هيئة علماء المسلمين في العراق

حرب العراق جريمة القرن ... د. أيمن العاني
حرب العراق جريمة القرن ... د. أيمن العاني حرب العراق جريمة القرن ... د. أيمن العاني

حرب العراق جريمة القرن ... د. أيمن العاني

تعد جريمة حرب العراق من الجرائم التي استطار شرها منذ وقوعها قبل أربع عشرة سنة وإلى يومنا هذا، والتي كانت تكلفتها البشرية والمادية ولا تزال تفوق معظم الحوادث التي من فعل البشر، فضلا عن تداعياتها ليس فقط على العراق وإنما على المنطقة والعالم، وهي حرب بُنيت على أكاذيب كبرى جاءت بالمرتبة الأولى بين أهم عشر أكاذيب في التأريخ، ناهيك عن الأوهام التي ساقتها إدارة الرئيس جورج بوش الصغير؛ لإقناع الرأي العام الأمريكي، التي كان من بينها: أن الحرب ستكون نزهة، وإن تحقيق النصر فيها لن يستغرق سوى أيام قلائل، ويُزاد على ذلك الرؤية الشاذة التي روجت لها الإدارة الأمريكية آنذاك، والتي زعمت أن العراق ما بعد الغزو سيصبح منارة الحرية في المنطقة، والتي بان للعالم أجمع خداع مروجيها؛ فقد قُدّر لهذه الحرب الفشل وكُبت الغزاة وخاب فألهم، وتكبدت جيوش أمريكا خسائر فادحة وتمرغ أنفها بالتراب، وبطبيعة الحال بان زيف الادعاءات الأمريكية بأنها تصدر الحرية والديموقراطية لشعوب المنطقة، وخسرت الولايات المتحدة أهليتها أمام العالم، وتعثر ما يسمى بـ(مشروع القرن الأمريكي الجديد)، الذي كانت إدارة بوش الصغير ماضية لتنفيذه.
وما نزال نرى آثار القرارات المشؤومة التي اتخذتها إدارة بوش الصغير بشكل يومي في العراق، حيث انتشرت الفوضى العارمة وأعمال العنف المختلفة في البلاد وسادت الميليشيات الطائفية، وشهدت محافظات العراق هجمات مسلحة على نطاق واسع استهدفت الثقل العربي السُني في البلاد، رافقتها انتهاكات وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادات جماعية بحق السكان الأصليين، حتى ناهزت أعداد المدنيين الذين قتلوا جراء العنف في العراق ما بعد الغزو نحو مائتي ألف شخص، فضلا عن مئات الآلاف المصابين وذوي الإعاقة الدائمة، وأكثر من خمسة ملايين يتيم، وامتلأت سجون الاحتلال وحكوماته المتعاقبة بما لا يقل عن مائة وعشرين ألفا من المدنيين الأبرياء، الذين اعتقلوا دون أي تهمة أو سبب قانوني يقيم الحجة عليهم، ناهيك عما يقارب نصف مليون مغيّب جرى إخفاؤهم قسريا، وأكثر من سبعة ملايين لاجئ في دول الجوار وفي دول أجنبية أخرى، ونحو خمسة ملايين نازح داخل الوطن تم اقتلاعهم من جذورهم ضمن حملات التطهير الطائفي الوحشية التي أعقبت الغزو في مدن ومناطق معينة في العراق، وخاصة مناطق حزام بغداد، ويوجد اليوم مئات الآلاف من العراقيين غير قادرين على العودة إلى ديارهم بسبب منعهم من قبل السلطات الحكومية.
وقد تصدر العراق في ظل الاحتلال وحكوماته المتعاقبة قائمة الدول الاكثر فسادا في العالم، وتراجعت فيه حقوق الإنسان والحريات العامة بشكل حاد وسريع، وتزايدت معدلات الفقر في البلاد بشكل مستمر طوال السنوات الماضية، حتى بات ثلث سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر، فضلا عن تردي الأحوال المعيشية والاجتماعية والصحية في ظل انعدام الخدمات الأساسية وندرة فرص العمل وخاصة لفئة الشباب، وتفشي الاوبئة وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض السرطان والعيوب الخلقية للأجنة بسبب التعرض للإشعاع، ناهيك عن انتشار ظاهرة الجريمة المنظمة وتجارة وتعاطي المخدرات والإرهاب الدولي الوافد؛ الذي خلفت مكافحته المزعومة تدميرا كاملا للحياة في المناطق المستهدفة، وانهيارا في البنى التحتية بنسب وصلت في بعض المدن إلى ( 90 %).


وبعد طول انتظار، تم الإفراج منتصف العام الماضي عن تقرير اللجنة البريطانية للتحقيق في حرب العراق (تقرير تشيلكوت)، -الذي يعد مستندا قانونيا معتبرا-، والذي أكد للعالم أجمع قصة الخداع التي بُني عليها قرار هذه الحرب العدوانية التي حدثت خارج إطار الأمم المتحدة، والذي رسّخ حقيقة بمنتهى الأهمية، مفادها: أن التوثيق المهني الصحيح للانتهاكات والجرائم التي حدثت وتحدث في العراق، هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة قانونيا وإنصاف الضحايا وذويهم بالحد الأدنى، وصحيح أن نتائج التوثيق لن تكون بالسرعة المطلوبة الآن؛ لأن الجهة العدوانية في هذه الحرب هي الولايات المتحدة الأمريكية وهي دولة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن، فلا يمكن تفعيل أي قرار ضدها في الوقت الراهن؛ إلا أنه تتوفر إمكانية مطالبة الأطراف المعنية مباشرة بالمسؤولية المدنية، وهذا أيضا يتطلب وقتا وجهودا استثنائية ومتابعة حثيثة لآليات معينة كي تنتهي إلى إصدار أحكام لصالح المتضررين من الشعب العراقي، ويمكن لجميع العراقيين المظلومين والمتضررين اللجوء إلى المحاكم التي تعطي لنفسها صفة الاختصاص العالمي -بعد توثيق ما تعرضوا له- للنظر في قضاياهم واستصدار أحكام فيها، وسيأتي الوقت الذي يتم تفعيل هذه الأحكام فيه؛ إذ لابد لموازين القوى الحالية في العالم أن تتغير في يوم ما، وستظهر في حينها آليات جديدة لتفعيل القرارات والمطالبة بتعويضات للشعب العراقي عما لحقه من أضرار في إطار هذه الحرب العدوانية التي شنت ضده، وفي إطار الجرائم المرتكبة بحقه، والدفع لمعاقبة المجرمين والمرتكبين؛ ولكن هذا لن يحصل إلا بتوثيق وتدوين ما يجري من جرائم على الأرض في العراق جراء الحرب.
إن غزو العراق جريمة غير شرعية وغير قانونية لا تسقط بالتقادم، وإن أركانها المادية والمعنوية ثابتة، والمتسبب بها هو الاحتلال (الأمريكي – البريطاني) وحكوماته المتعاقبة والمليشيات الطائفية، وجهات معلومة أخرى، والقانون الدولي يؤكد على مسؤولية ممثلي سلطة الدولة والأفراد الذين يقومون بالمساهمة في ارتكاب أي جريمة أو بالتحريض المباشر على ارتكابها، أو الذين يتآمرون لارتكابها، وعلي ممثلي سلطة الدولة الذين يتسامحون في ارتكابها، وقد تعهدت القوانين والمواثيق والاتفاقيات الدولية باتخاذ جميع التدابير اللازمة لكي يصبح في الإمكان تقديم المجرمين والجناة إلى القضاء؛ لينالوا جزاءهم العادل.


ـ مقال خاص بموقع (   الهيئة نت    ).


أضف تعليق