هيئة علماء المسلمين في العراق

شَحَّة المياه في بلاد الرافدين!! ... د. أيمن العاني
شَحَّة المياه في بلاد الرافدين!! ... د. أيمن العاني شَحَّة المياه في بلاد الرافدين!! ... د. أيمن العاني

شَحَّة المياه في بلاد الرافدين!! ... د. أيمن العاني

أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1993، يوم 22 آذار من كل عام كيوم المياه العالمي. وجرى ذلك بالتنسيق بين مكتب الأمم المتحدة للبيئة وجميع الدول الأعضاء والشركاء في المنظمة؛ لغرض التعامل مع التحديات التي فرضتها التغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري وقلة الأمطار، من أجل التقليل من آثارها التي تطال واقع الحياة البشرية بكل مرافقها.


ويعيش اليوم نحو مليار إنسان بدون إمدادات للمياه الصالحة للشرب، جلهم يواجهون صعوبات كثيرة للوصول إلى مصادر المياه النقية؛ فيضطرون إلى التعامل مع الآثار الصحية الخطيرة لاستخدام المياه الملوثة، التي تتسبب بوفاة ما لا يقل عن ثمانمائة ألف شخص سنويا، ما يوازي وفاة شخص كل ثانية.


ومما لا شك فيه أن الماء هو أساس الحياة، كونه ضرورة لإرواء العطش وحماية الصحة؛ لكن توفر المياه أصبح أمرا حيويا في مجال خلق فرص عمل جديدة ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.


وفي العراق اليوم، تمر علينا هذه الذكرى وسط أمر مثير للاستغراب، وهو أن أرض الرافدين -حيث نَهرا دجلة والفرات، اللذان يجريان على طول البلاد، فضلا عن وجود المياه الجوفية ومنابع المياه الأخرى- يعاني أهلها من شحة المياه وقلة مصادر المياه، وحالة الجفاف غير المسبوقة التي تشهدها البلاد.


إن حالة الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد وضياع هيبة الدولة إبان الاحتلال، فضلا عن تدمير البنى التحتية وتفشي الفساد الإداري والمالي في جميع مرافق الدولة؛فسح المجال أمام دول الجوار لإنشاء سدود وخزانات للمياه على مجرى الأنهار التي تنبع من أراضيها وتتدفق باتجاه العراق، ما تسبب في انخفاض منسوب المياه في نَهري دجلة والفرات بأكثر من 60% على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية؛ الأمر الذي جعل من شحة المياه أزمة حقيقية وكبيرة أدت إلى تراجع النشاط الزراعي بشكل لم تشهده البلاد من قبل، فضلا عن تأثير ذلك على فعالية السدود في تجهيز الطاقة الكهربائية، وما خلَّف ذلك من تأثير سلبي على النشاط الصناعي، والبنى التحتية الأخرى كمحطات تصفية المياه ومصافي النفط، إضافة لمشاكل الصرف الصحي التي أصابت الشبكات الواقعة على ضفتي دجلة والفرات والتي تسببت بتلوث خطير للمياه، حيثُ تبلغ نسبة التلوث في مياه النهرين نحو 1800 مج/ لتر الآن، في حين أن المعدل العالمي نحو 800 مج/ لتر.


فقد اقدمت إيران من جانبها على تجفيف نهر سيروان الذي تتدفق مياهه الى اراضي اقليم كردستان العراق من منطقة سازان الحدودية في محافظة حلبجة، والذي يعد واحدا من ثلاثة روافد مائية رئيسية في العراق.


وقبل حوالي أربع سنوات، دشنت إيران خطة ترمي الى قطع كل الروافد المائية المتدفقة من اراضيها باتجاه العراق، بتجفيف نهر الوند الذي يمر عبر بلدة خانقين شرقي محافظة ديالى، ومن ثم منع مياه نهر الزاب الصغير في اقصى الشمال الشرقي من السليمانية، وذلك بإقامة سلسلة من السدود وخزانات المياه العملاقة داخل أراضيها؛ ما تسبب مباشرة بانطمار أجزاء كبيرة من سد دربندخان الواقع جنوب شرق مدينة السليمانية، وتعطيل في انتاج الطاقة الكهربائية منه بالتسبب.


أما تركيا فقد قامت بإنجاز مشاريع وسدود ضخمة على نَهري دجلة والفرات، مثل: مشروع سد الكاب، وسد اليسوا، ومشروع الكاب وحده يُخزّن 100 مليار متر مكعب سنويا، أي: ثلاثة أضعاف ما تخزنه سدود سوريا والعراق مجتمعة، وستنخفض كمية مياه دجلة الداخلة إلى العراق بحدود النصف، وهذا سيقضي على ثُلُث مساحة الأراضي الزراعية في العراق.


إن أمن العراق المائي يتعرض لخطر جدي -حاضرا ومستقبلا- بسبب أزمة المياه وسياسات دول الجوار حيالها، وما يقابله من إهمال غير مبرر لهذه المشكلة من قبل السياسيين والمختصين في العراق الجديد، سواءٌ باتخاذ القرارات الصائبة أو بأعداد البحوث والدراسات الموضوعية لتشخيصها وعلاجها، ناهيك عن سوء الإدارة من قبل حكومات الاحتلال المتعاقبة للموارد المائية، وعدم شعورها بالمسؤولية؛ الأمر الذي فاقم الأزمة المائية في البلاد.


إن مشكلة المياه في العراق كبيرة، وان لم تظهر واضحة اليوم، فإنها سوف تكون من أخطر المشاكل التي تواجه البلد مستقبلا، حتى أن كثيرا من الباحثين والمحللين يقولون إن الحرب القادمة في المنطقة وفي العالم هي حرب مياه وليس حرب سياسة، ويطلقون على القرن الحالي بالحقبة المائية، بدلاً من الحقبة النفطية التي اتصف بها القرن السابق؛ لذا لابد أن نتنبه إلى جدية هذا التحدي، الذي يرقى لأن يكون أخطر التحديات التي تهدد البلاد، وإيجاد السبل الناجعة لمواجهته بالفعل ووضع المعالجات الكفيلة بتفاديه.


يُذكر أن حاجة العراق الحالية تقدر بنحو 50 مليار متر مكعب، إلا أن نسبة العجز في مياه الأنهار الواصلة إلى العراق من دول المنبع ستتجاوز في المستقبل القريب 33 مليار متر مكعب سنويا، إذا استمر الحال على ما هو عليه.


أضف تعليق