حصلت أكبر عمليات الفساد في العراق عندما ساقت الولايات المتحدة الأمريكية مبررات الحرب من أجل غزو العراق، وانطلقت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية بترويج الأكاذيب وفبركتها على الرغم من أثبات وكالة الطاقة الذرية وفرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل قبل شن العدوان المخطط له سلفا؛ طمعا في الاستحواذ على أكبر احتياطي نفطي في العالم، بعد السعودية، مع نحو 112 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة.
ومن أجل ذلك؛ فسحت الولايات المتحدة المجال لحكم العراق في مرحلة ما بعد الغزو من قبل حكومات نهبت المال العام على نطاق غير مسبوق في التاريخ الحديث؛ حيث قام المسؤولون بتحويل المال العام إلى حسابات مصرفية شخصية أو لشراء أصول عقارية في عدد من البلدان في أوروبا الغربية والشرقية وبريطانيا وأمريكا، فضلا عن (جزر البهاما) و(الجزر العذراء البريطانية) و(جزر الكايمان)، ناهيك عن دول في الشرق الأوسط مثل الإمارات العربية المتحدة والأردن.
ووضعت منظمة الشفافية الدولية العراق ما بعد الغزو في قمة قائمة الدول الأكثر فسادا، فيما كان الشعب العراقي هو الضحية، وهنالك براهين واقعية تؤكد وجود ذلك الداء الخبيث بما يجعل الناظر في غنى عن الاطلاع على الوثائق والأدلة.[1]
وشهد العراق ما بعد الغزو تخلفا في القطاعات الرئيسية ولا سيما: القطاع الزراعي والصناعي والاقتصادي وقبل ذلك في قطاع التعليم والقضاء؛ وكل هذا بسبب استشراء الفساد المالي والإداري في جميع دوائر الدولة دون استثناء، فضلا عن عمليات تهريب النفط على نطاق واسع من قبل الأحزاب المتنفذة في البلاد.
لقد تفاقمت ظاهرة الفساد في عهد نوري المالكي ووجد الفاسدون وسراق المال العام والمرتشون أرضاً خصبة لنمو ورعاية هذه الظاهرة الخطيرة التي لا تهدد العراق فقط وانما تهدد الاقتصاد العالمي، وقد عرف العراق خلال السنوات الثمان من حكم المالكي تنامياً خطيراً في الفساد.
إن عددا كبيرا من السياسيين المختلسين هم من طالبي اللجوء السابقين الذين يحملون جوازات سفر غربية؛ حيث أصبح السياسيون مصدر إحباط كبير للعراقيين داخل العراق وخارجه على حد سواء، وهم يبحثون عن لقمة عيش لسد جوع أطفالهم ويرون هؤلاء اللصوص ينعمون بثمار جرائمهم، ويعيشون حياة الثراء الفاحش، في حين كان معظم السياسيين يعيشون قبل العام 2003 على المساعدات التي تقدمها لهم البلدان التي كانوا لاجئين فيها.
ويقع على المجتمع الدولي مسؤولية التحرك ضد المختلسين الذين يجوبون العالم مع جوازات سفرهم بعد حصلوهم على هذه الثروات الضخمة فجأة، التي من الواضح أنها لم تكن عبر وسائل مشروعة، وإن التساهل المريب في هذا الجانب من قبل الحكومات الغربية بل ودعمها للحكومات الفاسدة في العراق؛ يُعدُ دليلا على التواطؤ الغربي ويفسر التبرير الدائم من قبل الغرب لما يحدث في العراق من سرقات وجرائم ومآس.
تم استبدال الكثير من الموظفين الأكفاء في الوزارات بمن هم اقل منهم كفاءة لأنهم معتمدون من الجهات السياسية الجديدة
وقال سياسي عراقي سابق يعيش في المنفى لهيئة الاذاعة البريطانية في عام 2009، طلب عدم ذكر اسمه: لقد تم استبدال الكثير من الموظفين الأكفاء في الوزارات بمن هم اقل منهم كفاءة؛ لأنهم معتمدون من الجهات السياسية الجديدة. فكانت اشاعة الفساد أسهل الطرق لسرقة الملايين من الدولارات، وبعض هذه الأموال تنتقل إلى الميليشيات والجماعات الإرهابية. واضاف ان الحكومة لا يمكنها كسب الحرب ضد الإرهاب ان لم تكافح الفساد أولا، والحرب ضد الفساد أصعب بكثير.
سبق للنائب في البرلمان الحالي، مشعان الجبوري؛ أن اعترف قبل أشهر في تصريحات تتعلق بمستوى الفساد الذي تفشى في العراق بعد 2003؛ أنه جزء من الفساد الموجود في العراق، مؤكداً أن جميع السياسيين وأصحاب المناصب الرفيعة في البلاد "فاسدون ومرتشون"، وأضاف: باعتقادي لا يمكن إصلاح ما أفسده ساسة العراق الجديد.
وأشار الجبوري إلى أنه هو وأعضاء لجنة النزاهة البرلمانية، عندما يرغبون في فتح أي ملف متعلق بالفساد، يأتي الفاسدون ويسلموننا رشوة بملايين الدولارات، ويتم على إثرها فورا إغلاق ذلك الملف بالكامل.
وأوضح الجبوري أنه لا يستطيع أحد رفع دعوى قضائية على مسؤولين فاسدين، لافتاً إلى أنه لو تم ذلك من الممكن اختطاف القاضي، ومن الممكن أن يطاح برئيس مجلس القضاء إذا أراد فتح ملفات فساد.
واختتم الجبوري حديثه بتوجيه اتهامات لرئيس لجنة النزاهة البرلمانية، طلال الزوبعي، تتعلق بالفساد، متهماً إياه بجمع 100 مليون دولار خلال ترؤسه اللجنة، وقال الجبوري: رئيس لجنة النزاهة بحاجة إلى لجنة نزاهة.
وكان اختيار طلال الزوبعي رئيسا للجنة النزاهة البرلمانية وفقاً لمفهوم المحاصصة الحزبية والطائفية التي تم تكريسها في العراق ما بعد الغزو، وفي 24/8/2016 أعادت اللجنة انتخابه رئيساً لها بإجماع أعضائها.
وقال جمال البطيخ، أحد الوجوه العشائرية والنائب في البرلمان الحالي: إنه منذ 12 عاماً تم فتح مناقشة الميزانية في البرلمان، لكنها لم تُغلَق قط. ولم تكن هناك محاسبة على الإطلاق، وقال بأنهم كانوا يُقَسّمون الغنائم فيما بينهم كل هذا الوقت.
وقال إياد علاوي، عندما كان نائبا لرئيس الجمهورية: هناك نقابات منظمة للفساد تدير البلاد، فضلا عن الميلشيات، ما من قوة في العراق تستطيع التصدي لهم.
وأعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي، بدعم من السيستاني المرجع الشيعي الأعلى في البلاد، عن إطلاق حملة لمكافحة الفساد للتخلص من كبار المسؤولين الفاسدين وتقديم آليات مساءلة معتمدة على مختلف مستويات قطاع الأعمال والسياسة؛ ولكن على أرض الواقع نجد أنه تمت مكافئة الفاسدين في العراق عن طريق تسليمهم مناصب عليا في الرئاسات الثلاث ومناصب أخرى في الحكومة.
وأوضح وزير المالية، هوشيار زيباري صعوبة موقف الحكومة بعد هبوط أسعار النفط عالميا، قائلا: اقتصادنا ريعي بنسبة 93-95%، وقد استنفدنا الاحتياطيات النقدية المحلية التي لدينا، يجب علينا أن نؤهب الشعب للتغيرات المستقبلية.
وهناك عدد كبير من المسؤولين والسياسيين العراقيين صادروا ممتلكات عامة وخاصة بمساعدة السلطات الحكومية في جميع أنحاء البلاد بشكل غير قانوني، بحسب عضو البرلمان محسن السعدون.
وقال وزير المالية المستقيل رافع العيساوي في عدة مناسبات إنه يمتلك ملفات فساد كثيرة وكبيرة تدين رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وتعهد بتسليمها إلى المرجعية الشيعية في النجف؛ لكنه لم يكشف عنها إلى يومنا هذا.
وحين يعترف أحد أركان النظام القائم في العراق، إبراهيم الجعفري، وزير الخارجية الحالي، بأن الفساد قد تحول إلى ثقافة في العراق، فذلك يشير إلى اطمئنانه من أن أيّ محاولة لفضح الفساد ستبوء بالفشل، وذلك من خلال مقاومتها اجتماعيا.
الفساد في قطاع النفط
يقول المراقبون إن معدل تهريب النفط الخام في العراق ما بعد الغزو يصل إلى (500000) برميل يوميا، والخسائر في هذا القطاع تقدر بأكثر من 7 مليارات دولار أمريكي سنويا، فضلا عن عقود وصفقات مشبوهة لا حصر لها في هذا القطاع الرئيس ولا يمكن بالنتيجة إحصاء الخسائر الناجمة عنها.
وكشفت تحقيقات أجرتها مؤسستان صحفيتان استرالية وأميركية (فيرفاكس ميديا) و(هافينغتون بوست)، في 31 / 3 / 2016، عن أكبر فضيحة فساد تتعلق بالعقود النفطية في العراق ما بعد الغزو، مبينة أنها تتضمن دفع رشى بمئات الملايين من الدولارات لمسؤولين عراقيين من كبار مسؤولي وزارة النفط وشركة نفط الجنوب، لتمرير صفقات بقيمة مليارات الدولارات لصالح شركات عالمية مختلفة.
وأثبتت التحقيقات أن فضيحة فساد كبرى، تتعلق بصفقات النفط في العراق ما بعد الغزو محورها شركة (يونا أويل) التي تتخذ من إمارة موناكو مقراً لها، مشيرة إلى أن اللاعبين الرئيسيين في القضية هم كل من مدير شركة يونا اويل في العراق، (باسل الجراح)، والمدير التنفيذي للشركة، (سايروس احساني)، ونائب رئيس الوزراء السابق ووزير التعليم العالي والبحث العلمي الحالي، (حسين الشهرستاني)، ووزير النفط السابق (عبد الكريم لعيبي)، و(كفاح نعمان)، المدير العام لشركة نفط الجنوب، و(ضياء جعفر الموسوي) نائب وزير النفط في الحكومة الحالية، و(عدي القريشي) الموظف في وزارة النفط، فضلاً عن مسؤولين آخرين.
ويذكر أن شركة (يونا أويل) التي أسسها (عطا أحساني) إيراني المولد، الذي غادر طهران بعد قيام ثورة 1979 ونقل أعماله الى أوروبا ويعاونه في إدارتها ولداه: سايروس وسامان، تنفي بشدة حدوث أي مخالفات وتؤكد أن الادعاءات عارية عن الصحة.
استشراء الفساد الإداري والمالي
أصبح الفساد الاداري والمالي سمة العراق ما بعد الغزو، حيث إن الحصول على مكاسب مادية أو معنوية بطرق غير مشروعة اضحى بصورة كبيرة في المجتمع وخاصة في الدوائر والوزارات الحكومية ما تسبب بمشكلات اقتصادية كبيرة ومركبة، وأن تفشي الفساد في المؤسسات الحكومية يُعد من اشد العقبات خطورة في وجه الانتعاش الاقتصادي وانه يظهر في استغلال السلطة لأغراض خاصة سواء في تجارة الوظيفة او الابتزاز او المحاباة أو إهدار المال العام أو التلاعب فيه، الأمر الذي من شأنه تحويل الموارد والامكانات الحقيقية من مصلحة العامة إلى مصلحة أشخاص حيث يتم تركيز المصلحة والثروة في يد فئة قليلة من المجتمع.
بلغ حجم الفساد في قطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية أكثر من 30 مليار دولار
أما صفقات السلاح المشبوهة فحدث ولا حرج؛ فقد كانت صفقة 2007 مع صربيا بكلفة (850) مليون دولار أمريكي لشراء طائرات غير صالحة للعمل وشراء بنادق قديمة مصبوغة واستيراد آليات عسكرية رديئة الصنع من أوروبا الشرقية، فضلا عن فقدان نحو (20000) قطعة سلاح من وزارة الدفاع في ذلك الوقت.
وبلغ حجم الفساد في قطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية أكثر من 30 مليار دولار خصصت كمبالغ لصيانة وتطوير منشآت هذا القطاع؛ لكن هذه المبالغ المالية الضخمة تبددت وفقدت عن طريق العقود الوهمية والاتفاقيات غير المنفذة والسرقات المباشرة، ويذكر ان الإنتاج الحالي للطاقة الكهربائية في العراق يبلغ (11000) ميغاواط في حين يحتاج البلد نحو (23000) ميغاواط كحد أدنى.
وقالت شركة (إرنست أند يونغ) العالمية المتخصصة بالتدقيق المالي: إن الوزارات الحكومية في العراق غارقة في الفساد ويتلاعب القائمون عليها بالمال العام.
رواتب الساسة والمسؤولين
الساسة والمسؤولون في العراق ما بعد الغزو يكلفون ميزانية الدولة مبالغ تزيد على 1000 مليار دينار سنويا؛ وفقاً للمعلومات التي جمعناها عن رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث والنواب والوزراء ووكلاء الوزراء ومن هم بدرجة وزير أو وكيل وزير، علماً أن هذه المبالغ لا تشمل تكاليف إيفاد المسؤولين، ولا تشمل شراء السيارات المصفحة، وتغيير أثاث المكاتب، وهو ما يفعله المسؤولون بشكل دوري. وكان توزيع الرواتب كالآتي:
- رواتب رئاسة الجمهورية المكونة من أربع أشخاص، أكثر من ١٢ مليار دينار سنوياً.
- رواتب رئاسة البرلمان المكونة من ثلاث أشخاص، أكثر من 8 مليار دينار سنوياً.
- رواتب رئاسة الوزراء المكونة من أربع أشخاص أكثر من ١٠ مليار دينار سنوياً.
- رواتب الوزراء البالغ عددهم ٣٤ وزيرا، مع المخصصات والنثريات، أكثر من ٤٠ مليار دينار سنويا.
- رواتب ومخصصات نواب البرلمان البالغ عددهم ٣٢٨ نائبا، أكثر من ٢٢٠ مليار دينار سنويا.
- رواتب ومخصصات رؤساء مجالس المحافظات والمحافظين البالغ عددهم ٣٦ رئيسا ومحافظا، أكثر من ٦٠ مليار دينار سنويا.
- رواتب وكلاء الوزارات والمستشارين والمفتشين العامين البالغ عددهم ٢٣٨ وكيلاً ومستشاراً ومفتشاً عاماً، أكثر من ٧٥ مليار دينار سنوياً.
- رواتب المستشارين الذين يعملون في رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية البالغ عددهم ١٠٠ مستشار، أكثر من ٣٠ مليار دينار سنويا.
- رواتب أعضاء مجالس المحافظات البالغ عددهم ٤٤٧ عضوا، أكثر من ٥٧٦ مليار دينار سنويا.
وعلى الرغم من الأزمة المالية في العراق والعجز الكبير في الميزانية العامة للبلاد؛ فقد وافق رئيس الوزراء حيدر العبادي مؤخراً على زيادة جديدة في رواتب نواب البرلمان بدءا من شهر شباط 2017، وفقا للجنة المالية البرلمانية.
الوظائف الوهمية
تقدر حجم الخسائر المادية جراء الوظائف الوهمية في العراق ما بعد الغزو بأكثر من 8000 مليار دينار سنوياً.
وقال هوشيار زيباري إن مشكلة الحكومة الرئيسية هي قضية الجنود الأشباح، هناك حوالي 780 مليار دينار تصرف شهرياً كمرتبات يتم دفعها لأشخاص غير موجودين في الواقع، ولا توجد آلية لمراقبة هذه الأموال إلى يومنا هذا. وأضاف: وفي أحوال أخرى يدفع الجنود نصف رواتبهم للضباط مقابل عدم ذهابهم إلى أماكن عملهم، ولا توجد أيضا رقابة مالية لمثل هذه الحالات.
وكان بابكر زيباري، القائد السابق لأركان الجيش في العراق، قد اعترف بأن قضية الجنود الأشباح تقض مضاجع الجيش، وهي قضية تضاف إلى قضايا مناقصات الأسلحة المشبوهة.
ويعتقد زيباري أن قضية الجنود الأشباح كانت أحد أسباب سقوط الموصل، ثاني أكبر مدن العراق في منتصف 2014، ويتساءل عن عدم تقديم الجنرالات وغيرهم من كبار الضباط المسؤولين عن هذه الفضيحة للمحاكمة حتى الآن.
الأموال المهربة من العراق
مرة أخرى، يتم تسليط الضوء على موضوع تدفق الأموال غير المشروعة من الأنظمة والحكومات الفاسدة، وهذه المرة في قضية أوراق بنما. وإن ما يثير الدهشة هو تحول العديد من المؤسسات المالية (المحترمة) إلى جهات تغض الطرف عن الأشخاص الذين يتمتعون بالحصانة سياسياً، وهذا الأمر ليس فقط في سويسرا كما نرى مع أسماء كبيرة مثل بنك إتش إس بي سي،(HSBC)؛ الأمر الذي يعزز مزاعم الفساد على نطاق أوسع.
لقد دفعت (أوراق بنما) وزارة الخزانة الأمريكية والجهات المعنية في المملكة المتحدة إلى تحديد موعد نهائي للبنوك من أجل الكشف عن تفاصيل علاقات العملاء مع مكتب (ماساك فونسيكا)، وهو مكتب محاماة في بنما ومزود خدمة للشركات مع أكثر من 40 مكتباً في جميع أنحاء العالم.
العراق، مع ما يعاني منه من فساد، يمكن أن تكون (أوراق بنما) اختبارا حقيقيا لجهود المجتمع الدولي لمساعدة البلاد في استعادة وضعها الطبيعي من جديد. حيث إن العراق بحاجة ماسة إلى استعادة جميع الأصول المسروقة من أجل إعادة الإعمار، وهو أمر غير متوقع حصوله.
هل سيُلاحق السياسيون العراقيون في الخارج؟!!
وجه آخر من أوجه التناقض الغربي يتجلى بعد إصدار مؤتمر لندن في 14/5/2016، قانون مكافحة الفساد ومساءلة كل شخص يمتلك ثروة هائلة: من أين لك هذا ؟.
ومررت بريطانيا القانون، الذي بات يعرف بـ( Bhaz decision ) أو (قرار باز)، لغرض مكافحة غسيل الأموال واسترداد المسروقات من خلال شراء العقارات والاستثمارات في المملكة المتحدة بأثر رجعي، وأعلنت 33 دولة تعاونها في ذلك.
ووفقا للقرار، أصبحت بريطانيا ملتزمة بالطلب من الشركات تقديم جميع المعاملات وعقود الشراء السابقة واللاحقة، لتكون تحت أعين البنك المركزي والهيئات التنظيمية البريطانية، ووفقا للقرار سيتم التحري عن مصدر المال ومساءلة من اشترى أو جلب أموالاً لغرض الاستثمار في بريطانيا ودول أخرى مثل أمريكا ودول أخرى.
وبهذا القرار فإن السياسيين -الذين جاء بهم الاحتلال الأمريكي - البريطاني للعراق والذين تاجروا بدماء العراقيين وسرقوا أموال الشعب واشتروا العقارات هنا وهناك- سوف يتم تقديمهم للعدالة بمجرد تحريك أي قضية ضدهم بهذا الخصوص في أي محكمة في العالم، وعليهم الوقوف أمام المحاكم عن قضايا السرقات تلك.
وقد أوردت إحدى الصحف البريطانية خبرا عن بيع أغلى منزل في العالم إلى المشتري (أحمد نوري المالكي)، بمبلغ (275) مليون يورو، أي ما يعادل (301) مليون دولار أمريكي، وبينت الصحيفة أن مساحة قطعة الأرض حوالي (4645) متر مربع، والبناء يتوسط القطعة، وفيه حديقة ضخمة جدا، ويقع القصر بين منطقتي فرساي ومارلي لوروا في العاصمة الفرنسية، باريس. وقال موقع بلومبرج إن الشخص الذي اشترى هذا العقار طلب عدم الكشف عن هويته، لكن مصادر مقربة من نوري المالكي، وفقا للصحيفة، قالت إن ابنه أحمد اشترى هذا القصر الضخم في باريس[2].
وتشير معظم الدراسات والتقارير عن الفساد والسرقات إلى أن مئات المباني وعشرات الشوارع تم شراؤها من قبل سياسيين عراقيين، في لندن وحدها.
وللأسف لم تتخذ، إلى الآن، أي من وسائل الإعلام أو وكالات إنفاذ القانون في الدول المعنية أو في أي مكان آخر على وجه البسيطة أي إجراء ضد هؤلاء السياسيين، مع أن بعضهم أدينوا من قبل المحاكم العراقية غيابيا، وهو موقف غير مسؤول من المجتمع الدولي الذي ينبغي عليه أن يقود الطريق في ملاحقة المختلسين الذين يقيمون في هذا البلد أو ذاك والذين حصلوا على ثروات ضخمة بعد أن قضوا بضع سنوات في المناصب الرسمية في العراق ما بعد الغزو.
امتيازات شاذة لنواب البرلمان
بات الفساد تحت قبة البرلمان في العراق ما بعد الغزو كبيرا جدا إلى الحد الذي دفع صحيفة (ديلي ميل) البريطانية عبر تقرير نشرته عام 2013 إلى عد (البرلمان العراقي أفسد مؤسسة في التاريخ)، بسبب كثرة الأموال والامتيازات التي يحصل عليها عضو المجلس من دون تقديمه أي قانون يهم البلد.
حيث يتقاضى البرلماني في العراق راتباً يفوق راتب عضو الكونغرس الأميركي، وفي المقابل لم يقدم البرلمان أي مسؤول عن حالة الفساد المالي والإداري في البلاد ولم يقم بأي خطوة جدية لمحاربة هذه الظاهرة المنتشرة في كافة مفاصل الدولة، التي جعلتها دولة عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها وبالتالي عمت حالة من فوضى الفساد، ولم تعد هناك ضوابط قانونية تمنع عمليات النهب وسرقة المال العام.
وأوضحت الصحيفة أن البرلماني الذي يفشل في الحصول على مقعد في الدورة التالية تتم إحالته الى التقاعد المفبرك ليتقاضى 80 % من راتبه الشهري مدى الحياة، ويسمح له أيضا بالاحتفاظ بجواز سفره الدبلوماسي هو وجميع أفراد أسرته.
وأكدت الصحيفة البريطانية أن هذه الامتيازات الشاذة التي اخترعها البرلمان في العراق ما بعد الغزو تتم سرقتها من قوت الفقراء والأيتام والأرامل.
إن وقائع استجواب المسؤولين الحكوميين في البرلمان الحالي تعد على أصابع اليد، مقارنة بعدد الجلسات الاعتيادية التي اتسمت في معظمها بعدم الجدوى خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية، لأنها لم تفرز قوانين وقرارات حقيقية تمس حياة المواطن وتحدث فيها تغييرا ملموسا.
ومن يتابع الاستجوابات التي شهدها البرلمان في العراق خلال الأعوام الماضية يكتشف من خلال نتائجها عدم جديتها، ولعل أشهرها عملية استجواب وزير التجارة الأسبق في عهد حكومة المالكي، فلاح السوداني، بعد أن ثبت تورطه في عمليات فساد مالية كبيرة جدا، حيث لم تتخذ بحقه أي إجراءات لاستعادة ما سرقه من أموال، واستطاع أن يغادر العراق إلى بريطانيا التي يحمل جنسيتها ليعاود نشاطه التجاري وصفقاته من هناك، وقبله حازم الشعلان الذي تولى وزارة الدفاع، واتهم بسرقة مليار دولار نتيجة صفقات وهمية عقدتها الوزارة في عهده وصدر بحقه قرار يقضي بسجنه لمدة سبعة أعوام؛ لكنه غادر العراق إلى بريطانيا التي يحمل جنسيتها عبر مطار بغداد دون أن يعترضه أحد.
وكذا الحال مع وزير الكهرباء الأسبق أيهم السامرائي الذي عاد هو الآخر إلى أميركا التي يحمل جنسيتها بعد أن اتهمه القضاء بقضية إبرام عقود وهمية بقيمة ملياري دولار لإعادة تأهيل الكهرباء. وهناك أسماء عديدة أخرى غير هذه كانت قد غادرت العراق بعد أن ثبت تورطها بعمليات فساد مالي ولكن لم تخضع للقانون، ولعلّ طريقة انتهاء عملية استجواب وزير المالية في نهاية شهر سبتمبر 2016 بالطريقة ذاتها خير دليل على مسرحية هذه المشاهد التمثيلية.
وفي مطلع شهر آب 2016 تم استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي، خلال جلسة خرج فيها العبيدي عن المألوف واتهم رئيس البرلمان وأعضاء آخرين في المجلس بالتورط في ملفات فساد خاصة بعقود استيراد أسلحة، إلى جانب مساومات لإغلاق ملف استجوابه بهذا الخصوص مقابل دفع مليوني دولار على سبيل الرشوة، وللحبكة الدرامية انسحب الجبوري على إثر هذه الاتهامات من الجلسة.
وتمت تبرئة رئيس البرلمان من تهم الفساد خلال دقائق، في جلسة سريعة جدا في مكتب إحدى المحاكم؛ الأمر الذي يؤكد فقدان القضاء في العراق ما بعد الغزو لكل مقومات الحياد والاستقلالية.
ضمن مناخ مشبع بالفساد كهذا ليس مستغربا أن تكون نتيجة الاستجوابات الاكتفاء بإقالة المسؤول الحكومي من منصبه، دون أن يتبع ذلك جرد لأمواله قبل وبعد توليه المنصب، ولو تمت هذه العملية لكانت نتيجتها إيداع العشرات من المسؤولين الكبار المستجوَبين في السجن ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة؛ لأن غالبيتهم قبل أن يتسلموا المسؤولية كانوا من طبقات متوسطة وأصبحوا من بعدها في عداد الأثرياء؛ بناءً على ذلك؛ فما جدوى الاستجوابات إذا كان المسؤول الحكومي حتى بعد إدانته وإعفائه من المنصب سيحتفظ بما نهبه من أموال الدولة؟!!
قسم حقوق الإنسان
25 جمادى الأولى 1438هـ
22 شباط 2017م
[1] http://www.transparency.org/news/feature/corruption_perceptions_index_2016
[2] https://search4dinar.wordpress.com/2016/02/01/the-independent-ahmed-nouri-al-maliki-bought-the-most-expensive-house-in-the-world-b301-million/
