هيئة علماء المسلمين في العراق

احتلال العراق ومجرمو الحرب في ذكراهم الرابعة عشرة... أ.عمر الفرحان
احتلال العراق ومجرمو الحرب في ذكراهم الرابعة عشرة... أ.عمر الفرحان احتلال العراق ومجرمو الحرب في ذكراهم الرابعة عشرة... أ.عمر الفرحان

احتلال العراق ومجرمو الحرب في ذكراهم الرابعة عشرة... أ.عمر الفرحان

أربع عشرة سنة مضت على غزو العراق والانتهاك الواضح لما اقرته المواثيق الدولية وعهد الأمم المتحدة، التي عدّت الغزو من الأعمال المحظورة؛ ولا يحق لأي طرف أن يحتل أو يعتدي على بلد آخر مهما كانت الظروف، وعلى المجتمع الدولي إيجاد السبل السلمية لفض النزاعات السياسية. وقد صرح كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة بأن غزو العراق كان مخالفا لميثاق الأمم المتحدة.


كانت الحرب الإيرانية_العراقية 1980-1988؛ وحرب الكويت 1991 وما تلتها من عقوبات دولية الأثر البالغ في تدمير الاقتصاد العراقي ومجتمعه، على الرغم من اتفاق أغلب والدول والمنظمات الدولية أن هذه القرارات مخالفة للقواعد الدولية، وموظفة سياسيا لصالح الدول الكبرى لا سيما أمريكا وبريطانيا. وممهدة للغزو الأمريكي في عام 2003 وما تلاه من عنف ودمار على جميع المستويات، ليكون أكبر جريمة انسانية بعد الحرب العالمية الثانية، وكلف العراق الغالي والنفيس، فضلا عن الدماء التي اريقت بغير حق، وتدمير البنى التحتية.


وكان الرأي العالمي ينادي بضرورة الحل السلمي، وتجنب الدخول في نزاع مسلح وهذا ما ذهبت إليه حكومات عدة مثل ألمانيا وفرنسا قبيل الغزو، وأظهر استفتاء لشبكة (cbs) الأمريكية أن الإرهاب ظهر نتيجة تدخل الولايات المتحدة الصارخ في شؤون الدول الأخرى.


ان اعتراض الرأي العام العالمي على غزو العراق كان بسبب عدم وجود مبرر لذلك؛ وحتى تقارير لجنة الأمم المتحدة الخاص بالرصد والتفتيش حول أسلحة الدمار الشامل لم تكن واضحة، وأوضحت اللجنة في عدة مناسبات أن العراق لا يمتلك أسلحة تجعله دولة يهدد للسلم والأمن الدولي. وشهد العالم في وقته أكبر موجة احتجاجات تجلت في 3000 وقفة احتجاجية ضد الحرب.


التلاعب الامريكي البريطاني بشأن التقارير:


قامت الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا من خلال تقرير قدمتاه إلى مجلس الأمن، اشتمل على معلومات مضللة من قبل وكالة المخابرات الأمريكية (CIA)، والمخابرات الامريكية (M16)؛ بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل وصلته بتنظيم القاعدة، وعليه أعاد مجلس الأمن مفتشي اللجان الدولية إلى العراق من خلال قراره المرقم (1441)؛ والذي جاء في مضمونه أنه إذا رفض العراق التعامل مع هذه اللجان فإنه يتحمل عواقب وخيمه؛ ولم يذكر فيها القتال أو استعمال القوة، ولكن استخدمت الولايات المتحدة الامريكية اللفظ وتلاعبت به سياسيا لأغراض عسكرية؛ وعارضت ثلاث دول من أصل خمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن وهي (روسيا، والصين، وفرنسا) استعمال القوة في هذا القرار، واستند بوش الابن إلى قانون صلاحيات الحرب عام 1973 بإرسال جيوش دولته إلى دولة أخرى لمدة تتراوح بين 60-90 يوما دون الرجوع إلى الكونغرس والذي يملك صلاحية إرسال الجيش الامريكي واعلان الحرب في الحالات الاعتيادية. وبعد شد وجذب بين بوش الأبن والكونغرس حصل على موافقة الأخيرة بشن الحرب على العراق في 3/10/2003.


واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية مفاهيم حقوق الإنسان لتبرير حربها على العراق، فتارة الديموقراطية وتارة حماية الطوائف، وحرية التعبير والتفكير، هذه المفاهيم التي وظفت سياسيا وعسكريا للتدخل المباشر في شؤون الدول الاخرى ومنها العراق.


وبناءا عليه فإن الحملة العسكرية كانت مخالفة للبند الرابع من المادة 2 من ميثاق الامم المتحدة (لا يحق لدولة عضو في الأمم المتحدة من تهديد أو استعمال القوة ضد دولة ذات سيادة لأغراض غير أغراض الدفاع عن النفس)، وهذا القانون مطابق لرأي بطرس غالي السكرتير السابق للامم المتحدة ووزير العدل البريطاني عندما ذكر في مذكرة نصت على أن أي حملة عسكرية هدفها تغيير نظام سياسي هو عمل غير مشروع.


الاعوام (2004-2007) عراق ما بعد الغزو ومؤشرات الديموقراطية.


ولما كانت أهداف الحرب المعلنة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها هو بناء عراق ديموقراطي موحد، جاءت النتائج عكسية، وبمباركة وتخطيط امريكي صاحبة مشروع الشرق الأوسط الجديد ونشر الديموقراطية، فعقدت الانتخابات البرلمانية الأولى في عام 2005 للأحزاب المشكلة في الخارج قبل الغزو والاحزاب التي تشكلت بعد الغزو، وظهرت النتيجة الحتمية والمبنية مسبقا على قرارات بريمر أو ما يسمى (القانون المدني الجديد) في العراق، حيث تلاعب كثيرا في النسب المجتمعية، وأعطى سلطة لمن لا يملك حق قيادة العراق فأصبح نوري المالكي ممثلا لحزب الدعوة رئيسا للوزراء حسب التمثيل القانوني من عام 2006 وإلى عام 2014، تمثلت هذه الحقبة بتأريخ أسود من أيام العراق والعراقيين، فسنت حكومة المالكي سياسات طائفية ومذهبية وتهميش الآخرين، وتفاقمت الثورات والنزاعات الطائفية والمذهبية، وكانت النسبة الكبيرة للضحايا المدنيين ما بين عام 2004-2007 بسبب نشر الديموقراطية الامريكية وسوء استخدامها.


كانت ولا زالت أمريكا والحكومات المتعاقبة بعدها تنشر الديموقراطية بالمدفع والرشاش، ولما اعترض السنة على هذه الممارسات سن قانون (4 إرهاب)؛ والذي يعتبر كل من يناهض العملية السياسية والوجود الامريكي في العراق هو ارهابي، فتم بهذا القانون زج الآلاف من المدنيين الأبرياء في السجون ومعاقبتهم بقانون طائفي.


واستخدمت القوات الامريكية سياسة الارض المحروقة في 2004 عند هجومها على مدينة الفلوجة إثر استهدافهم لعملاء امريكيين، واستخدمها أيضا نوري المالكي في حربه ضد المدن؛ التي شهدت ثورات ضد سياسة التمييز والطائفية والعنصرية.


ولم تقف عند هذا الحد فقط فأظهرت الممارسات اللاإنسانية لمعتقلي أبي غريب، وقضية الطفلة عبير التي اغتصبها الجنود الامريكان ومن ثم قتلوها مع أهلها لإخفاء جريمتهم، وقضية صابرين الجنابي، وقضية بلاك ووتر، والتوتر الطائفي عام 2006 وانتشار الميليشيات الشيعية، والقتل على الهوية، حيث تم العثور في تلك المدة على اكثر من 300 جثة لمدنيين عذبوا بأدوات نجارة الخشب قبل القتل بالرصاص، وازداد معدل جرائم القتل الى اكثر من 33 جرية في اليوم حسب التقارير الدولية، حتى وصفت الامم المتحدة ما يجري في العراق بانه حرب أهلية.


2008أكبر موجات النزوح في العالم


تسبب الغزو الأمريكي للعراق بمزيد من العنف الطائفي والذي أدى إلى موجات نزوح هائلة عدت الأوسع في نطاقها على مستوى العالم ففي عام 2008 بلغ عدد النازحين ما يقارب (3) مليون نازح داخليا وأكثر من مليوني لاجئ في الخارج، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة؛ واستمرت علميات النزوح القسري واللجوء إلى يومنا هذا ويعد العراق من الدول الأولى بنسبة اللجوء والتهجير، وبلغ عدد اللاجئين والمهجرين ما يزيد عن 4 ملايين نازح ومهجر في العام الرابع عشر من الاحتلال. واستمر الحال بالعراقيين في ظل الديموقراطية المزيفة بين قتل وتهجير ولجوء وفساد وفقر وبطالة وتردي التعليم وسوء الخدمات والطائفية وكثرة المعتقلات مما جعل العراق أسوء بلد في العالم.


2014عام النزاعات المسلحة والتهجير


جاء عام 2014 ليضع ديمقراطية الاحتلال وحكوماته المتعاقبة على المحك، وذلك من خلال التظاهرات السلمية والذي يعد حق مشروع لكافة الشعوب في تقرير مصيرها، واختيار الحكومة الاكفأ لهم لتلبي مطالبهم.


وبعد فض الثورة التي قام بها ابناء العراق ضد حكومة نوري المالكي، وسياسيات الاحتلال المتبعة منذ 2003 بتهميش الآخر، وسياسة العقاب الجماعي، والمعتقلات، والتطهير الطائفي، وغيرها من السياسات التي ادت بإجحاف حق المواطن، دخلت العراق في فوضى عارمة مع تشكيل حكومة بعد انتخابات شكلية، ابقت على نفس الوجوه المتهمة بالفساد والقتل، وظهور تنظيم الدولة الاسلامية مما زاد الامر تعقيدا، وفي منتصف عام 2014 يعلن الرئيس الامريكي عودة القوات الأمريكية الى العراق.


استمر العنف الطائفي الى يومنا هذا دون انقطاع سواء على مستوى الحكومة او مستوى الميليشيات، فكانت مجزرة سارية في محافظة ديالى؛ ومجزرة الصقلاوية؛ ومجزرة القائم، ومجزرة الموصل الجديدة وغيرها من المجازر التي ما تزال دماؤها ساخنة لم تجف على ارض الوطن.


مجرمو الحرب في ذاكرة التاريخ:


جاء تقرير لجنة التحقيق البريطانية في غزو العراق (تشيكلوت) ليبين من هم مجرمو الحرب في العراق، ويتمثل أهمية التقرير هذا بأنه أعطى الأساس الصلب لمحاكمة مجرمي غزو العراق وما ذكره من تفصيلات والجرائم التي قاموا بها وقد ذكر التقرير هؤلاء المجرمين وعلى رأسهم جورج بوش الابن وتوني بلير وكل من شارك في غزو العراق.


ولا نريد ذكر الجرائم وتوصيفها القانوني ولكن نتعرف على من قام بهذه الجرائم والتي وصفت بانها جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وجريمة عدوان، وما آلت اليه احداث الغزو من تكريس الطائفية والتهجير القسري، واعتقالات تعسفية، واعدام خارج القانون وغيرها.


وعليه فان كل جرائم الحرب التي نصت عليها اتفاقيات جنيف ارتكبها الاحتلال في العراق بلا استثناء، بل ارتكب من الجرائم ما هو أفظع من تلك التي نصت عليها الاتفاقيات. وتوجد عشرات التقارير الدولية والمحلية التي توثق هذه الجرائم بشكل تفصيلي.


ويعتبر القانون ان كل شخص مارس فعلا او قولا في هذه الجرائم فانه يعتبر مجرم حرب؛ سواء كانت رئيس او قائد او جندي.


ومن هؤلاء المجرمين: (بوش الابن، توني بلير، وزراء وقادة الجيوش التحالف الدولي، دونالد رامسفيلد، كولن باول، كوندليزا رايس، جون ابي زيد، نوري المالكي، اياد علاوي، حيدر العبادي، جابر صولاغ، ابراهيم الجعفري، ووزراء الدفاع والداخلية في الحكومات المتعاقبة بعد 2003 والى يومنا هذا، ميليشيا الصدر، ميليشيا منظمة بدر ورئيسها هادي العامري، وأبو مهدي المهندس، ميليشيا الحشد الشعبي بكافة فصائلها، تنظيم الدولة الاسلامية).


وبحسب معهد بروكينغز، وصلت وفيات المدنيين العراقيين إلى 3990 خلال سنتي 2007-2008، ليكون شاهدا على السياسية الطائفية التي انتهجتها حكومات الاحتلال في ذلك الوقت، وهي اكبر نسبة للقتل في العراق بالنسبة للأعوام التي سبقته ولحقته، واصبح العراق مسرحا للعمليات الانتقامية فيما بين الدول وفيما بين الاحزاب الحاكمة والضحية هو المواطن العراقي.


ووصل العدد الاجمالي للقتلى المدنيين في العراق من 2003- 2016 إلى (359549) حسب احصائيات الأمم المتحدة في العراق.


تسبب هؤلاء المجرمون بأكبر خسائر بشرية في صفوف المدنيين في تاريخ العراق الحديث، وتاريخ الجيش الامريكي بقيادة بوش، وتسبب الاحتلال في تمزق النسيج الاجتماعي العراق، وظهور البطالة والفساد، وتدمير البنى التحتية، واتلاف المحاصيل الزراعية، وتردي الوضع المعاشي، حتى أصبح العراق من اسوء دول العالم من حيث المعيشة والحرية.


وهذا كله يظهر مدى خطورة الجرائم والممارسات اللاانسانية التي ارتكبها هؤلاء والتي ما زالت ظاهرة للعيان الى يومنا هذا، مما يستدعي تظافر الجهود من ابناء العراق لطرد المحتل ووجوهه واعادة بناء العراق ومجتمعه وفق المعايير الدولية والمجتمعية التي تميز العراق واهله بحضارته وثقافته وعلمه.


ـ مقال خاص بموقع (   الهيئة نت    ).


أضف تعليق