إن أهل السنة والجماعة يعتقدون سلامة القرآن العظيم من التحريف، والتبديل، والتغيير، والنقص، والزيادة بأي وجه من الوجوه، ويرون أن القول بذلك , طعن في وعد الله تعالى الذي لا يتخلف، وذلك قوله سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9].
والظن بأن الصحابة أو بعضهم أقدم على ذلك طعن في الله، وفي رسوله.
ذلك أن الله تعالى لم يكن لينصر رسوله على أمم الكفر والشرك، ثم يحيطه بجماعة من المنافقين يربيهم ويعلمهم ويؤاكلهم ويجالسهم ويعيش دهره معهم، وهم خونة فجرة، لا يؤتمنون على وحي، ولا يصلحون لحمل الرسالة، وتبليغ الدين، فأي طعن في الله تعالى فوق هذا الطعن؟! وأي تكذيب لوعد الله بالنصر والتمكين وإكمال الدين فوق هذا التكذيب؟!.
وكيف يسعى رسول الله صلى الله عليه وسلم لهداية أمم الأرض، وهو عاجز عن أن يصطفي جماعة قليلة من حوله؟!.
وأي نصر وفتح يهبه الله له، وهو لا يفتأ يؤاكل ويجالس، بل ويصاهر ويناسب كفاراً منافقين سيسعون إلى تغيير القرآن وتبديله؟!.
والظن بأن الصحابة الذين جمعوا القرآن، ودونوه يمكن أن يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه طعن في الدين كله، وهل جاءنا الدين إلا عن طريقهم؟! وهل وصول الإسلام إلينا إلا ثمرة من ثمار دعوتهم وجهادهم؟!
ومن هنا كان قول أهل السنة والجماعة، أن من ادعى وجود التحريف في القرآن فهو كافر، ومن قال قولاً يفضي إلى تضليل الأمة فهو كافر.
وقد كتب أهل السنة في ذلك كتابات متنوعة، منها ما يذكرونه في أبواب الردة من كتب الفقه، وينصون على حكم هذه المسألة، ومنها ما هو في سياق الرد على الزنادقة والملاحدة والطوائف المنحرفة، ومنها ما يذكر في كتب الاعتقاد في بيان منزلة القرآن الكريم. ومنها تآليف معاصرة اهتمت بتقرير المسألة، ودحض شبهات المخالفين.
وقد أستدلّ العُلماء المحقّقون على عدم وقوع التحريف في القرآن بجملة من الاَدلّة الحاسمة، هي من القوّة والمتانة بحيث يسقط معها كل ما زعموا عن التحريف ، وتدفع كلّ ما أُلصق بجلال وكرامة القرآن الكريم وتُفنّد القول بذلك وتُبطِله علما ان الذي قال بالتحريف هم القلّة النادرة الشاذّة.
وفيما يلي نذكر بعض الادلة وأهمّها:
1 ـ حِفظ الله سبحانه للقرآن الكريم، ولذا لم يتّفق لاَمرٍ تاريخي من بداهة البقاء مثلما اتّفق للقرآن الكريم، فهو الكتاب السماوي الوحيد الذي تعهّدت المشيئة الاِلهية ببقائه مصوناً من تلاعب أهل الاَهواء ومن التحريف وإلى الاَبد حيثُ قال تعالى: ((إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر , 9 .
فالمراد بالذكر ـ كما يقول المفسّرون ـ في هذه الآية: القرآن الكريم، وصيانة القرآن من التحريف من أبرز مصاديق الحفظ المصُرّح به في هذه الآية، ولولا أن تكفّل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم وصيانته عن الزيادة والنقصان لدُسّ فيه ما ليس منه، كما دُسّ في الكتب المتقدّمة المنزلة من عند الله، فلم يبقَ فيها سوى مادخل عليها من ركيك الكلام وباطل القول، ولكن الكتاب الكريم قد نفى كلّ غريب، وسلم من الشوائب والدخل، فلم يبق إلاّ كلام الربّ سليماً صافياً محفوظاً.
2 ـ نفي الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب الكريم بصريح قوله تعالى: ((وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ))فصلت 41-42 . والتحريف من أظهر مصاديق الباطل المذكور في الآية، وعليه فالقرآن مصونٌ عن التحريف وعن أن تناله يد التغيير منذ نزوله وإلى يوم القيامة، لاَنّه تنزيلٌ من لدن حكيم حميد، ويشهد لدخول التحريف في الباطل الذي نفته الآية عن الكتاب، أنّ الآية وصفت الكتاب بالعِزّة، وعزّة الشيء تقتضي المحافظة عليه من التغيير والضياع والتلاعب، ومن التصرف فيه بما يشينه ويحطّ من كرامته وإلى الاَبد.
3 ـ قوله تعالى: ((إنَّ عَلَينا جَمعَهُ وقُرآنَهُ، فإذا قَرَأناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ، ثُمَّ إنَّ عَلَينا بَيَانَهُ)) القيامة 16-19 . فعن ابن عباس وغيره: إنّ المعنى: إنّ علينا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ عليك حتّى تحفظه ويمكنك تلاوته، فلا تخف فوت شيءٍ منه.
4 ـ عن ابن عباس (رضي الله عنهما ) قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال ( إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه ) رواه الحاكم .
وهذا يقتضي أن يكون القرآن الكريم مدوّناً في عهده (صلى الله عليه وسلم) بجميع آياته وسوره حتّى يصحّ إطلاق اسم الكتاب عليه، ويقتضي أيضاً بقاء القرآن كما كان عليه على عهده (صلى الله عليه وسلم) إلى يوم القيامة ، وإلاّ فلا معنى للاَمر باتّباع القرآن والرجوع إليه والتمسّك به، إذا كان الآمر يعلم بأنّ قرآنه سيُحرّف ويبدّل في يومٍ ما!
ومن بعض كلام أهل السنة في ذلك ايضا :
قال القاضي عياض في كتابه: الشفا في بيان حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم 2/304.
(وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول "الحمد لله رب العالمين" إلى آخر " قل أعوذ برب الناس" أنه كلام الله، ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفاً مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامداً لكل هذا أنه كافر ).
وقال ابن قدامة في لمعة الاعتقاد (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر ).
وقال القاضي أبو يعلى (والقرآن ما غُيِّر ولا بُدِّل ولا نُقِص منه، ولا زِيدَ فيه، خلافاً لكل القائلين: إن القرآن قد غير وبدل وخولف بين نظمه وترتيبه). وقال (إن القرآن جمع بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، وأجمعوا عليه، ولم ينكر منكر، ولا رد أحد من الصحابة ذلك ولا طعن فيه، ولو كان مغيراً مبدلاً لوجب أن ينقل عن أحد من الصحابة أنه طعن فيه، لأن مثل هذا لا يجوز أن ينكتم في مستقر العادة... ولأنه لو كان مغيراً ومبدلاً لوجب على علي رضي الله عنه أن يبينه ويصلحه، ويبين للناس بياناً عاماً أنه أصلح ما كان مغيراً، فلما لم يفعل ذلك ، بل كان يقرؤه ويستعمله، دل على أنه غير مبدل، ولا مغير).اهـ.
وليعلم أن بعض ضعاف العقول ظنوا أن إثبات النسخ نوع من التحريف، وحاولوا أن يشنعوا على أهل السنة بذلك، وهذا ناشئ من الجهل، واتباع الهوى، فإن النسخ قد دل عليه القرآن وأثبتته السنة، ولا يصدر إلا عن الله، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن زعم أن في كتب السنة روايات صحيحة تعتمد شيئاً من تحريف القرآن فهو كاذب.
ومن ادعى أن روايات التحريف عند غير أهل السنة مقابلة بمثلها عند أهل السنة فهو مغالط، وذلك من وجهين: الأول: أن القضية ليست في روايات قد تصح، وقد تضعف، ولكن في تصريح بعض أئمة الضلال بكون القرآن محرفاً ومبدلاً ومغيراً.
والثاني: أنه على فرض وجود روايات من ذلك عند أهل السنة، فهي ساقطة باطلة قابلها أهل السنة بالإنكار، وحكموا على من اعتقد هذا التحريف بالكفر والردة، وهذا ما لم تفعله الفرق المنحرفة الطاعنة في القرآن، فإنهم يثبتون الروايات، ويتبنون ما تدل عليه، ولا يجرؤون على تكفير من اعتقدها ودان بها.
والله أعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمع وترتيب
محمد صادق
