هيئة علماء المسلمين في العراق

التغلغل الإسرائيلي في العراق عبر بوابة كردستان - رائد فوزي احمود
التغلغل الإسرائيلي في العراق عبر بوابة كردستان - رائد فوزي احمود التغلغل الإسرائيلي في العراق عبر بوابة كردستان - رائد فوزي احمود

التغلغل الإسرائيلي في العراق عبر بوابة كردستان - رائد فوزي احمود

ترجع جذور العلاقة الإسرائيلية مع إقليم كردستان العراق وتحديدا مع القيادة الكردية إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل في العام 1943م واستمرت هذه العلاقة حتى يومنا هذا. وتمحورت العلاقة على تبادل استخباراتي عن وضع القوات والجيش العراقي والحال العام في العراق مقابل إمداد الحركة الكردية الساعية للاستقلال عن المركز بالسلاح والمال وفي بعض الأحيان التدريب. وقد حكمت المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى طبيعة العلاقة وشكلها بحيث كان الدور الكردي يرتبط بما تمليه عليه السياسة والمصلحة الإسرائيلية. فعلى الرغم من طول الفترة الزمنية التي مرت بها العلاقات بين الجانين إلا انها لم تتطور بالصيغة المقبولة، فإسرائيل حكمت على هذه العلاقة من زاوية مصالحها بحيث أدركت أن مساعدتها للأكراد بعد فترة طويلة من العلاقات بينهما لا تسير إلى أي اتجاه ولا تحقق شيئا ملموساً لصالح إسرائيل، الأمر الذي أبقت فيه الأخيرة حدود علاقتها بأضيق الحدود حتى احتلال العراق في العام 2003 ([1])؛ إذ نشطت الدبلوماسية الإسرائيلية، وتم الإعلان رسمياً عن رحلات إلى إقليم كردستان لرجال أعمال إسرائيليين، في حين نشطت السياسة الإسرائيلية عبر أجهزتها الاقتصادية والأمنية (الموساد) للعمل في شمال العراق بصورة أكثر اتساعاً.
 
  لقد نشط الإسرائيليون في العمل داخل العراق، حيث أقتصر في بداية الأمر على المناطق الشمالية خلال فترة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق وخصوصاً في غياب سلطة بغداد في هذه المناطق نتيجة الحظر الجوي الذي فرضته قوات التحالف على شمال وجنوب العراق. وامتد نشاطها فيما بعد لعموم العراق بعد سقوط الدولة ومؤسساتها الأمنية والسياسية (نيسان 2003)؛ إذ أصبح العراق وليس فقط المناطق الشمالية مسرحاً للعديد من أجهزة الاستخبارات الدولية ومن ضمنها الموساد الإسرائيلي.
 
 
 
  * قلق إسرائيل من التغلغل الإيراني في العراق
 
  تمحورت العلاقة الاسرائيلية خلال الايام الاولى من الحرب مع كردستان أو العراق بالاحرى على الجانب الاستخباراتي بالدرجة الاساس بحيث قدمت المخابرات الإسرائيلية الكثير من النصائح في كيفية إدارة الامور في العراق. كانت اكثر المخاطر التي تواجه الادارة الامريكية واسرائيل بالدرجة الاساس هو التغلغل الايراني في العراق. وهو ما دفع الاسرائيليون الى محاولة تقديم النصائح لأقناع الامريكان بضرورة مراقبة الحدود مع إيران للحيلولة دون تغلغل عناصر الاستخبارات الايرانية أو تسلل عناصر المقاومة الخارجية التي اخذت بالتوافد على العراق خلال الاشهر القليلة التي أعقبت الاحتلال الامريكي للعراق. لأعتبارات مختلفة يتركز أغلبها حول الجوانب الفنية والامكانيات المتاحة, لم تأخذ الادارة الامريكية بالنصائح الاسرائيلية بهذا الجانب الامر الذي انعكس فيما بعد بتصاعد أعمال المقاومة ضد القوات المحتلة، فالحدود الطويلة بين العراق وايران (1500 كيلو متر) عدا عن عدم قدرتها على منع الحجاج الايرانيين من الدخول للعراق لغايات تتعلق بممارسة طقوسهم الدينية حالت جميعها دون مراقبة الحدود. لذلك أخذت إسرائيل معتمدة على علاقتها التاريخية الاستراتيجية مع الاكراد بالتدخل في العراق بصورة منفردة وفي بعض الاحيان بعيداً عن الامريكان، وكان هذا التدخل مرة أخرى تحكمه المصالح الاسرائيلية ، فبادرت بتدريب قوات الشرطة على مراقبة الحدود مزودة اياها بتقنيات حديثة لمراقبة الحدود، بالاضافة الى تدريب قوات كومندوز ذات تدريب عالي حتى انها شاركت في مراقبة الحدود مع ايران وسوريه سواء بصورة ظاهرة للعيان او من خلال عناصر استخباراتها المتخفية بملابس مدنية أو من خلال التجول كمدنيين لا يحملون جواز سفر إسرائيلي.
 
 
 
  * استياء دول الجوار
 
  التغلغل الاسرائيلي في العراق كان دوماً على رأس جدول اعمال جميع المؤتمرات التي كانت تعقد في دول الجوار العراقي المعنية بالعراق حيث كانت هذه الدول تعرب عن استيائها للتغلغل الاسرائيلي فيها؛ إذ تشير تقارير استخباراتية عربية وغربية الى ان النشاط الاسرائيلي يشمل بالاضافة الى الاعمال الاستخباراتية وجمع المعلومات، دفع رجال اعمال اسرائيليين لشراء أراض وممتلكات في كردستان العراق ومناطق أخرى، ودعم الاكراد السوريين والايرانيين المعارضين لنظم الحكم في البلدين، وتدريب "قوات كوماندوز" كردية لمواجهة كل من النفوذ الشيعي في العراق وتحديدا لمواجهة تيار مقتدى الصدر الفاعل الاساسي حالياً في الشمال مقارنة بباقي الاحزاب الشيعية وهو ما يعزز المخاوف الاسرائيلية من التغلغل الايراني باعتباره احد التنظيمات المدعومة من إيران. وكذلك لمواجهة السنة او قوى المقاومة (اغلبها سنية). ولعل اشارة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر بعد أحداث الكفل التي راح ضحيتها أربع من اليهود العام الفائت الذين قاموا بزيارة ضريح الكفل باعتباره احد الاماكن المقدسة لليهود في مدينة الحلة بجنوب العراق أنه سيقاوم ويحارب أي نفوذ إسرائيلي أو أي تطبيع للعلاقات مع الدولة العبرية له دلالته الخاصة خصوصاً أنه التنظيم الشيعي النشط في شمال العراق مقارنة بباقي التنظيمات الشيعية الآخرى، ولعل الحوادث الاخيرة في كركوك حيث عبر بعض الاكراد عن استيائهم لتصرفات جماعة الصدر ، لها مدلولاتها أيضاً خصوصاً إذا ما عرفنا حجم الدعم الايراني الذي يتلقاه هذا التنظيم وجيشه في العراق.
 
 
 
  * معالم هذه العلاقة
 
  يحاول الاسرائيليون تدريب قوات البشمركة الكردية ليكونوا أكثر تفوقاً على مجموعة القوى العراقية الاخرى سواء السنية أوالشيعية للتصدي لأي مشروع يهدد مصالحهم في العراق[2]. لقد اثارت هذه السياسة استياء العديد من الاطراف الدولية والاقليمية وتحديدا دول الجوار العراقي, مثل تركيا التي تتوجس من الوجود الإسرائيلي في كردستان، باعتباره يساعد في انفصال الاكراد وتشكيل دولة مستقلة لهم الامر الذي يؤثر على الاستقرار السياسي في مجتمعاتهم حيث يعيش في تركيا لوحدها 4 مليون كردي وهو امر قد يدخل تركيا في دوامة من العنف الداخلي لا مخرج لها. وقد افصحت تركيا كثيرا للإسرائيليين عن أهمية وحدة العراق لها وأهمية الاستقرار في المنطقة، ويبدو ان الاسرائيلين اخذوا بالاستماع لهذه النصائح مؤخراً.
 
  ان بوابة إسرائيل للدخول الى العراق تأتي عبر الاكراد، فمن جهة اعلن رئيس اقليم كردستان العراق السيد مسعود البرازني مؤخراً انه لا يجد عيباً من العلاقة الكردية الاسرائيلية لكنه أضاف ان تطوير هذه العلاقة يعتمد على العلاقة الاسرائيلية مع العراق بحيث اذا فتحت سفارة اسرائيلية في بغداد سيفتح هو قنصلية في اربيل، ومن جهة اخرى صافح وزير خارجية العراق وهو كردي "هوشيار زيباري" وزير الاقتصاد الاسرائيلي في الاردن على هامش منتدى دافوس الذي عقد في البحر الميت، غير عابىء بحجم الانتقادات التي قد يواجهها داخلياً. لكن على الرغم من التصريحات الحذرة التي اطلقها البرزاني تجاوز الرئيس العراقي السيد جلال الطالباني جميع الخطوط الحمر بحيث دشن علاقات العراق او كردستان الرسمية من خلال الجانب الاقتصادي في مقابلة اجراها معه التلفزيون الاسرائيلي معلقاً على احد الاسئلة التي اشار فيها الى ان بلاده مفتوحة امام رجال الاعمال الاسرائيليين وانه يرحب بكل مبادرة منهم لفتح باب التبادل التجاري مع العراق بصورة علنية ووجه لهم دعوة رسمية الي استثمار اموالهم في العراق. وفي مقابل يمكن القول أن هناك قبول عام لبعض القوى العراقية الحالية للعلاقة مع إسرائيل، وبالفعل تم زيارة عضو البرلمان العراقي الحالي "مثال الالوسي" إلى إسرائيل مؤكدا أهمية هذه العلاقات على الرغم من أنه ذهب إلى هناك لحضور فعاليات أكاديمية على حد تعبيره، لكنه لم يستنكر أي علاقة مع إسرائيل في المستقبل.
 
 
 
  * الشركات الإسرائيلية العاملة في العراق
 
  تتناقل الاخبار في وزارة النفط العراقية الى فوز أحدى الشركات الاسرائيلية مؤخراً بعقدين للاستثمار في مجال التنقيب عن النفط في العراق، حيث تشير التقارير الى أن شركة “سرسل” “الاسرائيلية” المدرجة على القائمة السوداء للشركات المحظور التعامل معها عربياً حصلت من خلال شركة عراقية على عقدين للتنقيب عن النفط. ويشير البعض من الاقتصاديين العراقيين الى تغلغل الشركات الاسرائيلية التالية في العراق:
 
  - شركة (شريوت حوسم) تنتج منتجات أمنية من المعدن والبلاستيك والذي أكد مديرها العام "افينوعام شكيد" أنها تعمل في تسويق المنتجات في العراق وفي المنافسة على مناقصات أمريكية كمقاولين ثانويين..
 
  - شركة (عيتس كرميئيل) تعمل على إقامة أربع محطات حدودية في إطار مشروع بناء 12 ألف نقطة حراسة للدفاع المدني العراقي بقيمة 1،6 مليون دولار أمريكي.
 
  - شركة (تامي 4) تقدم معدات لتنقية المياه للجيش الامريكي.
 
  - (شركة ترليدور) متخصصة بإنتاج النوافذ للمباني الحكومية العراقية.
 
  - (شركة تنورغاو) تنتج أدوات طبخ كاملة ووصلت أرباحها إلى مليون دولار أمريكي.
 
  - شركة (نعان دان) تعمل على إبرام صفقة لتزويد العراق بمعدات ري بقيمة 15 مليون دولار.
 
  - شركة (نطافيم) تعمل في مجال إمدادات المياه في مشروع بلغ عقده 8 مليون دولار.
 
  - شركة (نختال) العالمية المتخصصة في البنى التحتيه.
 
  - شركة (بونيت) من فرجينيا والتي حازت على مناقصة إعادة إعمار اقتصادي وتامين النمو بقيمة 47 مليون دولار.
 
  ويعلق البعض على حجم الاستثمارات الاسرائيلية في العراق بانها تجاوزت الاستثمارات العربية فيها، وقد يكون هذا الامر صحيحاً في ظل السياسة العامة في البلاد التي تذهب بالبلاد بعيداً عن العروبة عدا عن السياسة الرسمية العربية بقطاعاتها العامة والخاصة التي تتعامل مع العراق من زاوية الحيطة والحذر في الوقت الذي أخذت الشركات الاجنبية تعمل على ملء الفراغ الذي تركه غياب هذه الشركات ، هذا على الجانب الاقتصادي ، اما على الجانب السياسي حيث لا يختلف الامر؛ إذ تسعى بعض القوى العراقية بالداخل الى تغييب أي دور عربي في السياسة العراقية، عدا عن جمود وغياب عربي واضح للتعامل مع العراق في هذه المرحلة لاعتبارات مختلفة أبرزها الغموض الذي يكتنف مستقبل العراق. ولعل تأجيل مؤتمر الوفاق والمصالحة الذي ترعاه الجامعة العربية الى أجل غير مسمى أحد أوجه هذا التغييب.
 
 
 
  * الخلاصة
 
  لقد حدد الأكراد مصالحهم في العراق ورسموا لأجل تحقيقها الاستراتيجيات المنسجمة معها، حتى لو أقتضى الأمر بناء علاقة مع إسرائيل على حساب هوية ومصالح العراق كدولة عربية ، في الوقت الذي أبتعد فيه العرب -نظاماً وشعباً- تماماً عن لعب أي دور يضمن على الأقل مصالحهم الذاتية ناهيك عن الحفاظ على هوية وطابع الدولة العراقية وعروبتها.
 
  رائد فوزي احمود
باحث ونائب المدير العام، المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية

أضف تعليق