أصبح العراق ما بعد الغزو منطقة نزاعات دولية مسلحة، لا توجد فيه مقومات دولة، تحكمه حكومات طائفية خاضعة للهيمنة الإيرانية التي تسعى لإدامة الفوضى في البلاد، من خلال إطلاق يد المليشيات التي بدأت بالظهور بعد 2003 والتي أصبحت تعيث في الأرض فسادا وقتلا وخطفا وتنكيلا وانتقاما وتأجيجا للفتنة الطائفية، بعد أن استحوذت على المال والسلاح والقدرات العسكرية الأخرى؛ الأمر الذي جعلها القوة المتنفذة الوحيدة في البلاد.
وتضخمت أعداد الميليشيات الطائفية بشكل سريع بعد إنشاء ما بات يعرف باسم (وحدات الحشد الشعبي) التي تكونت بموجب فتوى المرجع الشيعي في العراق عام 2014؛ بحجة قتال (تنظيم الدولة)، حيث وصلت أعدادها إلى نحو 100،000 عنصر من الميليشيات (الشيعية) الطائفية المدعومة من إيران، وهي مجاميع مسلحة متهمة بارتكاب أبشع الجرائم بحق المدنيين العزل من العرب (السُنّة)، وتسعى جاهدة لتنفيذ مخططات إيران التوسعية من خلال نسف مقتضيات السلم المجتمعي وتأجيج الفتنة بين أبناء الشعب الواحد في البلد الذي تسود فيه، الأمر الذي من شأنه إثارة مخاوف جدية من تمدد هذه الميليشيات أكثر فأكثر لإذكاء المزيد من العنف الطائفي في المنطقة.
وعملت إيران منذ البداية على تعطيل المؤسسة العسكرية وحل الجيش العراقي وإنهاء وجوده -حصل هذا عن طريق الحاكم المدني الأمريكي في حينه (بول بريمر)- فأصبح لدينا في العراق ما بعد الغزو جيش عقيدته طائفية تتحكم به قيادات فاسدة، فضلا عن عدم امتلاكه المقومات اللازمة للاضطلاع بمهامه، وبالتالي أصبحت الميليشيات هي الأقوى على الأرض، وحلت المليشيات السائبة محل الجيش النظامي بعد الاحتلال.
وما زالت إيران هي الراعي الكبير لجميع المليشيات الطائفية في العراق - خاصة تلك التي يحتفظ قادتها بروابط وثيقة مع قيادات (الحرس الثوري الإيراني) وعدد من الشخصيات الدينية المؤثرة في طهران- مثل (منظمة بدر) و(عصائب أهل الحق) و(كتائب حزب الله) و(سرايا السلام) وغيرها، وكلها متهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ناهيك عن أن هذه الإمدادات المستمرة للسلاح هي في الواقع خرق فاضح للقرار الأممي بمنع صادرات الأسلحة من إيران دون الحصول على موافقة مسبقة من مجلس الأمن الدولي.
وإن تقديم إيران الأسلحة مباشرة إلى الميليشيات الطائفية في العراق ذات السجل الحافل بالانتهاكات يجعلها شريكا مباشرا في جرائم الحرب التي ترتكبها تلك الميليشيات في البلاد، لا سيما أن هذه الميليشيات لا تخضع للمساءلة عن الانتهاكات التي يرتكبها قادتها أو عناصرها على حد سواء، حيث سادت في العراق بعد الاحتلال الأمريكي والهيمنة الإيرانية التي أعقبته ثقافة الإفلات من العقاب، من أجل تكريس الجريمة وإحلال المزيد من الفوضى في البلاد.
أما عن تواجد (قاسم سليماني)، وهو قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، في جميع أنحاء العراق -وفي سورية واليمن أيضا- خلال الأعوام الثلاثة الماضية لقيادة الميليشيات الطائفية؛ فإنه دليل آخر لا يقبل الشك على أن ميليشيات إيران تملأ الفراغ الاستراتيجي في العراق.
ولقراءة المشهد بالشكل الصحيح نجد أن الميليشيات الطائفية التي يقودها (سليماني) في العراق تعمل على الأرض بدعم كامل من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة؛ بالرغم من تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية لعدد من تلك المليشيات كـ(منظمات إرهابية أجنبية)، فضلا عن إعلان الميليشيات المدعومة من إيران بأنها ستهاجم القوات الأمريكية بعد أن كشف البنتاغون عن أن آلافا من مشاة البحرية ستدعم القوات الحكومية في الانبار ونينوى لمقاتلة (داعش) هناك.
وباعتقادي أن ما تقدم يعود سببه، أولا: سياسة إدارة أوباما الناعمة -السائرة على خطى أسلافها في إنشاء الإمبراطورية الكبرى في تأريخ العالم من دون استعمال القوة العسكرية- وثانيا: تضاؤل الحضور العربي أو غيابه في الواقع، الأمران اللذان كان لهما الأثر الفاعل في تسليم العراق (على طبق من ذهب) لإيران، من خلال إحلال الهيمنة الإيرانية محل الاحتلال الأمريكي البغيض للعراق.
