هيئة علماء المسلمين في العراق

أولويات الحركة الإسلامية ... د. محمد مورو
أولويات الحركة الإسلامية ... د. محمد مورو أولويات الحركة الإسلامية ... د. محمد مورو

أولويات الحركة الإسلامية ... د. محمد مورو

إن الله سبحانه وتعالى حين خلق الكون، وجعل الإنسان خليفة في الأرض، فإنه سبحانه قد صمم الكون بشكل متكامل الحكمة، وملبيا لحاجات الإنسان، بل إن الله تعالى قد سخر الكون لخدمة الإنسان من ناحية، وليكون بتصميمه الفذ هاديا إلى الله ببساطة شديدة في كل صغيرة وكبيرة، أي أن كل ما في هذا الكون يقود إلى معرفة الله تعالى حق المعرفة، وأنه في المقابل زود الإنسان بالعقل وأعطاه كل ما يحتاج إليه لأداء الأمانة "أمانة الاستخلاف".


وهكذا فإن التفاعل بين العقل والكون يقود إلى الله، بل بين العقل والنفس والروح والوجدان مع الكون يقود إلى معرفة الله.


ولقد أودع الله تعالى في فطرة الإنسان قبل أن يستخلفه "معرفة الله تعالى" وأخذ عليه ميثاقا بذلك.


(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)[الأعراف: ١٧٢].


كما أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد ذكّر الإنسان بذلك الميثاق عبر الأنبياء والكتب السماوية المنزلة، والعلماء الذين يدعون إلى طريق الله، وهكذا فإن الله ـ سبحانه ـ قد أقام على الناس الحجة الكاملة.


إن الله ـ تعالى ـ قد أنزل الإنسان إلى الأرض واستخلفه فيها وهو يحمل العدة الكافية لهذا العمل، ويمتلك الشروط الأساسية لهذه المهمة سواء بتركيب الكون ذات وتسخيره، أو بما ركب الله في الإنسان من عقل وروح وإرادة وتكييف جسدي فذ.


إننا حيثما تنقلنا في أرجاء القرآن الفسيحة لمطالعة الآيات والمقاطع الخاصة بخلق الكون وتهيئة الظروف الصالحة للحياة على الأرض وتمعنا فيها وجدناها ترتبط ارتباطا عضويا أصيلا بالدور الذي بعث الإنسان لكي يؤديه وبالعمل والجدوى والنظام والغاية التي خلق من أجلها، ولتكون آية للإنسان ودليلا على وجود الله تعالى.


 (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[البقرة: ٢٩].


(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)[الإسراء: ١٢].


(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)[يونس: ٥].


(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ)[السجدة:٧].


(قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)[فصلت: 9 - ١٢].


(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)[الروم: ٨]


(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)  [فصلت: ٥٣]


(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)[فاطر: 27 - ٢٨]


(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ)[آل عمران: ١٩٠].


(وَاللهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا)[فاطر: ١١].


وهذا فإن كل شيء في الكون يثبت - وببساطة شديدة - الإعجاز الإلهي بدءا من تركيب الكون، وعلاقات النجوم (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِوَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)[الواقعة: 75 - ٧٦]، وإمساك الكواكب والنجوم، وتجهيز الأرض ورفع السموات بغير عمد، ثم خلق الجنين أطوارا، وهندسة الجسم الإنساني واختلاف الألسنة والألوان، وأسرار الجبال والنبات، الخ.. أي أن في كل شيء حكمة تثبت وجود الخالق العظيم وقدرته.


ثم الدعوة إلى إعمال العقل، وهناك عشرات الآيات تدعو للتدبر والتعقل والبصر والنظر والتفكير، وإذا كان هناك تفاعل حر بين العقل والكون فإن النتيجة الوحيدة هي الإيمان بالله بلا أي عوائق.


ولكن على الجانب الآخر تقف القوى الشيطانية، لتمنع هذا التفاعل الحر بين العقل وآيات الله في الكون، وذلك بمنع حرية التفكير، ومنع الحوار الحر بين الناس أيضا وذلك عن طريق الاستبداد السياسي، ووسائل الإعلام التخريبية. انظر إلى فرعون مثلا يقول: (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ)[غافر: ٢٩].


(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: ٢٦].


أي أن فرعون، وكل القوى الشيطانية تجمع الناس على رأي واحد، وتمنع الدعاة بالقمع والاضطهاد وبالاتهامات المختلفة.


ومن ناحية أخرى فإن الله سبحانه وتعالى قد سخر للإنسان كل ما في الكون لخدمته ومساعدته على إنجاز الأمانة الموكولة إليه.


 (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِوَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ) [إبراهيم: ٣٢]


(وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَوَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)[إبراهيم: ٣٣]


(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا)[النحل: ١٤]


(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) [لقمان: ٢٠]


(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)[الجاثية: ١٣]


(اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 32 – 34].


وتدبر تلك الآيات الكريمة يعطينا الحقائق التالية:


-       أن الله تعالى خلق للإنسان من الثروات ما يلبي احتياجاته جميعًا دون قصور أو نفاد.


-   أن المشكلة تكمن في الظلم أو الكفر، والظلم هنا بمعنى سوء توزيع الثروة والكفر بمعنى عدم استثمار الموارد بصورة علمية صحيحة.


ومحصلة كل ما سبق ميثاق الفطرة آيات الله في الكون، تسخير الكون للإنسان، تزويد الإنسان بالعقل، تساوي مباشرة الإيمان بالله تعالى وأن تكون مواقف الإنسان وأعماله وأهدافه منسجمة مع الكون ونواميسه ومع السنن الإلهية؛ مما يترتب عليه إنجاز حضاري هائل وسعادة بشرية منقطعة النظير، وهذا ما سعى إليه الإسلام منذ اليوم الأول للخليقة وحتى الآن.


ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة، فهناك القوى الشيطانية التي تحاول دائما منع كل هذا التفاعل الطبيعي بطرقها المختلفة؛ فعلى المستوى الشخصي هناك الإغواء الشيطاني، وعلى المستوى الجماعي هناك القوى الشيطانية التي تقوم بما يلي:


-   منع الإنسان من حرية التفكير، وحرية المناقشة، وحرية الاجتماع، ومختلف الحريات حتى لا يسمع الإنسان إلا صوتا واحدا هو صوت الضلال، ذلك أن تلك القوى تدرك أن إطلاق حرية الإنسان سوف تقود الإنسان إلى اختيار طريق الله سبحانه، لأنه طريق الفطرة، وطريق العقل، طريق الانسجام بين كل ما في الكون.


-   قمع الإنسان اقتصاديا وحرمانه ودعم الطبقات المُسْتَغِلة التي تكبل الإنسان بما أنه غارق في تأمين لقمة عيشه ـ من الوصول إلى الله.


-   إغراق الإنسان في الضلالات الاجتماعية المختلفة التي تعوقه عن الوصول إلى الإسلام مثل: الدعوات القومية، والعرقية، والعنصرية، والتعصب للعائلة، والقبيلة، والوطن.. الخ.


-   والنتيجة الطبيعية لمثل هذا إنجاز حضاري متفكك، وتمزق بشري شامل وشقاء نفسي عميق، ومصير سيئ في الدنيا والآخرة. وهذا هو ما سعت إليه بالضبط المذاهب الوضعية.


-   ومن هنا، فالصراع بين القوة الإسلامية، والقوى الشيطانية صراع ممتد إلى كل شيء: في النفس، وفي الجماعة، وفي المنهج، وفي العلم، وفي الاقتصاد وفي الحركة اليومية.


ووفقا للخصائص السابقة لكل قوة وأساليب عملها، فإن عمل الطليعة المسلمة يتمثل في أمرين:


-       التربية: لمواجهة الإغواء الشيطاني.


-       الجهاد: العسكري والسياسي والاجتماعي.


العسكري: لإزالة القوى الاستكبارية.


والسياسي: لانتزاع الحريات الإنسانية مثل حق التفكير الحر وحق الاجتماع وحق إصدار الصحف.. الخ.


والاجتماعي: بالتصدي لكل أشكال الظلم الاقتصادي وبناء المجتمع اللا طبقي وكذلك إسقاط الانتماءات القومية والعرقية والعائلية.


وبكلمة أخرى فإن الطليعة المسلمة، مطالبة بالانحياز إلى المستضعفين من البشر وقيادتهم في اتجاه انتزاع حرياتهم السياسية ومطالبهم الاقتصادية العادلة.


ومحصلة هذا كله أن يصبح الإنسان حرا في الاختيار، وبالتالي تحقق للفطرة والعقل والكون تناغمه البسيط والمنطقي الذي يقود إلى الله تعالى.


إن مهمة الطليعة المؤمنة ليست إكراه الناس على الإسلام، ولا التفكير بدلا عنها أولها، ولكن فقط تحقيق الظرف الحر للاختيار، أي إقامة الحجة على الناس، وبديهي أن الناس إذا ما انتفت عوامل الضغط تستجيب إلى فطرتها.


 


أضف تعليق