بيتر سيموندز
ترجمة: بتول عبد الحق
في 16 من شهر أغسطس الحالي، نشرت جريدة (النيويورك تايمز) الأمريكية، مقالاً غير اعتيادي أوردت فيه تفاصيل اجتماع خاصّ و عالي المستوى عُقد خلال الأسبوع الماضي خصيصاً في البنتاغون لأجل التباحث حول الإستراتيجية الأمريكيّة في العراق،
و استناداً لذات الجريدة فإن الرئيس بوش حضر أشغال الاجتماع شخصياً برفقة مجموعة من مجلس حربه، و استغل المناسبة لكي يعبر عن استيائه و عدم رضاه من مستوى الأداء الذي ظهرت به الحكومة العراقية -و حتى الشعب العراقي- لأنها لم تبرهن عن دعم كبير للسياسة الأمريكية المتبناة هناك.
على وجه أعم، أفاد المشاركون بأن الرئيس بوش عبر عن 'إحباطه' من موقف العراقيين الذين لم يستطيعوا تقدير حجم 'التضحيات' التي قدّمتها أمريكا، فضلاً عن حيرة الإدارة البيضاوية من الكم الهائل من التعاطف الذي أبداه هؤلاء العراقيون تجاه حزب الله اللبناني، خصوصاً تلك المسيرات الحاشدة التي نُظّمت في بغداد لأجل التعبير عن تأييد هذا الحزب في الرابع من الشهر الجاري، و التي ندّد فيها العراقيون بموقف أمريكا الداعم لإسرائيل في حربها على لبنان، مثلما أفادت (النيويورك تايمز) أيضاً.
المقال -موضوع حديثنا- و الذي أورد كل تفاصل القضية، لم يتحدث بطبيعة الحال بشكل علني عما يمكننا القول عنه 'انقلاب على المالكي'، و لكنه على الرغم من ذلك، يشكل رسالة تحمل تهديداً واضحاً موجهاً إلى نظام بغداد الحالي، ملخصه أن أيام هذا الأخير، ما لم يتبع التعليمات الأمريكية بشكل دقيق، باتت معدودة؛ إذ قبيل رحلته إلى واشنطن الشّهر الماضي، أدان نوري المالكي-علانية- الغزو الإسرائيليّ للبنان، على الرغم من أن هذه التعليقات لا تعدو أن تكون تعبيراً 'شاحباً' عن الرأي العام السائد في العراق، و في كل منطقة الشرق الأوسط، في الوقت الذي كانت الإدارة الأمريكية تحضر لهذه الزيارة لأجل أن تستخلص منها كل مقومات النجاح خلال انتخابات التجديد النصفي لمقاعد الكونغرس في شهر نوفمبر القادم.
و في عددها الذي صدر بعد ذلك بيوم واحد (17/08)، تقصّت (النيويورك تايمز) آخر تقرير أصدرته وزارة الدفاع الأمريكية عن الحالة في العراق و مبلغ الكارثة هناك؛ إذ أوردت أرقاماً تؤكد أن عدد القنابل و العبوات الناسفة الموضوعة على جوانب الطرق، و التي تستهدف الأرتال العسكرية الأمريكية، بلغ خلال شهر يوليو/تموز وحده رقماً قياسياً هو (2625) قنبلة مقابل (1454) قنبلة سجلت خلال أول شهور العام الجاري بمعنى أن 'التمرد' بات أكثر اتساعاً، و أكثر سوءاً على الرغم من كل الإجراءات و التدابير التي اتخذت لأجل الحد منه إلى درجة قال عنها أحد المسؤولين في البنتاغون لذات الجريدة إن ما يحدث في العراق حالياً، يُعدّ أكثر الثورات شراسة على مر التاريخ قبل أن يضيف بما يفيد بأن 'المتمردين' باتوا يحظون بدعم متزايد وسط السكان، فضلاً على أنه صار واضحاً أنهم قادرون على التحكم في العنف و توجيهه في أي وقت يشاؤون و في أي نقطة يرغبون.
الاعتراف المدهش وسط كل هذا هو ما أفاد به أحد المشاركين في اللقاء؛ إذ أفاد بأن أعضاء الإدارة الأمريكية كانوا يخططون فعلاً 'لعهد ما بعد المالكي' ثم أضاف كاتب المقال: "لقد أطلعني خبير عسكري -رفض الكشف عن اسمه- أن كبار الموظفين في البيت الأبيض مهتمون بالبدائل الممكنة أكثر من اهتمامهم بالديموقراطية في حد ذاتها". ثم يواصل بالقول: "الجميع في الإدارة حذّر إلى حدّ ما، لكنّك يمكن أن تشعر بقلقهم الخاصّ أن هذا سوف يجري بعيدًا عن الديموقراطيّة".
لقد باءت كل محاولات إدارة بوش بالفشل، و لم تنجح كل جهودها في أن تجعل من غزوها غير القانوني للعراق، والخارق لكل الأعراف والمواثيق الدولية عملية هدفها دمقرطة هذا البلد؛ إذ إن المسؤولين الأمريكان، شاركوا و منذ البداية في العام 2003، في الترتيبات الدستورية ثم تنظيم الانتخابات و تشكيل الحكومات المتعاقبة، و لقد عين المالكي في شهر أيار/مايو المنصرم فقط بعد حملة من البيت الأبيض هدفها كان إجبار سلفه، إبراهيم الجعفري، على التنحي، و هنا يمكننا أن نفهم من كلام الخبير العسكري أن واشنطن تفكر ربما في خطط تتيح لها التخلص من المالكي و إزاحته، ثم تعيين نظام مباشر أكثر 'قابلية' للتعاطي و قبول الطلبات الأمريكية.
لن تكون هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها الإمبريالية الأمريكية إلى عزل إحدى الدمى التي عينتها ففي العام 1963، و حينما كانت الإستراتيجية تتخبط في فيتنام، أعطت إدارة الرئيس كينيدي الضّوء الأخضر إلى مسؤولي الجيش لكي يعمد هؤلاء إلى الإطاحة بـ: (نجو دينه ديم) الرّئيس الفيتناميّ الجنوبيّ المتحالف و المخلص لواشنطن؛ لأن أساليبه الديكتاتورية أثارت موجة من السخط الشعبي، و أضعفت الجهود الأمريكيّة لتقوية الجيش الفيتناميّ الجنوبيّ في حربه ضدّ جبهة التحرير الوطني الشمالية.
في أول أيام شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1963، تمرّدت وحدات الجيش الجنوبي و سارت صوب القصر الرّئاسيّ في سايغون فهرب (ديم) و اتصل بالمسمى (هنري كابوت لودج) الذي كان يشغل وقتها منصب سفير لواشنطن هناك، فأعرب له هذا الأخير عن حرص الولايات المتحدة على سلامته، و أنها لم تشارك في الانقلاب ضده، ثم بعد ذلك بساعات قليلة من استسلامه (لحلفائه)، قُتل (ديم) برفقة أخيه سيئ السمعة: (نجو دينه نيو)، و استبدل حكمه بطغمة عسكرية أكثر ولاء منه.
لإدارة الرئيس بوش الكثير من الأسباب التي تجعل منها تقدّم على التخلص من المالكي؛ ففي بداية الغزو لم تكن نية واشنطن الحقيقية، تأسيس حكومة ديموقراطية مستقلة في بغداد؛ لأن غايتها من العملية كلها، كانت تحويل البلاد إلى دولة تابعة و مرنة تشكل قاعدة تنطلق منها تصاميمها إلى منطقة الشرق الأوسط برمتها، خصوصاً صوب إيران. إلاّ أن البيت الأبيض بات حالياً، مستاء و بشكل متزايد من النّتائج السياسية لهذه المغامرة العسكرية؛ إذ -و بسبب أخطائها المتكررة- باتت الإدارة البيضاوية مجبرة على التحالف مع حكومة ائتلافية تسيطر عليها الأحزاب الشيعية ذات العلاقات القديمة و المتوطدة مع طهران
في الداخل العراقي،
كانت حسابات الإدارة البيضاوية تعتمد على أن حكومة المالكي سوف تتمكن من قمع المقاومة ضدّ أمريكا، و توقف تدحرج الأوضاع نحو الحرب الأهلية، ثم هاهي تكتشف أن حساباتها باتت عديمة القيمة، و صار البنتاغون مجبراً على أن يرسل جنوداً إضافيين إلى بغداد في جهد يائس لغزو العاصمة من جديد، و مع انتخابات الكونغرس القريبة مضافاً إليها، هزيمة (ليبرمان) عضو مجلس الشّيوخ الموالي للحرب في انتخابات الحزب الدّيموقراطيّ في 8 أغسطس، باتت المخاوف تزداد في البيت الأبيض من ذلك الشّعور المعارض للحرب الواسعة الانتشار، و الذي سيهلك الحزب الجمهوري في الاستحقاقات وسط هذه الحالة من الإخفاق في العراق، أفغانستان و الشّرق الأوسط بكامله.
من هنا فإن تنحية المالكي و فرض نظام عسكريّ ذليل، كلا الأمرين معاً، سوف يحلا قليلاً من المشكلات السياسية التي تعترض سبيل إدارة بوش؛ إذ سوف يؤدي هذا إلى إزالة كل معارضة في بغداد من خلال الردع القاسي؛ فضلاً عما يعنيه هذا من القدرة بعد ذلك على المواصلة، و إتمام المخططات صوب كل من إيران و سورية.
الحقيقة أيضاً أن تقارير (النيويورك تايمز) عن النقاشات في كل من البيت الأبيض و البنتاغون جاءت لتعزز بالموازاة مع هذا، تلك الشائعات المتداولة في بغداد، و التي تتحدث عن قرب حدوث انقلاب على المالكي ففي 29 تموز/يوليو الماضي، أوردت جريدة (الواشنطن بوست) كلاماً نقلته على لسان السياسي الشيعي البارز: 'هادي الأميري' و الذي حذّر من أن البعض: "صار يتحدث عن ضرورة قلب ائتلاف المالكي و استبداله بحكومة 'إنقاذ وطني'؛ لأن هذا سوف يعني إلغاء الدستور و الانتخابات، ثم العودة إلى نقطة البداية" قبل أن يضيف ذات السياسي: "إننا لن نقبل بهذا أبداً".
لقد اعتمدت الولايات المتحدة-و طيلة خمس السنوات الأخيرة- سياسة متهورة في الشرق الأوسط و إدارة بوش هي بالطبع، أكثر من قادرة على قلب نظام عراقي لم يعد يناسب رغباتها و تطلعاتها، و لكن هذا بعيد على أن يثبت الاحتلال بمعنى أنه لن يأتي بنتائج أفضل من النتائج التي حققها التخلص من (ديم) في العام 1963؛ لأن أمريكا، مثلما كانت في فيتنام، إنما هي بصدد الغرق أكثر فأكثر، في المستنقع السياسي و العسكري العراقي
الاسلام اليوم
هل تخطّط واشنطن للانقلاب على المالكي؟
