عرضا لمجموعة من الصور والفيديوهات لضحايا القصف وشهادات لجنود أمريكيين تثبت استعمال القوات الأمريكية للفسفور الأبيض خلال هجومها على الفلوجة عام 2004، وبالرغم من أن الجيش الأمريكي صنف الفسفور الأبيض على أنه من قبيل الأسلحة الكيماوية إبان حرب الخليج الأولى، إلا أنه استخدمه في الفلوجة مما أثر على المدنيين وعلى البيئة بشكل مباشر، حيث أنه يحتوي على مزيج كيماوي من مواد كيماوية حارقة وذات ملوحة تترسب على التربة وتقضي على خصوبتها، كما تتفاعل في البيئة المائية مع جزيئات الأكسجين الموجود فيها مما يؤدي إلى تسممها وتلوثها، بسبب نفاذها إلى المياه الجوفية أو ترسبها في قاع الأنهار والبحار وحتى على أجسام الأسماك التي تشكل مصدرا هاما لغذاء الإنسان، أما الهواء فيصبح ملوثا بالغازات السامة الناتجة عن احتراق الفسفور مما يؤدي إلى أضرار صحية بالجهاز التنفسي والجهاز العصبي عند استنشاقه لفترة طويلة والتي غالبا ما تتطور إلى أمراض سرطانية لدى المدنيين، أما من ناحية التنوع البيولوجي فإن الفسفور الأبيض مادة مدمرة لجميع الكائنات التي تتواجد بالمنطقة الملوثة به سواء حيوانات أو نباتات أو منتجات زراعية غذائية وتتسبب في أضرار مباشرة وأخرى غير مباشرة تنتقل عبر السلسة الغذائية.
كما أن الغزو الأمريكي للعراق تسبب في تدمير بيئة ثلاث أجيال بسبب الأسلحة الكيماوية وقنابل اليورانيوم المنضب التي خلقت ما يفوق 15 موقعا ملوثا، فضلا عن خمسة مواقع عراقية تم فيها دفن المخلفات العسكرية للجيش الأمريكي بحسب التحقيق الذي أجرته صحيفة التايمز البريطانية وقد اقر بموجب ذلك الجنرال الأمريكي كورس على ما يعادل أو 14.5 ألف طن من النفايات العسكرية التي دُفنت تحت إشرافه، بالإضافة إلى احتراق آبار النفط وتلوث الهواء، وقد أشارت عدة تقارير بأن البيئة العراقية أصبحت من أكثر المناطق الملوثة بيئيا على المستوى العالمي، وهذا كان سببا رئيسيا في موجة جفاف حادة طالت النهرين وأدت إلى تصحر الأراضي الخصبة وتقلص الغطاء النباتي وتراجع الزراعة، وبالنتيجة تسببت في مشاكل بيئية أخرى وهي التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية من خلال تجريف البساتين.
أضحت ظاهرة تجريف البساتين خطرا على الإنتاج الزراعي في العراق بل هي جريمة بحق البيئة والإنسان بدل السعي إلى استصلاحها وحمايتها من التصحر الذي غلب على الطابع البيئي الأخضر في العراق المعروفة منذ القدم بخصوبة تربتها ووفرة مياهها، وقد قضت هذه الظاهرة على العديد من أشجار النخيل والبرتقال حيث سجلت في مدينة أبي الخصيب لوحدها ما نسبته 50 بالمائة من الأراضي تم تجريفها، أما ديالى فبلغت 5 بالمائة، أما بغداد لوحدها فقد قضت عمليات التجريف فيها على ما يعادل 266 دونم زراعي شمل القطع الجائر للنخيل وتحويل الأراضي الزراعية إلى مناطق سكنية، وبالنتيجة طالبت وزارة الصحة والبيئة من أمانة بغداد بإيقاف هذه الظاهرة مشيرة إلى خطر تناقص الغطاء النباتي بشكل كبير جدا وماله من تأثيرات سلبية على التربة من انجراف والقضاء على التنوع البيولوجي وما بقي من البيئة العراقية التي دمرها الغزو الأمريكي، ناهيك عن ضرورة توعية المواطنين ولا سيما ملاك البساتين والأراضي الزراعية بضرورة المحافظة على المساحات الخضراء المتبقية ووقف التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية، فضلا عن سن قوانين رادعة بهذا الشأن وقيام الحكومة العراقية باحتواء الأراضي الزراعية التي تخلى عنها مالكوها بسبب الحرب والقيام باستصلاحها بدل تجريفها.
*كاتبة من الجزائر
ـ مقال خاص بموقع ( الهيئة نت ).
