تظهر الوقائع الجارية على أرض العراق، أن الولايات المتحدة لا تزال في وضع القتال على أرض هذا البلد، وأن معركة وحرب الاحتلال التي أشعلتها منذ 2003م لم تنته حتى الآن.
وفي ذلك يبدو أن جريان معركتها الحالية على أرض حاضرة الموصل التي كانت عنوانا من عناوين المقاومة خلال مرحلة الاحتلال الأولى – إلى جانب الفلوجة والرمادي .. الخ – أحد المؤشرات والكواشف في محاولة إجراء تقدير عام لطبيعة المعركة ونتائجها.
الولايات المتحدة وقواتها ما تزال في قتال على أرض العراق، فهل يعني ذلك أنها لم تكسب الحرب أو أنها لم تحقق النصر الذي أعلنته؟، وفي المعنى المضاد، يطرح السؤال، وهل يعني ذلك أن العراق لم يهزم؟، الأمر يتطلب قراءة متأنية ودقيقة في ذكرى إعلان الحرب واطلاق حمم العدوان على العراق.
وللوصول إلى تقدير عام، يبدو ضروريا إدراك أن الحروب التي تشهد نشوب مقاومة ضد جيش الاحتلال هي بطبيعتها حروب متطاولة وتمر بمراحل سياسية وعسكرية متعددة ومختلفة - وقد استمرت حروب المقاومة في بعض البلدان لما يزيد عن عشرين عاما – بل تكون نتائج مراحلها جد متناقضة بين مد وجزر، وتلك حالة تحدث إرباكات في التفكير والتقدير العام عند من يخلص لاستنتاج عام بناء على نتائج مرحلة واحدة.
كما يبدو مهما إدراك أن حروب المقاومة، لا تختلف عن الحروب النظامية في طبيعة السلاح ونمط الحرب وخططها واستراتيجياتها، ولكن في توقيتات انجاز أهدافها، ولذا فالنصر والهزيمة تقاس هي الأخرى بمقاييس مختلفة عن مقاييس الحروب النظامية.
وإذا شئنا تتبع النهر العام لتلك المعركة منذ بدايتها وحتى الآن، للإجابة عن سؤال، هل أنجزت الولايات المتحدة نصرا نهائيا، ففي ذلك يمكن القول، بأن القوة العسكرية الأمريكية، قد أنجزت ما استهدفته في المرحلة الأولى من الحرب بدخول بغداد، وبإخراج الجيش الوطني العراقي من معادلة الصراع، لكنها لم تحصل - بالمقابل -على صك استسلام، إذ لا الجيش ولا النظام وقعوا اتفاقية استسلام وإقرارا بالهزيمة، كما حدث - مثلا - لقيادات في النظام الفرنسي بعد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، وأن الولايات المتحدة أسقطت بقوتها العسكرية نظام الحكم القائم وقتها، ووصل الحال أن أعلن جورج بوش انتهاء الحرب من فوق قطعة حربية أمريكية، كما هي عينت حكما عسكريا وشيدت نظاما بديلا في العراق .. الخ.
لكن كل ذلك لم يعن وفقا لمعطيات الوقائع من بعد، أن الولايات المتحدة حققت النصر، وبالدقة أن النصر الذي توهمه جورج بوش، ثبت من بعد أنه لم يكن سوى فوز في مرحلة من مراحل الحرب لا غير، والتاريخ مليء بنماذج من تحولات جذرية في الحروب، إذ حقق هتلر احتلالا وهيمنة وسيطرة على العديد من الدول في بداية الحرب العالمية الثانية لكنها انتهى للانتحار وانتهت بلاده للاحتلال عند نهاية الحرب.
ففور دخول القوات الأمريكية لبغداد، اشتعلت المقاومة لتبدأ مرحلة حربية جديدة، هنا جرت أحاديث عن أن المقاومة لا قبل لها بالقوة العسكرية الأمريكية وأنها مجرد مجموعات صغيرة سرعان ما ستنتهي تحت بطش النيران الأمريكية الفائقة القوة، لكن الأمر لم يكن كذلك، بل كان مرحلة جديدة من الحرب هي الأصعب، وهذا ما اعترفت بها القيادة السياسية الأمريكية، بل وصل الأمر حد الأزمة الوطنية في الولايات المتحدة، بما استدعى موقفا مشتركا من كلا الحزبين اللذين يتداولان الحكم في الولايات المتحدة، فجرى تشكيل ما سمى بلجنة بيكر - هاملتون، وأحدهما من الحزب الديموقراطي – المعارض وقتها - والثاني من الحزب الجمهوري الحاكم وقتها.
وانتهى عمل اللجنة بإصدار تقرير ملزم – وهي ضمّت خبراء استراتيجيين في كافة المجالات – بضرورة الانسحاب من العراق، بعد الفشل في مواجهة المقاومة العراقية طوال ثماني سنوات كاملة.
وهنا بدأت مرحلة ثالثة من مراحل الحرب، إذ لم تعلن الولايات المتحدة الهزيمة، وهي لم تسلم العراق لأهله الوطنيين أو لمن أجبروا قواتها على الانسحاب، قامت استراتيجيتها الجديدة على تحويل الانسحاب إلى نمط جديد من الحرب أو مرحلة جديدة مختلفة من الحرب عبر تعيين مدير تنفيذي جديد للاحتلال.
في المرحلة الثالثة تراجع دور القوة العسكرية الأمريكية إذ تقلصت أعدادها، وفتح الطريق أمام إيران لتكون المحتل الثاني للعراق، قامت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تحت عنوان الاقتتال الداخلي والإقليمي، عبر تعيين إيران مديرا تنفيذيا للاحتلال، كبديل للحرب الأمريكية المباشرة وللوجود الأمريكي العسكري الكثيف.
بالدقة انتدبت الولايات المتحدة إيران كإدارة مباشرة في خوض الحرب ضد المقاومة وحاضنتها السنية تحديدا، أو لاستكمال ما فشلت القوة العسكرية الأمريكية في انجازه، خلال مرحلة الحرب على المقاومة الشعبية الوطنية العراقية.
في تلك المرحلة (الثالثة) ،جرت أبشع أعمال القتل والتعذيب والتنكيل ضد السنة، كما جرت أعمال تطهير ديني وعرقي ضد السنة والعرب، واستهدف وجود المجتمع السني بالتحطيم، كما استهدفت المدن وكل المنجزات الحضارية بالتدمير، لكن المعطيات التي شهدتها تلك المرحلة والتي نعيشها حتى الآن، تؤكد هي أيضا أن إيران لم تنجح إلا فيما نجح فيه المحتل الأمريكي من وقائع التدمير الشامل، وأن صاحب شركة الاحتلال - الأمريكي- ضاق ذرعا بسرقات الوكيل الإيراني وبفشله، فقرر العودة مجددا للحرب المباشرة وأعاد قواته تدريجيا وفق نمط من الحرب والتسويات التي ستدخل العراق في مرحلة أخرى جديدة بعد انتهاء عملية تدمير الموصل.
وبذا يمكن القول، بأن أمريكا لم تكسب الحرب حتى الآن، ولم تحقق الاستقرار لاحتلالها، رغم كل هذا الدمار والتخريب الذى ألحقته بالعراق.
نجحت الولايات المتحدة، وإيران من بعد في تدمير كل شيء، لكن الوقائع الجارية تؤكد أن نصرهما على العراق لم يتحقق، بل كل المؤشرات والدلائل تؤكد – رغم يأس اليائسين والمشككين – أن القادم هو للعراق، وسنرى.
خاص بموقع الهيئة نت
