تقتحم قوات الاحتلال عاصمة الدولة دوما في زهو زائد بالنصر، وتلك حالة طبيعية لمثل تلك القوات التي لا علم لأفرادها إلا ما علموه لهم، في تلك اللحظة يحاول أفراد القوات المحتلة، تبديد خوفهم – فهم غرباء - والتعبير عن ارتياحهم إن نجوا من الموت خلال القتال.
هنا يتعمد قادتهم أن يشعلوا حماسهم أكثر وأن يثيروا فيهم شعورا أعلى بالنصر، لتأكيد سطوة جيش الاحتلال ولإشعار الشعب المحتل بأن عهدا جديدا قد بدأ، وأن زمنا جديدا بدأت صفحاته ومن لا يدخل بين كلمات صفحة الاحتلال، فلن يواجه إلا بقوة هؤلاء.
والقادة العسكريون فور أن يدخلوا عاصمة الدولة المحتلة، يعمدوا إلى تغيير نمط خططهم الدعائية وقواعد حربهم النفسية فورا؛ فإذ خاضوا القتال تحت شعار العدو قوي ويجب أن نكون أقوياء لنهزمه، فهم ما أن يحققوا نصرهم حتى يقولوا: كان جيشا ضعيفا وهزمناه دون عناء.
هم يرسلون رسالة هزيمة للشعب الذى انكسر جيشه، يقولون للشعب، جيشكم الذي تصورتم أنه سيحميكم هزمناه دون عناء، وعليه فليس أمامكم إلا الانصياع لإرادتنا وتنفيذ أوامرنا.
لكن التاريخ لا يكتب في صفحة ويترك الصفحة التالية بيضاء، هو يملأ كل الصفحات، إذ الزمن لا يتوقف عن النبض والحركة، والتدافع لا يتوقف إلا بإرادة المولى لتكون نهاية البشرية في الحياة الدنيا.
الحياة تحقق نفسها في الحدث لا في السكون، ولذا يخاف القائد العسكري لقوات الاحتلال خلال استعراض قواته بالنصر، إذا وجد سكونا يلف المكان، أما القائد السياسي - صاحب قرار الاحتلال – فيكون الأشد قلقا، إذ هو يعلم أنه لم يفتح إلا صفحة الاحتلال التي لن يكتب فيها وحده .
(1)
تلك بداية فقط، ومن يبدأ الحرب أو الاحتلال عبر التاريخ كله – بقرار منه – لا يعرف كيف ستكون النهاية، ومن يدخل عاصمة دولة أخرى تحت قوة السلاح لا يعرف ما سيجري مهما كانت قوة معلوماته أو توقعاته، وهو من بعد لا يعرف ماذا سيجري بعد استعراض النصر؟.
يترقب الجميع رد فعل الشعب المحتل؛ فإن أشعل الشعب مقاومة تكون الصفحة الثانية من التاريخ، قد وجدت من سيكتبها، ويكون الزمن قد دار دورة أخرى، يقول الخبراء إنها لحظة الرعب الكبير لصاحب القرار السياسي وقائد القوات، ويقولون أيضا إن من يحقق النصر ويبدأ الاحتلال يصيبه الزهو والهوس بقوته، ويكون في ذلك مقتله.
(2)
وفي العراق، لم يمنح الشعب للمحتل فرصة الشعور بالزهو، ولم يمنحوه وقتا لكي يرسم خطوط طابور عرض النصر.
أُصيبت دبابة أمريكية إصابة مباشرة أمام أعين العالم وأعلنت المقاومة انطلاقها، فكان أن ذهب جورج بوش إلى حاملة طائرات في عرض البحار والمحيطات أو في المياه الدولية؛ ليعلن الانتصار.
كانت لحظات الطلقة الأولى للمقاومة، وكأنها الدهر كله، أصبح التاريخ والمستقبل يقاس بالدقائق لا الساعات ولا الأيام ولا الشهور ولا السنين، كانت بداية المقاومة إعلان بأن عداد دورة الزمن، قد انعدل ميزانه، ومن الآن فصاعدا سينحاز إلى الشعب المحتل لا الى قوة الاحتلال، ذاق من تصوروا أن النصر تحقق، مرارة الهزيمة والانكسار، وبعد ثماني سنوات عاشوها بين الموت والقتل والدمار.. انسحبوا مدحورين.
(3)
قرروا سحب قواتهم، جورج بوش الذي أعلن الحرب والدمار وأعلن الانتصار في أعلى البحار، هو نفسه من قرر سحب قواته، تقرر الانسحاب دون إعلان الهزيمة، وبديلا لخطة الاحتلال الأولى التي أعلن الزمن أن صفحتها الثانية كانت صفحة هزيمة الجيش الأمريكي، جرى إقرار خطط لتدمير العراق من داخله بأيدي إيران وميلشياتها، هذا ما كتب في الصفحة الثالثة من صفحات الصراع.
(4)
وقتها لم يعلنوا كيف هزموا، ولا ماذا خسروا.
وجاء زمن ترامب، هو يقول الآن إنهم هزموا ، دققوا هو يقول الأمر على طريقته إذ يصف قرار الغزو بالغبي، كما يرصد المليارات لإعادة بناء الجيش الأمريكي.
وهو عما قريب سيقول الأمر علانية، فالصراع داخل الدولة التي احتلت العراق سيكون صادما لكل من لم يفهم حجم خسائر أمريكا في العراق، وماذا أحدثت مقاومة أهل العراق هناك على بعد آلاف الأميال.
(5)
الزمن يدور.. بعد يوم الاحتلال... ومن يوم إعلان المقاومة .. ليكتب صفحة التحرير، وفي أولها وآخرها أن شعب العراق لم يهزم عدوا واحدا، هزم أمريكا أولا، وهزم إيران ثانيا.
الصفحة الرابعة ستكون صفحة هزيمة إيران.
مقال خاص لموقع الهيئة نت
