هيئة علماء المسلمين في العراق

...اعادة اعمار العراق اكذوبة امريكية صارخة - جمال محمد تقي
...اعادة اعمار العراق اكذوبة امريكية صارخة - جمال محمد تقي  ...اعادة اعمار العراق اكذوبة امريكية صارخة  - جمال محمد تقي

...اعادة اعمار العراق اكذوبة امريكية صارخة - جمال محمد تقي

الوضع التراجيدي الذي يعيشه العراق بكل مناطقه ومكوناته وبكل حاضره وافاق مستقبله، منذ احتلاله في 9/4/2003 وحتي الان، جعل معه اي تناول لموضوعات كالاعمار والتنمية وحقوق الانسان نوعا من الهرطقة والدجل المكشوف الذي ليس له معني! لقد اغدق المحتلون واعوانهم قبيل الاحتلال وبعده وعودا معسولة تلمح الي رغيد الحياة القادمة مع المحررين الجدد، فكانت يافطات رفع الحصار الشامل الذي دام لاكثر من 13 عاما، واعادة اعمار البنية التحتية التي انهارت بسبب الحصار ذاته وبسبب العدوان المدمر عليها ودون انقطاع منذ حرب الخليج الثانية وحتي حرب الاحتلال الاخيرة، واعفاء العراق من جميع ديونه، وان امريكا بجلالة قدرها ستضع خطة مارشال جديدة لجعل العراق نموذجا لدول المنطقة بمعدلات النمو الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي لتصل بدرجات مساوية لما وصلت اليه المانيا بعد الحرب العالمية الثانية، او لمستوي كوريا الجنوبية علي اقل تقدير، اضافة الي شعارات فضفاضة تعد بتعميم شبكة من التامينات الاجتماعية والصحية والغذائية لاعانة اغلب فئات المجتمع المعدمة والفقيرة والكادحة التي اتسعت قاعدتها بعد انهيار الدولة وجل خدماتها ورعايتها للمتقاعدين والموظفين والطلاب وغيرهم من الشرائح الاجتماعية، ولم ير العراقيون من كل هذا الهراء غير دورات متداخلة ومتصلة من اعادة الدمار المتلاحق والشامل حتي وصل به المطاف الي اجتثاث وتدمير العراق وشعبه ككيان واقليم واحد وصارت الابادة الفورية وعلي مدار الساعة واجهة مألوفة في عرف العراق المحرر من شعبه ومن كيانه!
فلسفة الاعمار:

لكل مشروع اهداف قريبة وبعيدة، فما بالك بمشاريع شاملة وبارقام فلكية قد تكلف المليارات بل احيانا تريليونات من الدولارات كمشروع مارشال الامريكي لاعادة اعمار اوروبا الغربية وخاصة المانيا بعد الحرب العالمية الثانية، اذن بالضرورة لا بد ان تكون هناك استراتيجية تخدم الاهداف التي يسعي الممولون الي تحقيقها من وراء رصدهم لهذا الكم الهائل من الاموال والطاقات البشرية، والاعمار يعني بناء وتشييد وتاهيل للبشر والحجر بحيث يتكاملان بالمستلزمات المادية والفكرية الضرورية لتحسين شروط الحياة من انتاج وخدمات وتعليم وصحة وسكن، والاهداف مثلا في حالة المانيا الغربية ومن بعدها اوروبا الغربية هي استعادة قدراتها لمواجهة تحديات المنافسة مع الجار المتمدد حتي حدودها، الاتحاد السوفياتي وبلدان المعسكر الاشتراكي، وايضا لتكون الحليف الطائع لامريكا في حربها الباردة مع القطب السوفياتي ودبه الروسي المتأهب لتوسيع مجاله الحيوي ما دام ذلك يعزز من نفوذه في هذه الحرب، اما اعمار العراق فلم تكن له اية فلسفة، وليس هو بالمهمة الملحة امريكيا، وليس فيه اي شيء يدفع ليكون بمستوي الاهداف القريبة والبعيدة، انه ليس سوي شعار للاستهلاك لا يختلف عن الشعارات التي جاء بها الاحتلال لتبرير احتلاله وطمأنة العراقيين اثناء دخوله بلادهم بوعود قد تساهم بتخفيف اعتراضاتهم ومقاومتهم له، ومنها نشر الديمقراطية والحرية في ربوعه، وتخليصه من اسلحة الدمار الشامل، وبناء مجتمع نموذجي للشرق الاوسط كله، بحيث ينعم ابناؤه بالاستقرار والرفاه ليعيشوا مع جيرانهم بسلام ووئام، وهكذا كانوا يتحدثون وكانهم يقلدون وبشكل شاذ وسيئ واحدة من حكايات الف ليلة وليلة وعكس تلك الحكايات الاصيلة فان حكاياتهم الفالصو هذه لا تعني ما تقول.
هل رأيتم او سمعتم بمحتل يريد اعمار البلاد التي احتلها وخربها وعمل علي تمزيقها؟
فاذا كان الهدف الحقيقي لاحتلاله هو القضاء علي القدرة العراقية المادية والبشرية ومن ثم جعلها ضعيفة وخانعة وتعتاش علي جزء مما تبيعه من نفطها ليصرف الجزء الاخر في شؤون الادامة العسكرية للمحتلين واعوانهم، سيكون من البداهة ان لا تقوم للاعمار او اعادة الاعمار او وضع اسس النهضة الجديدة قائمة، بل سوف لن تقوم اصلا لانها نقيض صارخ لاهداف المحتل الحقيقية.

الاحتلال يدمر ولا يعمر:

في البدء اعلن عن تخصيص الادارة الامريكية 18 مليار دولار كمنحة خاصة لاعادة اعمار العراق، تبين فيما بعد انها مخصصة للشؤون العسكرية والامنية للعراق وافغانستان! وبمعزل عن بعض اعمال الترميم والصيانة المحدودة لبعض المدارس والمستوصفات المتضررة والمدمرة والتي اراد منها بريمر ان تكون فاتحة للدعاية والتضليل والنهب، فان اي انجاز لم يتحقق حتي بحدود ضيقة او بمبالغ تافهة كما يقول المقاولون، هناك بعض الاعمال المحدودة التي قامت بها الوحدات اليابانية، وكذلك الكورية، ولكنها تبقي محدودة ومحدودة جدا، لقد ازدادت الطاقة الكهربائية تعطيلا، وزاد التلوث في مياه الشرب وعمت الفوضي كل مرافق الحياة، حالة الطرق والجسور تزداد سوءا، والاتصالات والبريد تكاد تكون معدومة، حالة المواصلات العامة والخاصة يرثي لهاوتزداد سوءا، اما التعليم والصحة فحدث ولا حرج مدارس وجامعات ليست بمدارس ولا جامعات ومدرسون ضاقت بهم السبل فهج القادر منهم والذي بقي حالته تزداد سوءا، وهكذا الحال بالنسبة للمستشفيات والاطباء والصيادلة، والمهندسين، حتي العمال المهرة وغير المهرة يفكرون بالرحيل، اذن عن اي اعمار يتحدثون، نعم قد يقصدون اعمال البناء الجارية وبهمة عالية لانجاز بناء المجمعات العسكرية الامريكية الضخمة في الحبانية وبلد والناصرية،
او اعمال التشييد والصيانة لاغراض الحماية والسكن في المنطقة الخضراء؟
قدرت بعض مراكز الدراسات التنموية التابعة لمنظمة النقد الدولي ان العراق بحاجة ماسة لحوالي 250 مليار دولار خلال العشر سنوات القادمة لاعادة اعمار بناه التحتية الاساسية وهذا الرقم يكبر بالتقادم بسبب ارتفاع الاسعار، واشارت دراسات اخري الي ان انعدام التشغيل والصيانة والتاهيل للمنشآت النفطية من مصاف وانابيب توصيل ومحطات كهرباء وتنقية مياه ومعامل الصناعات التحويلية سيجعل عمرها الافتراضي اقصر واقصر مما يضيف اعباء جديدة علي كاهل العراقيين في الاعوام القادمة، اما منظمة الزراعة الدولية فانها لم تبخل هي الاخري بدراساتها وتقاريرها التي تنبه الي خطر استمرار اهمال عمل المبازل لغسل التربة مما يزيد نسبة ملوحتها ويجعلها غير صالحة للزراعة وبذلك يحرم العراق من امكانية اعتماده علي انتاج ارضه في بعض فصول السنة، وان هناك امراضا جديدة ومزمنة اخذة بالتكاثر في المحاصيل الزراعية ومنها التمور والحبوب والفواكه والخضر وهناك اشارات تخص الثروة الحيوانية وحالة التردي في خدماتها وانتشار الاوبئة بينها، ان انهيار النظم المتقدمة نسبيا لدي وزارات الزراعة والري والثروة الحيوانية بعد الاحتلال قد كلف العراق خسائر باهظة تتضاعف كلما ازدادت وتائر الاهمال والفساد. حتي البطاقة التموينية هذه الوثيقة التي لها اكثر من معني، في اي حالة تأمل بتعريفها وتاريخ ومراحل نشوئها وتطورها، اصبحت هوية لكل عراقي يعيش داخل العراق، اصبحت رقما للجوء الانساني داخل البلاد، حتي نظام هذه البطاقة الذي كان يراد به تنظيم امور العباد التموينية اثناء الحصار الغاشم، تلاعبوا بها واخذوا يساومون الناس عليها وعلي محتوياتها، لقد طال محتوياتها فساد وتجار الاحتلال بحيث اصاب مفرداتها فقر مدقع كماً وكيفا قد يميتها تماما، ليحرم الاغلبية المحرومة من نوع تعود عليه للتامين الغذائي وهو اخر ما بقي له من ذكري لدولة يعتز بها كان اسمها العراق!

خطة خمسية للانقراض:

قال بعض المحللين ان لدي الامريكان خطة غير معلنة عمرها خمس سنوات متكاملة لاعادة العراق الي القرون الوسطي وسيكون تقسيمه تحصيل حاصل في نهاية الخطة هذه، حيث يحل الاقطاع السياسي ذو القاعدة الاقتصادية الاجتماعية الريعية والطفيلية والتبعية حاكما بتوكيل المحتلين بعد مبايعات وتعهدات تفضي بالنتيجة لانقراض العراق وتحوله الي محميات امريكية يجري التعامل معها كدول عليها كل ما علي الدول من التزامات وليس لها الا ان تتبع وصايا رعاتها وحماتها الامريكان.
ان اهم بند في هذه الخطة هو الداعي الي احتواء النخب والمثقفين والتكنوقراط والمبدعين لجعلهم انصارا ومؤازرين للتوجهات التفكيكية للعراق باسم الليبرالية تارة وباسم الفدرالية او الكونفدرالية او اي شيء يعزز روح الانتماء والتخلي عن الخصوصيات لصالح التبعية للعولمة الامريكية، ان تغذية ثقافة الفساد وشراء الذمم والارتزاق والانعزال القومي والطائفي الداخلي وتعويضه بالسير في ركب امريكا واسرائيل ومن معهم كلها تصب في روح هذه الخطة الرامية الي شرذمة العراق اولا وتتبعها خطط لشرذمة كل دول الشرق الاوسط الاخري!
ومن يعرقل او يقاوم او لا يتجاوب من هذه النخب ومن المثقفين والمتخصصين والعلماء، فان تخويفهم بالقتل والخطف الفعلي لزملائهم او تهجيرهم امور ضرورية لتجعل عملية الاحتواء ناجحة، ولا بأس في ان يجري بذات المستوي من الاغراء والترهيب لاقرانهم من المقيمين في الخارج، لتكتمل حلقات الدائرة، ما يجعل هذا الطرح واقعيا هو محصلة اعمال البطش بالعلماء واساتذة الجامعات والمثقفين من كل صنف ولون من الاطباء والصيادلة الي الصحافيين والكتاب، اكثر من 700 من هؤلاء قد تم قتلهم او اختطافهم خلال السنتين الاخيرتين فقط! اكثر من 6000 متخصص وطبيب وصيدلاني واستاذ جامعي ومهندس قد هاجروا من العراق خلال السنتين الاخيرتين فقط، والحبل علي الجرار، فالخراب والدمار شامل كامل، ومن يقول غير ذلك فما عليه الا الذهاب الي العراق للمساهمة باعادة اعماره!

القدس العربي

أضف تعليق