هيئة علماء المسلمين في العراق

الاستغفار: ثماره العقدية وآثاره النفسية والاجتماعية
الاستغفار: ثماره العقدية وآثاره النفسية والاجتماعية الاستغفار: ثماره العقدية وآثاره النفسية والاجتماعية

الاستغفار: ثماره العقدية وآثاره النفسية والاجتماعية

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطَّول. والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فلِلاستغفار ثِمارٌ يانعةٌ وآثارٌ نافعةٌ وبركاتٌ ظاهرةٌ، يعلمها من وفَّقَه الله إلى الإكثارِ من الاستغفارِ فأقبلَ على العزيز الغفَّار؛ معترفاً بالمعاصي والأوزار، ذليلَ القلب مُتبرِّئاً من كل ذنب، يلهج بالتوبة: يا رب يا رب! وما أحسنَ ما رواه القرطبي عن الحسن بن الفضل في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجل: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران 135). أنه قال: " وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ " أنَّ لهم رباًّ يغفر الذنب"![1] قال القرطبي رحمه الله: "وهذا أخذَه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه عزَّ وجل قال: (أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب أغفر لي ذنبي فذكر مثله مرتين وفي آخره اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك) أخرجه مسلم... ودلت الآيةُ والحديثُ على عظيمِ فائدةِ الاعترافِ بالذنب والاستغفارِ منه قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِه ثم تاب إلى الله؛ تاب الله عليه) أخرجاه في الصحيحين، وقال:

يستوجب العفو الفتى إذا اعترفْ ** بما جنى من الذنوب واقترفْ

وقال آخر:

أقْرِرْ بذنبِك ثم اطلبْ تجاوُزَه ** إنَّ الْجُحُودَ جُحودَ الذنبِ ذنبان!
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهبَ الله بكم وجاء بقوم يُذنِبُون ويستغفرون؛ فيغفر لهم)؛ وهذه فائدة اسم الله تعالى (الغفار) و(التواب)".[2]

فطُوبَى للمُستغفِرين الذين أثنى عليهم ربُّهم بأنهم : ( كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الذاريات 17-18)0 ومَدَحَهم بأنهم : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (السجدة 16-17)0
شدةُ عِنايةِ السلفِ بالاستغفارِ:

وقد عظمت عِنايةُ السلفِ بالاستغفارِ مع كَوْنِهم من الأبرار؛ لأنهم أكثرُ الناسِ عِلماً بربِّهم وأعلمُ بذُنوبِهم وعُيوبِهم، وأعظمُ محاسبةً لأنفسهم؛ فهم من الممدوحين المحمودين، كما قال الله عزَّ وجل في صفات المتقين: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (آل عمران 135-136).
قال القرطبي رحمه الله: فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ أي: طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم، وكلُّ دعاءٍ فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفارٌ. وقد تقدم في صدر هذه السورة[3] سيد الأستغفار وأن وقته الأسحار؛ فالاستغفارُ عظيمٌ وثوابُه جَسِيم؛ حتى لقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَن قال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ غفر له وإن كان قد فرَّ من الزحف)، وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ما رأيتُ أكثرَ استغفاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم! وقال مكحول: ما رأيتُ أكثرَ استغفاراً من أبي هريرة، وكان مكحولُ كثير الاستغفار".[4]
وللاستغفارِ: آثارٌ عَقديةٌ، وثِمارٌ نفسيةٌ واجتماعيةٌ.

(1) الثمار العقدية للاستغفار

فللاستغفارِ آثارٌ عقديَّةٌ وثمارٌ إيمانيةٌ جليلةٌ: منها: إنابة العبدِ إلى ربِّهِ، واعترافه بذنبه وإقراره بـ(أن له ربّاً يغفر الذنوب)، وتربية الخشوع والخضوع في نفس المسلم، وتلذُّذِه بالتذلُّل بين يدي ربِّه كما قال نبي الله صالح عليه السلام : ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ) (هود 61).

قال السعدي رحمه الله: "أي: فَاسْتَغْفِرُوهُ مِمَّن دعاه دُعاءَ مسألة أو دُعاءَ عِبادةٍ يجيبه بإعطائه سُؤالَه وقبولِ عِبادتِه وإثابتِه عليها أجلَّ الثواب. واعلَمْ أنَّ قُربَه تعالى نوعان: عامٌّ وخاصٌّ، فالقُربُ العام: قُربُه بِعِلمِه من جميعِ الخلق، وهو المذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (ق 16)0 والقربُ الخاصُّ: قُربُه من عابدِيه وسائليه ومُحِبِّيه، وهو المذكورُ في قوله تعالى: ( كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) (العلق 19)0وفي هذه الآية وفي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (البقرة 186). وهذا النوع قرب يقتضي إلطافه تعالى وإجابته لدعواتهم وتحقيقه لمراداتهم؛ ولهذا يقرن باسمه القريب اسمه المجيب".[5]

وأعظم ما يُصاب به العبدُ حين يقترفُ الذنبَ ولا يستغفر الله عزَّ وجل نقصانُ إيمانه، فقد أجمعَ أهلُ السنةِ على أنَّ الإيمانَ يزيدُ بالطاعاتِ وينقُصُ بالمعاصي. حتى ترجمَ البخاري رحمه الله في كتاب (الإيمان) ترجمتَه الوافية: "هو قولٌ وفعلٌ ويزيد وينقص، قال الله تعالى: (لِيَزْدادُوا إيماناً مع إيمانِهم)،[6] (وزِدْناهم هُدًى)،[7] (ويَزيدُ اللهُ الذين اهْتَدَوْا هُدًى)،[8] (والذين اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهم)،[9] (ويزدادَ الذين آمَنُوا إيمانا)،[10] وقوله: (أيُّكم زادَتْهُ هذه إيماناً فأما الذين آمَنُوا فزادَتْهم إيمانا)،[11] وقوله جلَّ ذِكْرُه: (فاخْشَوْهُمْ فزادَهم إيمانا)،[12] وقوله تعالى (وما زادَهم إلا إيماناً وتسليماً)[13]".[14]

فالاستغفار يتضمن شهادةَ العبدِ برحمةِ ربِّهِ وتوبته على عباده؛ واستحضارِه قربَه وإجابتَه من دعاه،ورحمتَه ومحبَّتَه عِبادَه، كما قالَ نبيُّ الله شعيبٌ عليه السلام: (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) (هود 90)0

ولعلَّ المتأمِّلَ في حديثِ سيِّدِ الاستغفار يُدرك هذه الصلة الوثيقة بين ما بين الأدعية والأذكار وبين الأصول العقديَّة والمعاني الإيمانيَّة؛ وهذا سِرُّ الوعدِ بالجنّة لكلماتٍ يقولُها العبدُ يسيرةٍ في حروفِها ومبانيها كبيرةٍ في رُوحها ومعانيها، فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب (الدعوات) باب (أفضل الاستغفار) حديث شدّاد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيِّدُ الاستغفار أن تقول: اللهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعتُ؛ أعوذ بك من شرّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتِك عليَّ، وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يُمسي؛ فهو من أهل الجنّة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها فمات قبل أن يُصبح؛ فهو من أهل الجنة).[15]

فالاستغفارُ يشتملُ على إظهارِ الرجاءِ في الله عز وجلَّ وحُسنِ الظنّ به جل جلاله؛ وهذه المعاني ظاهرةٌ في أذكار الاستغفار، كما روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابنَ آدم إنك ما دعوتني ورجوتني؛ غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابنَ آدم لو بلغتْ ذنوبُك عنانَ السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابنَ آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرةً).
وقد أحسن التعبيرَ عن هذا المعنى يحيى بن معاذ رحمه الله حين قال: "يكاد لك رجائي مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال! لأنّي أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أصفّيها وأحزرها وأنا بالآفات معروف؟! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوِك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟!".[16]
وأما حديث أبي هريرة الذي ختمَ البخاريُّ به صحيحَه الجامع، وهو آخرُ حديثٍ في كتاب (التوحيد)، فهو ناطقٌ بهذا المعنى حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(كلمتان خفيفتان على اللِّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللهِ وبحمده، سبحان الله العظيم). وقد ذكرَ الحافظ ابن حجر أنّ من فوائد الحديث "الحث على إدامة هذا الذِّكر، وقد تقدَّمَ في فضلِ التسبيح من وجهٍ آخر عن أبي هريرة حديثٌ آخر لفظه: (من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّةٍ؛ حُطَّتْ عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، وإذا ثبت هذا في قول (سبحان الله وبحمده) وحدها؛ فإذا انضمَّت إليها الكلمة الأخرى فالذي يظهر أنها تفيد تحصيل الثواب الجزيل المناسب لها، كما أنّ من قال الكلمة الأولى وليست له خطايا مثلاً فإنه يحصل له من الثواب ما يوازن ذلك".[17]

ورَحِم الله الإمامَ البخاريَّ؛ فقد ترجمَ في كتاب (الدعوات) ترجمةً نفيسةً وافيةً بهذا الغرض: [(باب أفضل الاستغفار، وقوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ) (نوح 10-12)، (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران 135)].

قال ابن القيِّم رحمه الله: "إذا أراد الله بعبدِه خيراً فتحَ له من أبوابِ التوبة والندمِ والانكسارِ والذُّلِّ والافتقار والاستعانة وبه وصدقِ اللجوء إليه، ودوامِ التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات؛ ما تكون تلك السيئة به سبب رحمتِهِ؛ حتى يقول عدوُّ الله: ليتني تركتُهُ ولم أُوقِعْهُ! وهذا معنى قولِ بعضِ السلفِ: إنَّ العبدَ ليعمل الذنبَ يدخل به الجنّة! ويعمل الحسنة يدخل بها النار! قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب؛ فلا يزال نصبَ عينيهِ خائفاً منه مُشفِقاً وَجِلاً باكياً نادماً مُستَحِياً من ربِّهِ تعالى ناكسَ الرأسِ بين يديه منكسِرَ القلب له؛ فيكون ذلك الذنبُ أنفعَ له من طاعاتٍ كثيرةٍ بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادةُ العبد وفلاحُهُ؛ حتى يكون ذلك الذنبُ سببَ دخولِهِ الجنة! ويفعل الحسنةَ؛ فلا يزالُ يمُنُّ بها على ربِّهِ ويتكبَّرُ بها، ويرى نفسَهُ ويُعجَبُ بها ويستطيل بها، ويقول: فعلتُ وفعلتُ؛ فيُورِثُهُ من العُجْبِ والكِبْرِ والفخر والاستطالة؛ ما يكون سببَ هلاكِهِ؛ فإذا أراد اللهُ تعالى بهذا المسكين خيراً ابتلاه بأمرٍ يكسرُهُ بهِ ويُذِلُّ به عُنُقَهُ ويُصغِّرُ به نفسَه عنده! وإذا أراد به غيرَ ذلك؛ خلاه وعُجبَهُ وكِبْرَهُ؛ وهذا هو الخذلانُ المُوجِبُ لهلاكِهِ"![18]
الاستغفار توحيد وتمجيد:

لَما كان الدعاءُ قائماً على توحيدِ الله عزَّ وجلَّ وإظهارِ الذُّل والافتقارِ إلى الله؛ فقد نادى أيوب عليه السلام: (أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)[19] و"جمع في هذا الدعاءِ بين حقيقةِ التوحيدِ وإظهارِ الفَقرِ والفاقةِ إلى ربِّه ووُجودِ طعمِ المحبةِ في التملُّقِ له، والإقرارِ له بصفةِ الرحمةِ وأنه أرحَمُ الراحمين، والتوسُّلِ إليه بصفاتِه سبحانه وشدةِ حاجتِه هو وفَقرِه. ومتى وجد المبتلى هذا كُشِفَت عنه بلواه، وقد جرب أنه من قالها سبعَ مرات ولاسيما مع هذه المعرفة كشفَ الله ضُرَّه".[20]

ولله دَرُّ ابنِ القيم رحمه الله؛ حيث قال: "التوحِيدُ مَفزَعُ أعدائه وأوليائه، فأما أعداؤه فيُنجِيهم من كُرَبِ الدنيا وشدائدها، (فإذا ركبوا في الفُلك دعوا الله مُخلِصِين له الدِّين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون). وأما أولياؤه فينجيهم من كُربات الدنيا والآخرة وشدائدها؛ ولذلك فزعَ إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات، وفزع إليه أتباعُ الرُّسلِ فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعدَّ لهم في الآخرة. ولما فزعَ إليه فرعون عند مُعاينة الهلاك وإدراك الغرق لم ينفعه؛ لأنَّ الإيمان عند المعايَنة لا يقبل، هذه سُنةُ الله في عِباده؛ فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاءُ الكربِ بالتوحيد، ودعوةُ ذي النون التي ما دعا بها مَكرُوبٌ إلا فرَّجَ الله كربَه بالتوحيد؛ فلا يُلقي في الكَرْبِ العِظام إلا الشِّرك، ولا يُنْجِي منها إلا التوحيد؛ فهو مَفزَعُ الْخَلِيقة ومَلجؤها وحِصْنُها وغِياثها".[21]

إنَّ دُعاءَ الله تعالى أعظمُ تَعْبِيرٍ عن الاستِعانةِ بالله عزَّ وجَلَّ ورَجائه والخوفِ منه؛ فهو (سميعُ الدعاء)[22] يُجِيب دَعوةَ الداعي إذا دَعاه (تَضَرُّعاً وخُفْيةً)[23] و(خَوفاً وطَمَعاً).[24] وقد عبَّرَ الطيِّبي عن هذا المعنى أحْسَنَ تَعْبيِرٍ عند قولِ الله تعالى: (ادْعُوني اسْتَجِبْ لكم) فقال رحمه اللهُ: "الدُّعاءُ هو إظهارُ غايةِ التذلُّلِ والافتقارِ إلى الله والاستكانةِ إليه؛ وما شُرِعتْ العباداتُ إلا للخُضوعِ للباري وإظهارِ الافتقارِ إليه؛ ولهذا خَتَمَ الآيةَ بقوله تعالى: (إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي) حيث عبَّرَ عن عَدَمِ الخضوعِ والتذلُّلِ بالاستكبارِ, ووَضَعَ (عِبادتي) موضع (دُعائي), وجَعلَ جَزاءَ ذلك الاستِكبارَ والصَّغارَ والهَوان".[25]

الاستغفار استحضارٌ لمعاني العبودية:

ولا ريبَ أنَّ المؤمنَ الذاكرَ المستغفرَ دائمُ الاستحضارِ لِمَعاني العُبوديةِ لله عَزَّ وجلَّ؛ فهو يَستَغفِرُ اللهَ ويُنيب إليه، ويتوبُ مِن ذُنوبِه؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والله إنِّي لأسْتغفِرُ اللهَ وأتُوبُ إليه في اليومِ أكثرَ مِن سَبعين مرّةً)![26]

ورَحِم الله الرازي حيث قال في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجل: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الذاريات 17-18): "اعلَمْ أنَّ الاستغفارَ بالسَّحَر له مزيدُ أثَرٍ في قوةِ الإيمان وفي كمالِ العُبودية من وُجُوهٍ: الأول: أن في وقتِ السَّحر يطلع نورُ الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل؛ وبسبب طلوع نورِ الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء؛ فهناك وقتُ الجود العام والفيضِ التام؛ فلا يبعد أن يكونَ عند طلوعِ صبحِ العالم الكبير يطلع صبحُ العالَمِ الصغير: وهو ظهورُ نورِ جلالِ الله تعالى في القلب. والثاني: أنَّ وقتَ السَّحَر أطيبُ أوقاتِ النوم؛ فإذا أعرضَ العبدُ عن تلك اللذةِ وأقبلَ على العُبودية؛ كانت الطاعة أكمل".[27] وقال البغوي رحمه الله: "حُكِيَ عن الحسن أنَّ لقمان قال لابنه: يا بُنَيَّ لا تكنْ أعجَزَ من هذا الدِّيك: يُصَوِّت بالأسحارِ وأنتَ نائمٌ على فراشِك"![28]

وروى البخاري رحمه الله عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: (ربِّ اغفرْ لي خطيئتي وجَهلي وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفرْ لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي؛ وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَرْتُ وما أعلَنْتُ، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر؛ وأنت على كل شيء قدير).[29] وفي روايةٍ: (اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطاياي وعَمْدي).[30]

وقد روى البخاري رحمه الله عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: (عَلِّمْني دُعاءً أدْعُو به في صلاتي. قال: قُلِ اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنت؛ فاغفِرْ لي مَغفرةً مِن عندِك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).[31] وقد روت عائشة[32] (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الدعواتِ: اللهم فإني أعوذُ بك مِن فتنةِ النارِ وعذابِ النار وفتنةِ القبر وعذابِ القبرِ ومِن شرِّ فِتنةِ الغِنَى ومِن شرِّ فِتنةِ الفقرِ، وأعوذُ بك مِن شرِّ فِتنةِ المسيح الدجال؛ اللهم اغْسِلْ خَطاياي بماءِ الثلجِ والبَرَد، ونَقِّ قلبي مِن الخطايا كما نَقَّيتَ الثوبَ الأبيضَ مِن الدَّنَس، وباعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعَدْتَ بين المشرقِ والمغربِ، اللهم فإني أعوذ بك مِن الكسلِ والْهَرَمِ والمأثَمِ والمغْرمِ).[33]

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "استُشكِلَ دعاؤه صلى الله عليه وسلم بما ذُكِرَ مع أنه مَعصومٌ مَغفورٌ له ما تقدَّم وما تأخَّرَ؟ وأُجِيبَ بأجوبةٍ، أحدها: أنه قصدَ التعليمَ لأمته، ثانيها: أنَّ المرادَ السؤالُ منه لأُمَّتِه؛ فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي، ثالثها: سُلوكُ طريقِ التواضُعِ وإظهارُ العُبوديةِ وإلزامُ خَوفِ اللهِ وإعظامِه والافتقارِ إليه وامتثالِ أمْرِه في الرغبةِ إليه، ولا يمتنع تكرارُ الطلبِ مع تحققِ الإجابة؛ لأن ذلك يُحَصِّلُ الحسناتِ ويرفع الدرجات. وفِيهِ تَحْرِيضٌ لأمَّتِه على مُلازَمةِ ذلك؛ لأنه إذا كان مَع تحقُّقِ المغفرةِ لا يترك التضرع؛ فمَنْ لم يَتَحَقَّقْ ذلك أحْرَى بالملازَمة".[34]

الاستغفار دليلُ معرفةِ الله عزَّ وجلَّ وخَشْيَتِه:

وقد عبَّر عن ذلك ابنُ مسعود رضي الله عنه خيرَ تعبِيرٍ فيما رواه البخاري في (كتاب الإيمان) من قولِ ابنِ مسعودٍ: (إنَّ المؤمنَ يرى ذُنوبَه كأنه قاعِدٌ تحت جَبلٍ يخافُ أن يقعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يرى ذُنوبَه كذُبابٍ مَرَّ على أنْفِه فقال به هكذا).[35] قال ابنُ أبي جَمْرة رحمه الله: "السببُ في ذلك أنَّ قلبَ المؤمنِ مُنَوَّرٌ؛ فإذا رأى مِن نَفْسِه ما يخالِفُ ما يُنوَّر به قلبُه عَظُمَ الأمرُ عليه! والحكمةُ في التمثيلِ بالجبلِ أنَّ غَيرَه مِن المهلِكات قد يحصلُ التسبُّبُ إلى النجاةِ منه عادةً، بخلافِ الجبل إذا سقط على الشخصِ لا ينجو منه عادةً. وحاصلُه أنَّ المؤمنَ يغلبُ عليه الخوف؛ لقوَّة ما عندَه من الإيمان؛ فلا يأمنُ العُقوبةَ بسببِها. وهذا شأنُ المسلم أنه دائم الخوفِ والمراقبةِ يستصغرُ عملَه الصالح، ويخشى مِن صَغيرِ عَمَلِه السيِّء".[36] وقال المحب الطبري رحمه الله: "إنما كانت هذه صِفةُ المؤمنِ؛ لِشدةِ خَوفِه مِن اللهِ ومِن عُقوبَتِه؛ لأنه على يقينٍ من الذنب, وليس على يَقينٍ من المغفرة, والفاجِرُ قليلُ المعرفةِ بالله؛ فَلِذلك قَلَّ خَوفُه واستهانَ بالمعصِية"[37]

ورَحِم الله القرطبي حيث قال في تفسير قول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران 135) "قوله تعالى :((وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ) أي: ليس أحدٌ يغفر المعصية ولا يزيل عُقُوبتَها إلا الله (وَلَمْ يُصِرُّواْ) أي: ولم يثبتوا ويعزموا (وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) وقال مجاهد أي ولم يمضوا... الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه، ومنه صَرُّ الدنانير: أي الربط عليها... قال سهل بن عبد الله: الإصرار هو التسويف، والتسويف: أن يقول: أتوب غدا، وهذا دعوى النفس كيف يتوب غدا وغدا لا يملكه سهل؟!... قال علماؤنا: الباعث على التوبة وحل الإصرار إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطيعين وما وصفه من عذاب النار وتهدد به العاصين ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه فدعا الله رَغباً ورَهباً، والرغبة والرهبة ثمرةُ الخوفِ والرجاء، يخاف من العقاب ويرجو الثواب والله الموفق للصواب. وقد قيل: إنَّ الباعثَ على ذلك تنبيهٌ إلَهيٌّ يُنبِّه به من أراد سعادتَه لِقُبحِ الذنوبِ وضَرَرِها؛ إذ هي سُمومٌ مُهلِكَةٌ. قلت: وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى فإنَّ الإنسانَ لا يتفكرُ في وَعدِ الله ووَعِيدِه إلا بتنبيهِه؛ فإذا نظر العبدُ بتوفيقِ الله تعالى إلى نفسِه؛ فوجدها مشحونةً بذنوبٍ اكتسبَها وسيئاتٍ اقترفَها وانبعثَ منه الندمُ على ما فرطَ وترك مثل ما سبق مخافةَ عُقوبةِ الله تعالى صدقَ عليه أنه تائبٌ؛ فإن لم يكن كذلك كان مُصِراًّ على المعصية ومُلازِماً لأسبابِ الْهَلَكة، قال سهل بن عبد الله: علامة التائب أن يشغله الذنبُ عن الطعام والشراب كالثلاثة الذين خُلِّفوا".[38]

المبحث الثاني: الثمار النفسية للاستغفار:

من آثارِ الاستِغفارِ النجاةُ من الفِتَن والمكدِّرات:

فالاستِغفارُ أمانٌ يحفظ الإنسان، كما قال الله عزَّ وجل: ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الأنفال 33)0ورَحِمَ الله ابنَ القيم حيث قال في تفسِيرِ الْمُعوِّذَتَيْن: "الشرُّ الذي يُصِيبُ العبدُ لا يخلُو من قسمَين: إما ذُنوبٌ وَقَعَتْ منه؛ يُعاقَبُ عليها؛ فيكون وُقوعُ ذلك بِفِعْلِه وقَصدِه وسَعيِه؛ ويكونُ هذا الشرُّ هو الذنوبَ ومُوجباتِها وهو أعظمُ الشَّرَّين وأدْوَمُهما وأشَدُّهما اتصالا بصاحبِه؛ وإما شرٌّ واقِعٌ به مِن غَيرِه... فتَضَمَّنَتْ هاتان السورتان الاستِعاذةَ مِن هذه الشرورِ كلِّها بأوجَزِ لفظٍ وأجْمَعِه وأدَلِّه على المرادِ وأعَمِّه استعاذةً؛ بحيث لم يَبقَ شَرٌّ مِن الشرورِ إلا دَخَلَ تحت الشرِّ المستعاذِ منه فيهما؛ فإنَّ سُورة (الفلق) تضمَّنَت الاستِعاذةَ مِن أمُورٍ أربعةٍ: أحدها: شر المخلوقات التي لها شَرٌّ عُموما، الثاني: شَرُّ الغاسِق إذا وَقَب، الثالث: شَرُّ النَّفَّاثاتِ في العُقَدِ، الرابع: شَرُّ الحاسِدِ إذا حَسَد".[39]
الاستغفار استقرار نفسي:

لا ريبَ أنَّ من أعرَضَ عن رَحمةِ ربِّه وأقبلَ على مَنْ ضَرُّه أقْربُ مِن نَفعِه؛ فقد ظلمَ نفسَه وحرمَها لذةَ الإقبالِ على اللهِ واستغفارَه والتوبةَ والإنابةَ إليه والاستِسلامِ بين يدَيه؛ "ففي القلبِ شَعَثٌ لا يلُمّه إلا الإقبالُ على الله، وفيه وِِحْشةٌ لا يُزيلها إلا الأُنسُ به في خلوته، وفيه حُزنٌ لا يُذهِبه إلا السرورُ بمعرفته وصدقُ مُعاملتِه، وفيه قَلقٌ لا يُسكِّنه إلا الاجتماعُ عليه والفِرارُ منه إليه، وفيه نيرانُ حَسراتٍ لا يُطفئها إلا الرِّضا بأمرِه ونَهيِه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلبٌ شديدٌ لا يقف دون أن يكون هو وحدَه مَطلُوبَه، وفيه فاقةٌ لا يسدّها إلا محبّته والإنابة إليه ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له؛ ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تُسدَّ تلك الفاقةُ منه أبدا"! [مدارج السالكين لابن القيِّم 3/164].
الاستغفار سعادة ورضوان:

فمَن هُدِيَ إلى الاستغفارِ؛ فقد فُتِحَ له بابُ رضوانِ العزيزِ الغفار، ويا فوزَ المستغفِرين الموفَّقِين الأخيارِ الذين يُحاسِبُون أنفُسَهم ويعترفون بذنوبِهم؛ ذلك أنَّ "مُطالعةَ عَيبِِ النفسِِ والعملِ تُوجِِب له الذلََّ والانكسارَ والافتقارَ والتوبةَ في كلِّ وَقتٍ؛ وأن لا يرى نفسَه إلا مُفلِساً، وأقربُ بابٍ دخلَ منه العبدُ على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسِهِ حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلَّق به ولا وَسِيلةً منه يَمُنُّ بها! بل يدخلُ على اللهِ تعالى مِن بابِ الافتقارِ الصِّرفِ والإفلاسِ المحضِ دُخُولَ مَن قد كَسَرَ الفَقرُ والمسكنةُ قلبَه؛ حتى وَصَلتْ تلك الكَسْرةُ إلى سُوَيْدائه؛ فانْصَدعَ وشَمَلَتْهُ الكسرةُ مِن كلِّ كلِّ جهاتِهِ، وشَهِدَ ضَرورتَه إلى ربِّهِ عزَّ وجلَّ، وكمالَ فاقتِهِ وفَقرِهِ إليه، وأنَّ في كلِّ ذَرَّةٍ من ذرّاتِهِ الظاهرة والباطنة فاقةً تامّةً، وضرورةً كاملةً إلى ربِّهِ تبارك وتعالى، وأنه إنْ تَخلَّى عنه طرفةَ عينٍ هَلَكَ وخَسِرَ خَسارةً لا تُجبَرُ؛ إلا أنْ يعودَ الله تعالى عليه ويَتَدارَكَه بِرَحمتِهِ؛ ولا طريقَ إلى الله تعالى أقْربَ مِن العُبوديّة، ولا حِجابَ أغْلظَ مِن الدعوى!"[40]

بيان القرآن أن الذنوب سبب الهزائم والمصائب:

ففي وَضْع الحرب وفي خِضَمِّ المعركة لم يَعْزُ القرآنُ مُصابَ المسلِمين في غزوة (أُحُد) إلى الخططِ العسكرية ولا إلى قلةِ العَدَدِ وضَعفِ العُدَد! بل إلى الأسباب النفسية؛ فقد جاءت الإجابة على استفهام الصحابة عن سَبب مُصابِهم في أحُد: (أنَّى هذا)؟ بقول الله عزَّ وجلَّ: (أولَمَّا أصابَتْكم مُصِيبةٌ قد أصَبْتُم مِثْلَيها قُلْتم أنَّى هذا قُلْ هو مِن عندِ أنفُسِكم)![41]

فتلك هي الإجابة الوافية الشافية؛ فالسببُ ليس عسكريا محضاً؛ بل هو سببٌ نفسِيٌّ في الأساس. قال الطبري رحمه الله: "(قُلْتُم أنَّى هذا)؟ يعني قلتم لما أصابتكم مصيبتكم بأحد: أنَّى هذا من أيِّ وجهٍ هذا؟ ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا ونحن مسلمون وهم مشركون؟ وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي من السماء وعدونا أهل كفر بالله وشرك؟! قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك: (هو من عند أنفسكم) يقول: قل لهم أصابكم هذا الذي أصابكم (من عند أنفسكم) بخلافكم أمري وتَرْكِكم طاعتي لا من عند غيرِكم ولا من قِبَلِ أحدٍ سِواكم".[42]

فالذنبُ هو الذي يُردي الإنسانَ.. ويجلب عليه المصائب والمتاعب.. ويُعجِّل بسخطِ الله وعقوبته، والعياذ بالله، فقد قال الله عزَّ وجل: (فكلا أخَذْنا بِذَنبِه فمِنهم مَن أرْسَلْنا عليه حاصِباً ومنهم مَن أخذَتْه الصيحة ومنهم مَن خَسَفْنا به الأرضَ ومنهم من أغرَقْنا وما كان الله ليَظلِمَهم ولكن كانوا أنفُسَهم يظلمون).[43]

والذنبُ يُلقِي صاحبَه في الفِتن، وقد حكى القرآنُ حال الثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم الذين (ضاقت عليهم الأرضُ بما رَحُبَتْ وضاقت عليهم أنفُسُهم وظنُّّوا أن لا ملجأَ من اللهِ إلا إليه)،[44] قال ابن حجر رحمه الله: "فيها عِظَمُ أمرِ المعصيةِ، وقد نَبَّهَ الحسنُ البصري على ذلك فيما أخرجَه ابنُ أبي حاتم عنه قال: يا سُبْحانَ الله! ما أكَلَ هؤلاء الثلاثةُ مالاً حَراماً ولا سَفَكُوا دماً حَراماً ولا أفْسَدُوا في الأرضِ؛ أصابَهم ما سَمِعْتُمْ وضاقَتْ عَلَيْهم الأرضُ بِما رَحُبَتْ؛ فكيفَ بِمَنْ يُواقِعُ الفَواحِشَ والكبائرِ؟!".[45]

العمر ينقص والذنوب تزيد ** وتقال عثرات الفتى فيعودُ!
هل يستطيع جحود ذنبٍ واحدٍ** رجل جوارحه عليه شهودُ!
والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي ** تقليلها وعن الممات يحيدُ![46]
فالذنب يُشقي صاحبه ويحولُ بينَه وبين الأهدافِ العظيمة، ويرغمه على القعود ويُبعِدُه عن منازلِ العرفان ومراقي السعود، كما قال الله عز وجل: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)؛ فليس أضر على العبد من الذنب؛ فإنه يخدش قلبه، ويُمرض جسدَه، ويقلق رُوحَه... ويضيق عليه أمره، وينغص عليه حياته.. فكما أن الطاعة راحة وسعادةٌ وطمأنينة.. فكذلك الذنب قلقٌ وضيقٌ وشقاء.

ومن توفيق الله لعبدِه أن يدلَّه على ذنبِه، ويُطلِعَه على عيبِه؛ لعله يتوبُ ويفيء إلى ربِّه. ورَحِمَ الله ابنَ القيِّم حيث قال: "إنَّ العارِفِين كلَّهم مُجْمِعُون على أنَّ التوفيقَ: أن لا يَكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نَفسِك، والخذلان: أن يَكِلَك الله تعالى إلى نفسِك؛ فمن أراد اللهُ به خيراً فتحَ له بابَ الذُلِّ والانكسارِ ودوامِ اللُّجوءِ إلى الله تعالى والافتقارِ إليه، ورؤيةِ عُيوبِ نَفسِهِ وجَهْلِها وعُدْوانِها، ومُشاهَدةِ فَضلِ ربِّهِ وإحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ وجُودِهِ وبرِّهِ وغِناه وحَمْدِه. فالعارفُ سائرٌ إلى الله تعالى بين هذين الجناحَيْن؛ لا يُمكنه أن يسيرَ إلا بهما؛ فمتى فاتَه واحدٌ منهما فهو كالطيرِ الذي فقَدَ أحدَ جناحَيْه".[47]

ورَحِمَ الله السعدي ما أحْسَنَ قولَه في تفسيرِ قوله تعالى: (يومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَتْ مِن خيرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لو أنَّ بَيْنَها وبَيْنَه أمَداً بَعِيداً)[48]: "أي مَسافةً بعيدةً؛ لِعِظَمِ أسَفِها وشِدَّةِ حُزْنِها؛ فلْيَحْذَر العبدُ مِن أعْمالِ السُّوء التي لا بُدَّ أن يحزن عليها أشدَّ الحزن، ولْيتركْها وقتَ الإمكانِ قبلَ أنْ يقولَ: (يا حَسْرتَى على ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله)، (يومَئذ يَوَدُّ الذين كفروا وعَصَوا الرسولَ لَوْ تُسوَّى بهم الأرض)، (ويوم يَعَضُّ الظالِمُ على يَدَيْهِ يقولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَع الرسولِ سبيلاً يا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لم أتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً)، (حتى إذا جاءنا قال يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَك بُعْدَ المشرِقَيْن فبِئسَ القَرِين)؛ فواللهِ لَتَرْكُ كلِّ شَهوةٍ ولذَّةٍ وإنْ عَسُرَ تَرْكُها أيسرُ مِن مُعاناةِ تلك الشدائدِِ واحتمالِ تلك الفضائح؛ ولكنَّ العَبدَ مِن ظُلْمِه وجَهْلِه لا يَنظُرُ إلا الأمرَ الحاضِر؛ فليس له عَقلٌ كامِلٌ يَلْحَظ به عَواقِبَ الأمُور؛ فيُقْدِمُ على ما يَنْفَعُه عاجِلاً وآجِلاً، ويُحْجِمُ عَمَّا يَضُرُّه عاجِلاً وآجِلاً!"[49]

قال ابن القيم رحمه الله: "الشرور هي الآلام، وأسبابها فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم هي شُرورٌ وإنْ كان لصاحبِها فيها نوعُ غَرضٍ ولذةٍ؛ لكنها شُرورٌ لأنها أسبابُ الآلامِ ومُفْضِيةٌ إليها... والمقصودُ أنَّ هذه الأسباب التي فيها لذةٌ ما: هي شرٌّ وإنْ نالتْ بها النفسُ مَسرَّةً عاجِلةً، وهي بمنزلةِ طعامٍ لذيذٍ شهيٍّ لكنه مَسمومٌ إذا تناولَه الآكِلُ لذَّ لآكلِه وطاب له مَساغُه؛ وبعد قليل يفعل به ما يفعل؛ فهكذا المعاصي والذنوبُ ولا بد؛ حتى لو لم يخبر الشارع بذلك لكان الواقع والتجربة الخاصة والعامة من أكبر شهوده. وهل زالَتْ عن أحَدٍ قط نِعمةٌ إلا بِشُؤمِ مَعْصيَتِه؛ فإنَّ الله إذا أنْعَمَ على عَبدٍ بنعمةٍ حَفِظَها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرِها عن نفسِه (إنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسِهم وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مَرَدَّ له وما لهم مِن دُونِه مِن وال).[50] ومَن تأمَّل ما قصَّ الله تعالى في كتابِه مِن أحوالِ الأُمَمِ الذين أزال نِعَمَه عنهم؛ وَجَدَ سببَ ذلك جميعَه إنما هو مُخالفةُ أمرِه وعصيانُ رسلِه. وكذلك مَنْ نظرَ في أحوالِ أهلِ عصرِه وما أزال الله عنهم مِن نِعَمِه؛ وَجَدَ ذلك كلَّه مِن سُوءِ عواقبِ الذنوب، كما قيل:

إذا كنتَ في نِعمةٍ فارْعَها ** فإنَّ المعاصي تزيلُ النِّعَمْ!
فما حُفِظَتْ نعمةُ الله بشيءٍ قط مثل طاعتِه، ولا حَصَلَتْ فيها الزيادةُ بمثلِ شُكرِه، ولا زالتْ عن العبدِ بمثل مَعصيتِه لربِّه؛ فإنها نارُ النِّعَمِ التي تعمل فيها كما تعملُ النارُ في الحطبِ اليابِس".[51]

وما أحسنَ ما قال الشاعر:
تتوب من الذنوب إذا مرضتا * وترجع للذنوب إذا برئتا!
إذا ما الضرُّ مسَّك أنت باكٍ ** وأخبث ما تكون إذا قويتا!
فكم من كُربةٍ نجاك منها ** وكم كشف البلاء إذا بليتا!
أما تخشى بأن تأتي المنايا ** وأنت على الخطايا قد دُهيتا!

ثالثا: الآثارالاجتماعية لللاستغفار:

ولو استحضرنا شروطَ التوبة التي اتفق أهلُ العلم على عَدمِ قبولِ التوبة إلا بتوفُّرِها؛ لألْفَينا الآثارَ الاجتماعية ظاهرةً فيها.

فقد قال النووي رحمه الله: "قال العلماء: التوبةُ واجبةٌ من كلِّ ذنب: فإن كانت المعصية بين العبدِ وبين الله تعالى لا تتعلقُ بحقِّ آدميٍّ فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. فإن فُقِد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدميٍّ فشروطُها أربعة: هذه الثلاثة وأن يبرأ من حق صاحبها: فإن كانت مالا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كان حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوَه، وإن كان غيبة استحله منها".[52]

فالإقلاعُ عن المعصية في الحاضر، والندمُ على فِعلِها في الماضي، والعَزمُ على عَدمِ العودةِ إليها في المستقبَل تُمثِّلُ ثِمارا إيمانيةً ونفسيةً للتوبة النصوح والاستغفار الصادق، وأما ردُّ الحقوقِ والمظالِمِ فتمثلُ الآثارَ الاجتماعية للتوبة. فليس بتائبٍ حقيقةً من لم يتُبْ عن حُقوقِ المسلمين؛ ولا تصحُّ للظالم توبةٌ وللمُتعدِّي على حقوقِ المسلمين!

ورَحِمَ الله القرطبي حيث قال: "قال علماؤنا: الاستغفارُ المطلوبُ هو الذي يحلُّ عُقَدَ الإصرارِ ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان، فأما من قال بلسانه: أستغفر الله وقلبه مصر على معصيته؛ فاستغفارُه ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرتُه لاحقةٌ بالكبائر. وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارُنا يحتاج إلى استغفار! قلتُ: هذا يقولُه في زمانه فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مُكِباًًّ على الظلم حريصاً عليه لا يُقلِعُ والسبحة في يده زاعماً أنه يستغفر الله من ذنبه! وذلك استهزاء منه واستخفاف، وفي التنزيل (ولا تتخذوا آيات الله هزوا)".[53]
قال القرطبي رحمه الله في بيانِ الذنوبِ التي يُتاب منها تمييزاً لِحقِّ لله تعالى عن حقِّ غيرِه "وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها؛ فإن لم يوجدوا تصدق عنهم".[54]

فالتائبُ المستغفرُ المنيبُ إلى ربِّه الخائفُ من ذنبِه أبعدُ الناس عن الوقوعِ في أموالِ الناس وأعراضِهم وحقوقِهم والإساءة إليهم؛ لِمُراقَبتِه نفسَه وتوقِّيه من معاصي الله والوقوع في سخطه؛ وتلك ثمرةٌ اجتماعيةٌ للاستغفار وعلامةٌ صادقةُ على التوبة النصوح المباركة.

ويكفي من بركة الاستغفار وآثاره الاجتماعية الطيِّبة أنْ نستحضرَ أنَّ الاستغفارَ سببٌ للتواضعِ لله ولِعبادِه؛ فلا يتكبرُ المذنبُ المستغفرُ ولا يحتقرُ غيرَه بل يوقِّره، ولا يتطاول عليه بل يخفض له جناحَه! فيا سعادةَ المستغفِرين المتواضِعين! ويا شقاءَ المتكبرين الغافلين الذين يفعل الواحد منهم حسنة "فلا يزالُ يَمُُنُّ بها على ربِّهِ ويتكبَّرُ بها، ويرى نفسَهُ ويُعجَبُ بها ويستطيل بها، ويقول: فعلتُ وفعلتُ؛ فيُورِثُهُ من العُجْبِ والكِبْرِ والفخر والاستطالة؛ ما يكون سببَ هلاكِهِ؛ فإذا أراد اللهُ تعالى بهذا المسكين خيراً ابتلاه بأمرٍ يكسرُهُ بهِ ويُذِلُّ به عُنُقَهُ ويُصغِّرُ به نفسَه عنده"![55]

ولك أنْ تتبيَّنَ روعةَ اجتماعِ الشمائلِ الإيمانية والنفسية والاجتماعية: صبراً وصِدقاً وقنوتاً وإنفاقاً. ولا يخفى أنَّ ربطَ القرآن بين الاستغفار والإنفاق يمثل إشارةً إلى الثمرات الاجتماعية للاستغفار، كما قال الله عزَّ وجلَّ: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ) (آل عمران 15-17)0

ومن الثمراتِ الاجتماعيةِ للاستغفارِ كظمُ الغيظِ والعفوُ عن الناسِ وإقالةُ عَثَراتِهم، كما قال الله عزَّ وجل: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران 133-135). قال الحافظ ابنُ كثير رحمه الله: "قوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ((آل عمران 134)، أي: إذا ثار بهم الغيظُ كظموه: بمعنى كتموه؛ فلم يُعْمِلوه، وعفَوْا مع ذلك عمَّنْ أساء إليهم. وقد ورد في بعضِ الآثار (يقول الله تعالى: يا ابنَ آدم اذكُرْني إذا غضبتَ؛ أذْكُرْكَ إذا غَضِبتُ؛ فلا أُهْلِكُكَ فيمن أهْلَكَ) رواه ابن أبي حاتم".[56]

وما الثمراتُ الاجتماعية في قصة الصِّدِّيق رضي الله عنه مع مِسْطح عنَّا ببعيدة! إذْ وَرَدَ تَعلِيقُ مَغفِرةِ اللهِ لِلعَبدِ على مَغفرتِه لأخيه، في قول الله عزَّ وجل: (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (النور 22)0

فقد روت عائشة رضي الله عنها في حديثِ الإفك أنه لما أنزل الله عز وجل في براءتِها: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النور 11) العشر الآيات كلها؛[57] (قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان يُنفِق على مِسْطَح بن أُثاثَة؛ لِقَرابتِه منه وفَقْرِه: والله لا أُنفِقُ على مِسْطَح شيئا أبداً؛ بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله ((وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (النور 22)،[58] قال أبو بكر: بلى والله؛ إني أُحِبُّ أنْ يَغفِرَ الله لي؛ فرجع إلى مِسطح النفقةَ التي كان يُنفِق عليه. وقال: والله لا أنْزِعُها منه أبدا)؛[59] ولذلك روى مُسلم عن عبد الله بن المبارك قال: (هذه أرْجَى آيةٍ في كتابِ الله).[60]

ومن الثمرات الاجتماعية للاستغفار: المتاع الحسن والرزق الطيب المبارك، كما قال الله عز وجل: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) (هود 3). وتلك وصية نبي الله هود عليه السلام حين قال: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ ) (هود 52)

ووصية نوح عليه السلام حين قال: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ) (نوح 10-12)0

وقد روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفارَ جعلَ الله له من كلِّ ضِيقٍ مَخرَجاً ومِن كلِّ همٍّ فَرَجاً، ورزقَه من حيث لا يحتسب). قال ابن القيم رحمه الله في الفصل الثامن عشر من (الوابل الصيِّب) في الأذكار الجالبة للرزق الدافعة للضيق والأذى: "قال الله سبحانه وتعالى عن نبيه نوح صلى الله عليه وسلم: ((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ) (نوح 10-12)0وفي بعض المسانيد عن ابن عباس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هَمٍّ فَرَجاً ومن كلِّ ضِيقٍ مَخرَجاً ورَزقَه من حيث لا يحتسب)".[61] "وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوةُ ذي النون إذْ دعا ربه وهو في بطن الحوت (لا إله سبحانك إني كنت من الظالمين) لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قط إلا استجيب له). وفي رواية (إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه: كلمة أخي يونس)".[62]

أسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يجعلَنا من المستغفِرين التائبين

المتواضِعين، كما قال القرطبي رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل: (فاستجاب لهم ربهم): "أي: أجابهم، قال الحسن: مازالوا يقولون: ربَّنا ربَّنا! حتى استجاب لهم، وقال جعفر الصادق: مَن حَزَبَه أمرٌ، فقال خمسَ مرات: ربَّنا! أنْجاه الله مما يخافُ، وأعطاه ما أراد قيل وكيف ذلك قال: اقرءوا إن شئتم (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) إلى قوله: (إنك لا تخلف الميعاد)".[63]
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

موقع المشكاة

أضف تعليق