العراق بلد غني بالموارد والثروات الطبيعية، في مقدمتها النفط، الذي يمتلك أحد أكبر الاحتياطيات له في العالم، وتقدر صادرات العراق من النفط الخام بأكثر من (4) ملايين برميل يوميا، ومع ذلك، لم تترجم وفرة الأموال الناتجة عن ذلك في رفع مستوى المعيشة للمواطن العراقي البسيط. وعلاوة على ذلك، فقد تأخر التقدم الاقتصادي والتنمية الاجتماعية في العراق جراء الفوضى العارمة التي تعصف بالبلاد منذ 2003 وإلى اليوم؛ الأمر الذي تسبب في انهيار البنية التحتية، ورداءة نوعية التعليم، ناهيك عن تفشي الفساد وما أنتجه من تحديات معقدة تواجه العراق اليوم.
وناقشت عدد من المنظمات الدولية غير الحكومية الوضع في العراق من أجل إصلاح البرامج الموجودة بالفعل؛ فوجدت أن العقبة الرئيسة تكمن في منظومة الفساد المالي والإداري المسيطرة على جميع مفاصل الدولة. وهناك عدة تقارير تؤكد أنه إذا استخدمت الحكومة في العراق الأموال المتاحة لديها من صادرات النفط بشكل نزيه ومهني، عندها يمكن معالجة هذه الصعوبات من خلال وضع الخطط الكفيلة بتحجيم معدلات الفقر وتقليل نسب البطالة وتوفير الاستقرار الأمني؛ لتحقيق النمو الاقتصادي.
وأشارت المنظمات الدولية إلى أن اقتصاد العراق لا يزال يمتلك مقومات العودة والنهوض؛ لما لديه من مؤهلات في قطاعات التنمية المختلفة كالزراعة والصناعة والسياحة، فضلا عن مجالات العمل في القطاع الخاص. ومع ذلك، تظل العقبة الأكبر في الوصول للتنمية هي إيجاد حلول حقيقية لما يعانيه العراق من مشاكل وفي مقدمتها العنف الطائفي، واستعادة الأمن، وما يرافق ذلك من خطوات جدية لاجتثاث الفساد.
ووفقا لبيانات البنك الدولي، فإن نحو عشرة ملايين عراقي ما يزالون يعيشون تحت خط الفقر من أصل (34) مليونا في بلد تتجاوز موازنته المالية السنوية (100) مليار دولار.
وكشفت دراسة أكاديمية أعدتها كلية الآداب في جامعة ذي قار، أن المحافظات الجنوبية تتصدر بقية محافظات العراق من حيث الحرمان، وأوضحت الدراسة أن أكثر من ثلث سكان العراق يعيشون وضعا حياتيا بائسا، أي أن أعداد الأسر المحرومة من الحاجات الأساسية تزيد على (1,2) مليون أسرة.
عدم الاستقرار يفاقم أزمة الفقر في العراق
أدى احتلال العراق بزعم نشر الديمقراطية إلى إشاعة العنف الطائفي الصريح في البلاد، مستخدما حكوماته المتعاقبة والمليشيات الموالية لها لتنفيذ ذلك. ودأبت سلطة الاحتلال على تكريس تقسيم العراق إلى ثلاثة مجتمعات هي: الأكراد في الشمال والعرب الشيعة في الجنوب، والعرب السنة في الوسط والغرب والشرق. ولقي مئات الآلاف من العراقيين حتفهم في السنوات التالية للغزو، وما يزال العنف الطائفي قائما إلى اليوم. ولا تقتصر مخاطره على حياة المدنيين ولا يؤدي إلى تشريد الملايين فحسب؛ لكنه أيضا يشل الأعمال التجارية بشكل لا يصدق، فضلا عن تسببه في تعطيل نقل البضائع إلى المناطق الساخنة.
وذكر المستشار المالي لرئيس الوزراء الحالي الدكتور مظهر محمد صالح أنه تم إيقاف نحو (600) مشروع في عموم المحافظات، تصل كلفتها الأولية إلى (280) مليون دولار، وتعليق طرح مشاريع استثمارية تتجاوز نسب إنجازها 50% للاستثمار المشترك مع القطاع الخاص.
ولفت صالح إلى أن قطاع مرافق خدمات الطعام لم يتأثر بالأزمة المالية، "لارتباطه بالرواتب المنتظم صرفها من قبل الحكومة، لنحو 4.5 ملايين موظف حكومي، و3.7 ملايين متقاعد، و1.5 مليون مستفيد من الرعاية الاجتماعية"، مبيناً أن "نحو 85% من الدخل العام للمواطنين يستهلك في قطاع المطاعم وشراء المواد الغذائية".
ولجأت الحكومة في بغداد مؤخراً إلى رفع ضرائب المبيعات على السلع المستوردة، بهدف تعزيز الإيرادات المالية لتقليل حجم الأزمة المالية.
انتشار ظاهرة المجمعات السكنية العشوائية في بغداد والمحافظات
يعيش مئات الآلاف من العراقيين في مجمعات سكنية عشوائية في العاصمة انتشرت بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية، تحيط بهم أكوام من النفايات والأنقاض وطرق ترابية مليئة بالقاذورات والأوساخ والمياه الآسنة والأحجار والحصى، فضلا عن الروائح الكريهة التي تعم المكان.
وهناك أكثر من 249 مجمعا سكنيا عشوائيا في العاصمة لا يتم تزويدها بشبكة الكهرباء الوطنية أو الماء الصالح للشرب أو أي من الخدمات الأساسية الأخرى، وفقا لمجلس المحافظة في بغداد. وكل مجمع مسكون من قبل 2000 إلى 17500 من (واضعي اليد)، حسب وصف المجلس، معظمهم ليس لديه أي موارد مالية ليتمكنوا من العيش في منازل لائقة في مناطق تنظيمية تتوفر فيها الخدمات الأساسية.
وهذه المجمعات مبنية من الصفائح المعدنية -التي تم جمعها من مكبات القمامة- والطوب ومادة الطين والسقوف من ألواح الصفيح المثقلة بأكياس الرمل، فضلا عن وجود بعض المنازل التي بنيت من الثلاجات المهملة وقطع غيار السيارات، مع فتحات للخارج معاملة بالخرق. وهناك منازل أخرى مبنية من الطوب المستعمل والنفايات.
انتشرت المجمعات التي يسكنها (واضعو اليد) في جميع أنحاء البلاد، والتي شهدت زيادة كبيرة بين عامي 2006-2007 عندما اندلعت أعمال العنف الطائفي، التي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء واضطرار مئات الآلاف من العراقيين الآخرين لترك منازلهم وجميع ممتلكاتهم هربا من الموت والانتقال إلى مناطق أخرى.
ولكن كان هناك ارتفاع جديد في هذه الأحياء العشوائية منذ منتصف العام 2014 عندما بدأت الحرب ضد مسلحي (تنظيم الدولة)، الذي أصبح في حينها يسيطر على مناطق واسعة في الأجزاء الشمالية والغربية من البلاد، وتوقفت مصالح العامة في تلك المناطق وتعمقت أزمة الفقر في العراق، بعد أن اضطر أكثر من أربعة ملايين عراقي للفرار من مدنهم وقراهم طلبا للأمن والسلامة.
وقال رئيس قسم العلوم المصرفية والمالية في الجامعة المستنصرية، الأستاذ ميثم لعيبي: حتى العراقيين الذين يعيشون فوق خط الفقر يعانون من قلة مصادر الدخل وقد يتحول قسم منهم تحت خط الفقر.
وأضاف لعيبي أن مؤشرات الفقر معقدة، فهي تتجاوز مسألة دخل الفرد لتشمل نوعية الحياة ومستوى التعليم ومدى توفر الخدمات الصحية ومياه الشرب والصرف الصحي وغيرها من الخدمات، وقال: بناءً على هذه المؤشرات، فإن العراق بلد فقير مقارنة مع عدد من الدول الأخرى في المنطقة وغيرها.
(جامعو القمامة) مهنة تنتشر في العراق
في العراق البلد المنتج للنفط، الذي لا يزال يعاني من ويلات الحرب والفوضى وإراقة الدماء الطائفية التي أثارها الغزو الأمريكي – البريطاني للبلاد، يبلغ معدل البطالة الرسمي (28 %) و (35 %) أخرى من القوى العاملة هم في وظائف بصفة عقود مؤقتة.
وبالرغم من احتياطيات البلاد الضخمة غير المستغلة من النفط والغاز وارتفاع معدل انتاج النفط والإيرادات المالية، إلا أن (30 %) من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وفقا لوزارة التخطيط الحالية.
وبحسب الوزارة؛ فإن أكثر من (30 %) من سكان المحافظات الجنوبية الغنية بالنفط و (13 %) من سكان العاصمة بغداد التي يبلغ عدد سكانها (7.6) مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر.
في حين ربط بعض المحللين ارتفاع نسب معدلات الفقر والبطالة خلال الأعوام الثلاثة الماضية بتوقف الحياة الاقتصادية في المناطق التي انهزم الجيش الحكومي منها فاسحا المجال أمام (تنظيم الدولة) للسيطرة عليها، وما أعقب ذلك من حملات عسكرية لاستعادة تلك المناطق اعتمدت الحكومة فيها سياسة الأرض المحروقة؛ الأمر الذي تسبب في تدمير كامل للحياة في المدن المستهدفة وتهجير لسكانها واستمرار لموجات النزوح والعودة، وتجاوزت أعداد الذين أجبروا على النزوح داخليا (4.6) ملايين شخص يعيشون في ظروف صعبة للغاية، عاد منهم (1.3) مليون إلى مناطقهم خلال المدة نفسها بحسب منظمات إنسانية محلية وأجنبية.
وتعمل عشرات الآلاف من العائلات في جمع القناني الزجاجية والبلاستيكية وعلب الألمنيوم الفارغة التي توفر لهم لقمة عيش تبقيهم على قيد الحياة، بعد أن أصبحت هذه المهنة البائسة هي المصدر الذي يكسبون منه رزقهم ورزق عيالهم، متحملين بذلك ضنك هذا العمل وقساوته.
وقال محافظ بغداد (علي التميمي): إن الحكومة غير قادرة على توفير حلول حقيقية للتعامل مع أزمة الفقر في البلاد. ويقتصر دورها على دفع رواتب شهرية للفقراء، تتراوح بين (40) دولاراً و (100) دولار حسب عدد أفراد الأسرة. حيث يتم صرف هذا المبلغ كل ثلاثة أشهر؛ ومع ذلك، فإنه لا يمكن أن يلبي الاحتياجات اليومية للأسرة. وأكد التميمي أن معدلات الفقر مرتفعة جدا، وأن من يقول غير ذلك لا يعرف شيئا عن حالة المجتمع العراقي. ومن يعترض على ذلك من المسؤولين الحكوميين إنما هو يحاول خداع العامة حول معدلات الفقر في العراق والمخاطر الناجمة عن ذلك.
قسم حقوق الإنسان
4 رجب/1438ه
1 نيسان/2017م
قسم حقوق الانسان- هيئة علماء المسلمين








