ينسى البعض أن لا نصر ناجز ولا استقلال حقيقي، إلا للأمة كاملة، إذ لم نعد في عصر الكيانات الصغرى، مَن يغفل ذلك يقع في خطأ كبير، حين يقيّم دور المقاومة العراقية، هو يطبق نمط الصورة القديمة للوضع الدولي، على وضع دولي مختلف.
حين يتصور أن نصر المقاومة يجب أن يتجلى في إعلان استقلال العراق كليا، كما كان حال الدول الأخرى في زمن الحرب الباردة أو ما بعد الحرب العالمية.
لا يستطيع البعض إدراك أن الوضع الاستراتيجي الذي مكّن الولايات المتحدة من غزو واحتلال العراق، هو أن الأمة ليست موحدة وأن لا دولة وحدها قادرة على حماية نفسها أو تحقيق الاستقلال الناجز، وأن معيار ومقياس انتصار المقاومة، هو في دحر قوة الاحتلال على أرض العراق، وتغيير معالم القوة الدولية للولايات المتحدة على صعيد قضايا الأمة وفي الوضع الإقليمي وعلى الصعيد الدولي.
وفى الأصل يعجز البعض عن ترجمة كلمات العولمة والهيمنة حين يتحدث عن الاستقلال الكامل لأيٍّ من الدول العربية والإسلامية - وليس من بينها دولة كبرى –إذ هو لا يدرك أن مضمون الهيمنة والعولمة هو اختراق السيادة ونهاية وضع استقلال الدول غير الكبرى، وأن لا دولة وحدها قادرة على تحقيق الاستقلال الناجز، وأن الفرق بين دولة وأخرى من الوزن الصغير أو المتوسط، هو في نمط الاحتلال الذي تعيشه في تلك المرحلة، أكان عسكريا - احتلال سافر واضح بالقوة العسكرية - أو كان احتلالا غير مباشر.
وفي ذلك ينبغي إدراك أن المقاومة العراقية، أعطبت قوة الاحتلال ومشروع الاحتلال ودولة الاحتلال، لكن تحرير العراق ناجزا وكليا، هو أمر آخر يتعلق بأوضاع الأمة والأوضاع الإقليمية والدولية، ولعل التجربة السورية الماثلة للعيان تؤكد للجميع أن نظام الحكم باق رغم نجاح الثوار في إنهاء النظام وهزيمة الجيش النظامي، بسبب الدور الدولي والإقليمي، وكذا الحال في اليمن وليبيا وغيرها، إذ مثل تلك التجارب قدمت أضواء كاشفة على البعد الدولي والإقليمي.
ويجب القول بوضوح إنه وحتى لو وصلت المقاومة للسلطة، فذلك بحد ذاته لا يحقق الاستقلال في ظل ظروف الأمة والإقليم والعالم، لقد أصبحت معركة الاستقلال ذات معالم مختلفة، صارت معركة داخلية في داخل كل قطر من أقطار الأمة – في ظل الهيمنة والعولمة ولطول فترة الغزو والاحتلال الثقافي والقيمي – وها هي تركيا تقدم نموذجا دالا.
وصارت معركة خارجية جوهرها توحيد قوى وقدرات الأمة؛ إذ لا نصر ناجز ولا استقلال حقيقي إلا بتحرير الأمة لا تحرير هذا القطر أو ذاك، وتاريخ الأمة حافل - ما بعد الحرب العالمية الثانية - بكل صنوف التأكيد على أن الفارق بين دولة وأخرى هو في نمط الاحتلال (عسكري أو غير مباشر)، من جهة كما هو حاصل من جهة أخرى بالتأكيدات – من التجارب وهذا حال العراق - على أن لا امكانية لبناء وتنمية ونهضة مستقلة إلا بعد توفير قدرات الحماية، التي بدورها لا تتحقق بقدرات وإمكانيات أي قطر وحده، فكم من التجارب التنموية المستقلة التي انتهت أو دمرت أو وُئدت تحت ضربات المستعمرين تحت هذه الذريعة أو تلك.
وداعي كل هذا الكلام هو أن دور المقاومة العراقية، لا يقاس بما حققته على أرض العراق فقط، فعلى أرض هذا البلد جرت معركة ضد الأمة ولأهداف تتعلق باستمرار الهيمنة والسيطرة الأمريكية على العالم، دور المقاومة يقاس بما أحدثته من تأثيرات على حال الأمة وبتأثيرات ضرباتها على قوة وقدرة الدولة التي تهيمن على الأمة، وعلى معالم قوة الأطراف الدولية المتصارعة مع القوة المهيمنة على العالم – أمريكا والغرب – وعلى توازنات الوضع الدولي.
وواقع الحال أن المقاومة العراقية قد أعطبت القوة العسكرية الأمريكية على أرض العراق، وأدخلت الجيش الأمريكي وجنوده في حالة عقدة جديدة – كانت أشد تأثيرا من عقدة فيتنام - وبفضل ما حققته صارت الأمة ودول العالم المتصارعة للدور والنفوذ والهيمنة الأمريكية، مدينة كلها للمقاومة العراقية.
لقد شكل دورها نمطا من سور الحماية لبقية الدول العربية والإسلامية من مواجهة حالة الاحتلال الأمريكي المباشر، وهي استنزفت قدرات وطاقات الولايات المتحدة، حتى جعلت الشعب الأمريكي يأتي بحاكم (اوباما) يعلن التوقف عن التدخلات العسكرية المباشرة على نمط تدخلات جورج بوش، وهي من استنزفت القدرة الأمريكية حتى اندفع الشعب الأمريكي خلف حاكم مثل ترامب يرفع شعار أمريكا أولا ويدعوا لإعادة بناء أمريكا .. الخ.
وهنا نصبح أمام سلة من المتناقضات، فالأمة التي مثّلت المقاومة عنوانا لصمودها، والتي كان دور المقاومة العراقية هو ما دفع شر الاحتلال عن دولها، هي ذاتها التي تركت المقاومة وحدها، لم تساند الدول العربية والإسلامية المقاومة العراقية، وذلك ما أدى لتطاول المعركة حول العراق.
كان لهذا الموقف المخزي، الدور الأساسي في إقدام إيران على التدخل في العراق وممارسة كل أنواع الجرائم، وهكذا لولا الدور الإيراني – القادم بسبب تهالك وضعف الموقف العربي - ما كان لأمريكا إلا أن تنسحب انسحابا مذلا، ويمكن القول بأن جهل نخب الأمة بدور المقاومة – هذا في أحسن الأحوال - قد منع الدول والجماعات والأحزاب والتيارات من استثمار انتصارات المقاومة ودورها، وكان ممكنا أن تستفيد من هذا الدور لتحدث تعديلا في توازنات قوتها مع الطرف الأمريكي "المهزوم"، وهو ما كان سينعكس في تقليل الدماء ووقف التدمير ومنع دخول العراق دوامة مرحلة تالية من الحرب عنوانها المذابح الإيرانية والحكم الطائفي وتهديد وجود العراق.
وروسيا والصين وغيرها من الدول، التي استفادت من المقاومة، ذهبت لتستثمر وتنمي قدراتها هي، فيما كانت المقاومة تعطب القدرة العسكرية الأمريكية والاقتصادية الضاغطة على تلك الدول.
استفادت الصين وروسيا من دور المقاومة العراقية في استنزاف الاقتصاد الأمريكي وفي تبديد بريق الحضارة الأمريكية، دون التفات إلى ضرورة دعم المقاومة، وكيف لها أن تفعل ودول الأمة لا تفعل ذلك.
لم تقدم روسيا والصين أي دور مساند للمقاومة، بل حتى لم تدفعها استفادتها من المقاومة للعمل بجدية للجم العدوان الأمريكي عبر التشديد على ضرورات التمسك بالقوانين الدولية.
وأيا كانت التغييرات التي أحدثتها المقاومة خلال كمرحلة اشتعالها، فالمؤكد أن آثار ومترتبات دورها ستتضح يوما بعد يوم.
خاص بموقع الهيئة نت
