أكّد الأمين العام لهيئة علماء المسلمين؛ فضيلة الدكتور مثنى حارث الضاري؛ أن الحال في العراق يسوء يومًا بعد آخر، وأن كل التوقعات التي كانت حاضرة في المشهد الأول ـ مشهد الاحتلال ـ تحققت اليوم بشكل كامل وزيادة.
وقال الأمين العام في لقاء أجرته معه قناة الرافدين الفضائية ضمن برنامج (حديث الرافدين) مساء أمس السبت؛ إن التخوف من دخول العراق في نفق مظلم هو نتيجة الاحتلال وعمليته السياسية القائمة على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية.
وبيّن الدكتور الضاري؛ أن البلاد تسيطر عليها مجموعة من العصابات تحت مسمى الأحزاب، وتعمل على تهميش أبناء الشعب بهيمنتها على مقاليد الأمور، فضلاً عن ممارستها سياسة تهدف إلى تنفيذ رغبات وأهداف ومصالح دول كبرى ودول إقليمية وبالتحديد إيران.
وفي هذا السياق؛ وصف الدكتور مثنى الضاري العراق اليوم بأنه واقع في دائرة هي أشبه بمائدة اللئام؛ موضحًا أنه صار ساحة لتصفية الحسابات، ولالعبون من مختلف الجهات؛ الولايات المتحدة، وروسيا، وإيران؛ إلى جانب أطراف إقليمية أخرى، وأشار إلى أن حال العراق أصبح من السوء بمكان أن كل من لديه شأن ما يريد أن يجربه؛ يجربه الآن في الساحة العراقية والساحات العربية الأخرى، كالساحة السورية والساحة اليمنية.
العراق في هاوية حقيقية
وفي معرض حديثه؛ قال الأمين العام إن العراق لا يقف على حافة الهاوية ـ كما يحلو لبعضهم أن يقول ـ بل إنه في هاوية حقيقية في كل الجوانب؛ سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وإنسانيًا، وأضاف قائلاً: أينما وليت وجهك في العراق ستجد مآسٍ؛ بحيث لا تكاد تجد بارقة أمل هنا أو هناك في داخل العراق تدلل على أن العراقي يعيش حياة حقيقية.
وجدد الدكتور الضاري قوله بأن العراق أصبح يتذيل كل القوائم الدولية والعالمية في كل المستويات؛ سياسيًا اقتصاديًا وعلميًا، وثقافيًا، وتناول في هذا الشأن ملف التعليم كمثال على تردي الأوضاع، وأشار إلى أن منظمة مختصة لم تدرج العراق مؤخرًا في معيار الجودة لأنه يفتقر للتعليم الصحيح أصلاً، مؤكدًا أن الواقع المؤلم الذي يعيشه العراق؛ هو الثمرة الفاسدة التي قامت بإنتاجها الولايات المتحدة الأمريكية وأعانتها على ذلك إيران واستفادت منها.
هيمنة إيرانية واحتلال صريح
وعن دور طهران ونفوذها في العراق؛ أكد الأمين العام أن المشهد السياسي، والواقع الاقتصادي؛ مرتهن كله لإيران، محذرًا من أن الواقع الاجتماعي مهدد بسبب السياسات الطائفية التي تنتهجها أحزاب السلطة التي تين بالولاء لها.
وأضاف الدكتور الضاري قائلاً: إيران تهيمن على كل المشهد في العراق، ابتدأت بنفوذ، ثم بدأ يتنامى شيئًا فشيًا، وعندما أجبرت المقاومة العراقية الاحتلال على الخروج عمل كثير من السياسيين على إبقاء الاحتلال بصورة أخرى من خلال اتفاقية أمنية أو بالاشتراك في مشاريع حاولت أن تجهز على ما تبقى من مقاومة، فأفسحت المجال لإيران لتحويل نفوذها في العراق إلى هيمنة واحتلال غير معلن، والذي وصل الآن إلى احتلال معلن وواضح وصريح.
وأرجع الأمين العام سبب الهيمنة الإيرانية على العراق؛ إلى العملية السياسية ومن دافع عنها وروج لها، ومن استعجلوا قطف الثمرة بحجة قائلين: "إن العدو الأمريكي عدو زائل لكن إيران عدو غير زائل فلنساعد المحتل الأمريكي من أجل أن نقف في وجه إيران"، وإذا بهؤلاء أنفسهم الآن يقفون مع إيران ويشنون حربًا على جزء كبير من الشعب العراقي بذريعة "الإرهاب".
معركة ثقافية
وتعليقًا على ما يجري في العراق؛ قال الأمين العام إن معركة تدور قد تخفى تفاصيلها على كثيرين؛ وهي (المعركة الثقافية)؛ فالاحتلال منذ يومه الأول كان يسمي المقاومة "إرهابًا"؛ رغم أنها كانت تستهدف المحتل الأمريكي فقط وتسامت في تلك المرحلة حتى على التعرض للمتعاوين مع الاحتلال الذين يُسمّو في الأدبيات (العملاء)، ولكن حتى المقاومة والقوى المناهضة للاحتلال راعت الأوضاع السياسية المعقدة في العراق في ذلك الوقت، وتكلمت عنهم بصفة التعاون أو التعامل.. ورغم لك كانت توصف المقاومة بأنها "إرهاب".
وأبدى الدكتور الضاري استغرابه ممن يتشدقون بالمقاومة الآن، ويحاولن سرقة تاريخ وأدبيات المقاومة العراقية ونسبتها لأنفسهم؛ بانهم كانوا يعدونها "إرهابًا" وكانوا يدعون قوّات الاحتلال إلى إنهائها بأي صورة ممكنة، مؤكدًا أن التاريخ والوثائق والصحف التي كانت تصدر آنذاك والفضائيات الموجودة إلى الآن تشهد على ذلك، وهو أمر مسجل وموثق ومعروف ولا يمكن أن يُنسى مهما حاولوا إيهام الآخرين به.
ولفت الأمين العام الانتباه إلى أن المعركة الثقافية تهدف إلى قلب المعايير، وتشويه المقاصد الحقيقية، وتشويه تاريخ العراقيين، ويسعى القائمون عليها لاستهداف فئات كبيرة من الشعب العراقي بحجة وذريعة "الإرهاب"، وإلهائهم عن حاجاتهم الأساسية، والمطالبة بحقوقهم.
المجتمع الدولي يدعم الميليشيات
وفيما يتعلق بالدور الذي تمارسه الميليشيات؛ بيّن الدكتور مثنى الضاري؛ أن "الحشد الشعبي" هو ميليشيات طائفية وتكفيرية، وأفعالها قائمة على هذه الخلفية، وأن هناك محاولة للهيمنة على العراق بأكمله؛ فالقوى التي تشارك في القتال كلها ذات أصل ميليشياوي، تحظى بدعم دولي وتأييد، فهي تؤدي الواجب الذي تريده القوى الدولية والإقليمة، من قتل واغتصاب وتدمير وإبادة.
وأوضح الأمين العام أن لمعركة الحقيقة في العراق ليست مع "الإرهاب" فالعلم كله بات يعرف أنه شعار يُراد منه ترتيب أوضاع المنطقة وقطع الطريق على شعوبها، لافتًا إلى أن المجتمع الدولي لا يُعول عليه أبدًا، وأن كل ما يرد في بيانات الهيئة فهو من باب الواجب وإقامة الحجة عليه، ولإثبات أنه لا يلقي بالاً للأصوات التي تطالب برفع الظلم عن العراقيين وغيرهم.
التسوية السياسية
وردًا على سؤال البرنامج بشأن ما تعرف بـ"التسوية السياسية"؛ قال الأمين العام؛ إن هذه التسوية تفرض سقفًا معينًا؛ هو سقف العملية السياسية التي لا تمثل العراقيين جميعًا ، التي يتآمر القائمون عليها لإبقاء النازحين في العراء، وأنها مجرد مشروع يُراد منها شرعنة الواقع السياسي في العراق، مبينًا أن من أطلقها ليس بالمستوى الذي يؤهله لإطلاق "تسوية تاريخية" كما يسمونها، مؤكدًا أنه لا توجد في العراق قيادات وطنية حقيقة قادرة على طرح مبادرات تسوية.
هذا، وتناول اللقاء ملفات أخرى متنوعة، استعرض فيها الأمين العام جهود الهيئة في الجانب الإنساني، ودعم ملف النازحين، الذي يواجهون قصورًا حقيقيًا من قبل الجهات المعنية بهم.
وتحدث الدكتور الضاري أيضًا عن قضية التعويل على نتائج الانتخابات الأمريكية وما من شانه أن يلقي بضلاله على العراق والمنطقة، قبل أن يختم حديثه بتناول بعض جهود القوى الحية المناهضة للاحتلال مؤكدًا أنها ما زالت على عهدها، وهي في كل مرحلة تجدد العزم والعهد ولا تيأس ولا تقنط، رغم كل الواقع السئ الذي يحيط بالعراق.
الهيئة نت
ج
