حقيقة تُثبتها لنا الأيام، تُحدثنا عن بلد كان يهابه القاصي والداني، كان عنوانا للمجد والإباء، والعزة والكبرياء، كانت الأمة شامخة بشموخه، ومهابة بهيبته.
بلد كريم صبور عزيز، علّق وسام المقاومة على صدره، فما رضخ يوما لمحتل، لم يكن يدافع عن أرضه فحسب بل كان يدافع عن الأمة بأكملها، فما وقعت حرب على بلد عربي إلا ووجدت جيشه في مقدمة المدافعين عنه، وأرض الشام تشهد بذلك فحينما أراد الصهاينة احتلالها في السبعينيات جهز الجيش العراقي عُدته وتوكل على ربه وسار نحو دمشق وأبعد عنها أذى اليهود ومكرهم، ولولا خيانة الحاكمين فيها وقئذ لبقي سالكا لدرب النصر حتى تحرير فلسطين.
وهنا أذكر قصة رواها لي أحد الذين شاركوا في حرب السبعين قال لما تجهزنا للمسير نحو دمشق أصر أحد الجنود على الذهاب معنا قال: فقلت له: أنت تشرب الخمر وعاص لربك، ونحن سنذهب للجهاد في سبيل الله فكيف تذهب معنا؟ قال: فصُدم بهذه العبارات وماكان منه إلا أن يخر باكيا، ثم ذهب واغتسل وصلى ركعتين لله تعالى، وتاب إلى الله توبة نصوحا، فذهب معنا وقاتل قتال الأبطال، ثم استُشهد في تلك المعركة.
وقصص كثيرة حدثت في تلك المعارك التي سطرَّ فيها الجيش العراقي مواقف لا يستطيع أحد محوها من التأريخ.
كان العراق البوابة الشرقية للأمة العربية، وبجانبه عدو يكيد للأمة المكائد، ويحاول النيل منها، لكن العراق كان له بالمرصاد.
بيد أن هذا الوضع لا يعجب كثيرا من الأصدقاء قبل الأعداء، فبقاء العراق قويا عزيزا كريما غير مستساغ عند أعداء الأمة وحلفائها، فما كان منهم إلا أن يرسموا طريقا لتدميره والخلاص منه، ذلك لأن تدميره سيسهل عليهم تدمير الأمة بأكملها.
فامتزجت هذه النظرة مع رغبة بعض حكام الأمة الذين تآمروا على بلد الرافدين، وظنوا أن الخلاص من العراق هو راحة وأمان لهم، فاتحدت قوى الشر من أجل التنكيل بهذا البلد الأشم، وجعلوا من أراضيهم محطة للانطلاق نحو غزو العراق من قبل أمريكا وحلفائها.
وجاءت اللحظة التي فرح فيها بعض الحكام المتآمرين، تلك اللحظات القاسية على قلوب المخلصين لدينهم وأرضهم، فاحتلت أمريكا العراق، وسفكت دماء شعبه، وعاثت في أرضه الفساد ونصّبت عليه أناسا لا يرقبون في شعبه إلاًّ ولا ذمة.
وبعد الاحتلال بدت المعالم واضحة، وتبين للذين شاركوا المحتل رغبته خطأ فعلهم، وعلموا أنهم قد أوقعوا أنفسهم في مأزق كبير، وأكبر دليل على ذلك أن إيران بدأت بتنفيذ مخططاتها وإعادة حلمها الإمبراطوري، وأصبحت تتدخل في شؤون البلاد العربية دون رادع يردعها، وأصبحت تقاتل مع حلفائها في سوريا ولبنان واليمن وبلاد أخرى، وأصبحت تنشر أفكارها المسمومة في بلاد إسلامية كثيرة.
ولو تفكرنا بكل هذه الأحداث التي جرت وما زالت تجري بالأمة العربية خصوصا والإسلامية عموما لوجدنا أنها كانت بعد احتلال العراق وتدميره.
والآن وبعد أربع عشرة سنة على احتلال العراق لا بد أن نعي أمرا مهما وهو أن أناسا من بني جلدتنا وضعوا أيديهم مع المحتل بل وشدوا على يده من أجل احتلال العراق، فكان لهم ما أرادوا غير أنهم ضاعوا وذهبت هيبتهم وأصبحوا ألعوبة بيد أمريكا وإيران، ضيعوا العراق فضاعوا، فإذا أرادوا استرداد هيبتهم ومكانتهم وكرامتهم فعليهم أن يعيدوه كما ضيعوه؛ لأن بقاءه ضائعا هو استمرار لضياعهم.
