هيئة علماء المسلمين في العراق

تصنيف المسافرين ........ أندي رويل
تصنيف المسافرين ........ أندي رويل تصنيف المسافرين ........ أندي رويل

تصنيف المسافرين ........ أندي رويل

في وقت سابق من هذا الشهر، كشف صحافي التحقيقات المحنك، سيمور هيرش كيف ساندت أمريكا حملة القصف بالقنابل التي شنتها “إسرائيل” على حزب الله، حتى قبل أن تختطف هذه الجماعة المسلحة جنديين “إسرائيليين”. ووصف كيف كان المقصود من الهجوم “الإسرائيلي”، أن يكون تجريباً عملياً لضربة أمريكية ضد إيران. كما كان هذا الهجوم ضربة تنذر بضربات ستتْبعها، وتساعد حرب أمريكا الأشمل ضدّ دولِ ما تعتبره “محورَ الشرّ”، مثل إيران وسوريا.

ولو تريَّثتْ أمريكا أو “إسرائيل” وفكَّرَتا قليلاً قبل خوض هذا الصراع، لأدْرَكَتا أنه لا يمكن قصف حركات المقاومة الشعبية وحملها على الاستسلام. فمثل ذلك لم ينجح في العراق، أو فلسطين، كما لن ينجح في لبنان. وأنهى هيرش كشفه الساحق الذي نشره في مجلة “نيويوركر” بالقول: “ان تعريف الجنون هو تكرار فعل الشيء نفسه، وتَوَقُّع الحصول على نتيجة مختلفة في كل مرة”.

ولسبب غريبٍ ما، يخفق الساسة في إدراك أنك لا تستطيع قصف الناس بالقنابل في لحظة ما، ثم تتوقع أن يصادقوا على سياستك الخارجية في اللحظة التي تليها. وبالقياس نفسه لا تستطيع أن تصم بالشّرّ قطاعات كاملة من الناس، وتتوقع منها في الوقت نفسه ألا تكرهك وتحقد عليك. فمثلما كانت حرب “إسرائيل” ضد لبنان مجنونة وغير منطقية، كذلك كان رد فعل الحكومة البريطانية على اعتقال 23 شخصاً في المملكة المتحدة بسبب مؤامرة مزعومة لتفجير دزينة من الطائرات فوق المدن الأمريكية.

وبينما تم توجيه الاتهام لأحد عشر شخصاً بارتكاب جرائم مختلفة تتعلق بالمؤامرة المزعومة، طَرحتْ الحكومة فكرة “تصنيف المسافرين”، أو “التصنيف الايجابي” من أجل جعل السفر الجوي أكثر أمناً. ويعني ذلك، التحقيق في خلفيات وانتماءات المسافرين على الطائرات، لمعرفة ما إذا كانت تنسجم مع قائمة من المعايير المحددة سلفاً، والتي تطابق صورة المشتَبَه بكونه إرهابياً. فإذا كانت المعايير تنطبق عليهم، فهم معرّضون لعمليات تفتيش أمنية غاية في الشدة، بل قد يُمنَعون من السفر جَوّاً.

وكانت الحكومات الأخرى تتحاشى تطبيق هذه الاجراءات التي كانت “إسرائيل” أول مَن طبّقها، ولكنها أخذت تكتسب الدعم بسرعة كبيرة، منذ الاستنفار البريطاني الأخير. ففي الأسبوع الماضي، وافق الوزراء الأوروبيون على نظام لل “تصنيف الايجابي” للمسافرين على الخطوط الجوية الأوروبية، في اجتماع طارئ عُقد في لندن. وتريد بعض دول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة فرنسا وهولندا، أن تمضي الى أبعد من ذلك، وتطبّق عمليات تفتيش سافرة على المسافرين المسلمين. وتلك خطوة أخرى على هذا الدرب، وهي تسمّى “التصنيف العِرقي”، ولكن “التصنيف الايجابي”، و”التصنيف العرقي” يُعتَبَران شيئاً واحداً في كثير من الأحيان.

وقد حاولت الحكومة البريطانية تبديد الشائعات التي قالت إن تصنيف الركاب سوف يستهدف المسلمين، وذلك باحتجاجها بأن الناس سوف يجري فحصهم بعمليات التفتيش بما يسمى القياس الحيوي، أي إجراء مسح لخصائص العين أو الوجه. ولكن معظم الناس، يرتابون بأنه سيجري استخدام الانتماء العرقي والدين في العملية. وقد باح العنوان الرئيسي لصحيفة التايمز في الأسبوع الماضي بالحكاية كلها، إذ جاء فيه: “المسلمون يواجهون عمليات تفتيش إضافية ضمن اجراءات صارمة جديدة تطبق على المسافرين”.

ومنذ تفشّي الخوف الأمني، شدّد كبار الشخصيات في المملكة المتحدة، وفي اليمين السياسي في أمريكا، حملتهم المطالبة بتصنيف المسافرين. لورد ستيفنز هو الرئيس السابق لشرطة العاصمة، التي تتحكم بمدينة لندن، وقد كتب ضمن مقالة نشرها في الاسبوع الماضي: “إنني رجل أبيض، في الثانية والستين من العمر، وطولي 6 أقدام و4 بوصات وشرطي سابق كان يرتدي زي الشرطة- وأنا كثيراً ما أسافر جوّاً، ولكن هل تنطبق عليّ حقّاً مواصفات المفجّر الانتحاري؟”. ومضى ستيفنز الى القول: “الحقيقة أن الإرهاب الإسلامي في الغرب يتم تنفيذه على الصعيد العالمي من قبل شبّان مسلمين، لهم في العادة مظهر عِرقي مميّز، ويسافرون دائماً تقريباً وحدهم في مجموعات صغيرة جدّاً. وأنا أراهن أن نسبة ضئيلة ممّن تم تأخيرهم اليوم يملكون مثل هذه الخصائص”.

ودافعت هيثر ماكدونالد من معهد “منهاتن” اليميني عن التصنيف العرقي، ضمن برنامج لهيئة الإذاعة البريطانية، وكانت حجتها أنه بسبب كون معظم “الإرهابيين” شبّاناً مسلمين، لذا فهُم المسافرون الذين ينبغي تصنيفهم وتشخيصهم.

ومع ذلك، ليس كل أحد يؤيد هذه الإجراءات. فعلي ديزاي، الذي يحتل رتبة مرموقة في الشرطة البريطانية، والذي يعتبر أحد أكبر الموظفين المسلمين في بريطانيا، تكلم علناً ضد تشخيص المسافرين وتصنيفهم. وقد ناظر هيثر ماكدونالد في برنامج ال “بي بي سي” المذكور، وقال لها: “إن ما تقترحينه يعني أنه ينبغي أن تكون لدينا جريمة جديدة في هذه البلاد تسمّى “سفر المرء بينما يكون آسيويّاً”. واختتم بالقول: “إننا لا نستطيع ان نغض الطرف عن حقيقة أنّ الإرهابيين يأتون في جميع الأشكال والأحجام”.

وهنالك آخرون يشعرون بالقلق. يقول عنايت بنغلاوالي، الناطق باسم المجلس الإسلامي في بريطانيا، إن الحكومة البريطانية بحاجة الى أن “تفكر بعناية شديدة جدّاً” قبل أن تفكّر بتطبيق تصنيف الركاب. ويضيف: “لقد شهدنا اعتقالات مختلفة منذ 11/،9 والإرهابيون، أو المشتبه بأنهم إرهابيون، ينتمون الى خلفيات عديدة مختلفة”.

ويتفق فهد أنصاري، من لجنة حقوق الإنسان الإسلامية مع ذلك. ويقول: “الأمر مبني تماماً على افتراض عنصري يقول إن المسلمين جميعاً متماثلون أساساً، وإننا جميعاً يمكن أن نكون إرهابيين”. ويعتقد أنصاري بأن هذه السياسة “لن تؤدّي فقط الى إقصاء الشبان المسلمين، بل ستؤدي الى إقصاء المسلمين البريطانيين الكبار كذلك”.

ودانت شامي تشاكرابارتي، من منظمة “حرية” لحقوق الإنسان، بدورها تصنيف المسافرين، واعتبرته “أمناً غير ذكي”. وأضافت: “أعتقد أننا نتعامل مع إرهابيين متوحشين وربما لفترة مهمة من الزمن - وهذا يعني أناساً لا يترددون في استغلال الأطفال وإساءة معاملتهم، واستخدام الناس من مختلف الأعراق، والمعتقدات، وأناس تم تهديدهم أو تحريضهم على حمل المتفجرات”.

ولكنه يجري التعبير عن وجهات نظر تثير القلق البالغ. ففي الأسبوع الماضي، بثت شبكة “سي ان ان” الاخبارية نتائج استطلاع أجرته بشأن تصنيف المسافرين. وأجاب شخص من تورنتو قائلاً: “ما كل هذه الضجة التي تثار حول “التصنيف”؟ لقد كان إرهابيو 11/9 مسلمين ينحدرون من أصول وثقافة شرق أوسطية. والإرهابيون المتهمون في مؤامرة تفجير الطائرات في بريطانيا ينتمون الى خلفيات مماثلة. فلماذا تضيع الشرطة الوقت الثمين والموارد في البحث عن مسيحيين بيض من السويد أو أي بلد آخر عندما تتعقب إرهابيين محتملين؟ لنكُن واقعيين”.

وكتب شخص آخر ممن شملهم الاستطلاع، يُدعى أروين ديركس، “ان شكلاً من أشكال التصنيف، هو الحل الوحيد للهجمات التي تنبع من جماعة دينية واحدة. فحتى الآن، ظلّ زعماء المجتمع الإسلامي، يلقون اللوم في المشكلة على عاتق كل شخص وكل شيء، ولكنهم يرفضون تحمل المسؤولية. ولعل التصنيف يوفر حافزاً ما للزعماء الروحيين المسلمين، لكي يكونوا جزءاً من الحل بدلاً من أن يكونوا جزءاً من المشكلة”.

وفحوى كلام المشارك الأول في الاستطلاع، أنك لو كنت مسلماً شاباًّ، فلا بدّ أن تكون إرهابياً. وإذا كنت شخصاً أبيض صغير السن، فلن تكون إرهابياً. ويشكل الردّ الثاني خطراً صرفاً، لأنه ينحو باللائمة على الجالية المسلمة في وقوع المشكلة، بدلاً من النظر الى أسباب الإرهاب، مثل السياسة الخارجية لكل من بريطانيا وأمريكا.

ولا تختلف وجهة النظر هذه، العنصرية على نحو علني، والتي يعاني أصحابها من رهاب الأجانب، كثيراً عن وجهة نظر الحزب الوطني البريطاني المتطرف في يمينيته، والذي طالب في ذروة أزمة الطائرات “بمنع جميع المسلمين فوراً من السفر جوّاً الى خارج بريطانيا (أو داخلها) الى ان يتم حل الوضع الأمني بصورة تامة”. وكل ما سيفعله تصنيف المسافرين، هو وصم المسلمين بالشرّ، وإضفاء المصداقية على وجهات النظر العنصرية للحزب الوطني البريطاني. وهو بذلك وصفة جاهزة لصنع كارثة.

من المبكر جدّاً الحكم على المردود الذي ستخلّفه حملة القصف “الإسرائيلية” الفاشلة في الشرق الأوسط، ناهيك عن كونها أهم أداة لتجنيد المتطوعين، كان حزب الله يحلم بها. فالأطفال الذين لا يزالون يَحْبون، يعرفون الآن اسم العدو الذي دمّر بلادهم في حرب لا طائل تحتها.

وما نعلمه حقّاً، انه بدلاً من سياسة اللوم والقصف، يجب أن يكون هنالك وقت للتغيير الجذري للسياسة الخارجية الأوروبية والأمريكية في الشرق الأوسط. وإذا واصلت بريطانيا دعم السياسات “الإسرائيلية” والأمريكية إزاء العراق ولبنان، وسوريا وإيران، فلن يكون العالم الاّ مكاناً أشد خطورة.

حقّاً، إن السياسات الأمريكية مستمرة في توليد ردود الأفعال في المنطقة. ويقول تقرير نشره مؤخراً بيت الخبرة البريطاني تشاتام هاوس، إن “الحرب على الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة، قد عززت سلطة إيران ونفوذها في الشرق الأوسط، بدلاً من أن تقلل منها.

وبالمثل، تمضي السياسة الخارجية البريطانية في توليد ردّات الفعل. وكذلك سيفعل التحرك الأخير المتعلق بتصنيف المسافرين. وإذا واصلنا إقصاء المسلمين من سكان بريطانيا وأوروبا، فسوف ينجر المزيد من الناس نحو التطرف. ويجب علينا أن نعمل مع الجاليات المسلمة على هزيمة التطرف، لا على خلق المزيد من المتطرفين. وكما يقول علي ديزاي، السالف الذكر “الجاليات هي التي تهزم الإرهاب، وما لا نريد فعله حقّاً هو إقصاء هذه الجاليات بالذات، التي سوف تساعدنا في القبض على الإرهابيين”.

ولكن حكومتنا تعتقد بأن تصنيف المسافرين هو الطريق الى الأمام. ونحن نعلم أن ذلك سيقصي المسلمين، ويجعلنا من ثمَّ أقل أمناً. ولكن الحكومة على نحوٍ ما، تحاول إقناعنا بأنها سوف تجعلنا أكثر أمناً. وذلك تعريف صحيح للجنون، حقاً.



أندي رويل كاتب مستقل متخصص في قضايا البيئة والصحة والعولمة ويشارك في تحرير موقع “سبن ووتش” لرصد التضليل الإعلامي.


وكالة الاخبار العراقية

أضف تعليق