لم يَعُد خافيا على أحد بان العراق الذي كان دولة المؤسسات في الماضي والتاريخ العريق، اضحى اليوم شبيها بدولة العصابات والمليشيات، فوجود هذه المجموعات المسلحة التي كانت محط عداء مفتعل من قبل حكومات الاحتلال المتعاقبة، تحول اليوم الى قوة تحت غطاء قانوني ورسمي في العراق الجديد.
ففي الوقت الذي يشهد العراقيون العالم اجمع سيطرة المجموعات المسلحة على العديد من المحافظات، وانهيارا دراماتيكيا لجيش قوامه المليون عنصر وتكلفة تسليحة تجاوزت عشرات المليارات، تتشكل هذه المجموعات المسلحة تحت مزاعم حفظ الارض والعِرض من المسلحين الغرباء، حيث لبي آلاف الشباب العاطلين عن العمل الدعوة التي وجهها (السيستاني) عام 2014 ليس حبا بالوطن وانما طمعا في الحصول على راتب يسد رمق عائلاتهم ولا سيما في وسط وجنوب العراق، بعد ان ازداد عدد العاطلين طرديا مع مستويات الفقر المتفاقم في هذا البلد الجريح، واذا كان عام 2014 عام المسلحين او بالاحرى (تنظيم الدولة)، فان عام 2016 هو عام مليشياوي بامتياز.
وفي هذا السياق، دعت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في احدث تقرير لها نشرته اليوم الخميس، الدول التي تزود العراق بالاسلحة الى فرض ضوابط اكثر صرامة على عمليات نقل الاسلحة وتخزينها، وذلك منعا لوصولها الى ايدي مليشيات الحشد الطائفي التي تستخدمها في ارتكاب المزيد من جرائم الحرب والانتهاكات الصارخة ضد المدنيين الابرياء.
ولفتت المنظمة في تقريرها، الانتباه الى ان هذه المليشيات التي تضم اغلبية شيعية وتعمل تحت مظلة ما يسمى الحشد الشعبي، نفذت المئات من جرائم الاعدام الوحشية خارج نطاق القضاء، كما قامت بعمليات تعذيب واختطاف طالت آلاف الرجال والفتيان .. موضحة ان هذه المليشيات واصلت استعمال طيف واسع من الاسلحة والذخائر في ارتكاب تلك الجرائم والانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني، بما في ذلك جرائم الحرب او في تسهيل ارتكابها دون ادنى خشية من العقاب.
واشارت المنظمة في التقرير الذي حمل عنوان (العراق .. غض الطرف عن تسليح مليشيات الحشد الشعبي) الى ان مخزونات هذه المليشيات تحتوي على اسلحة خفيفة وصواريخ وانظمة مدفعية ومركبات مصفحة مصنوعة في (16) بلدا، بينها امريكا وروسيا والصين وايران .. مشددة على ضرورة وضع الدول المصدرة لهذه الاسلحة الى العراق ضوابط اكثر صرامة للحيلولة دون وصولها الى الجماعات المسلحة التي ما زالت تقترف ابشع الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في هذا البلد.
واوضحت (أمنستي) في تقريرها انه منذ حزيران عام 2014، اقدمت مليشيات الحشد الطائفي على تنفيذ العشرات من جرائم الاعدام خارج نطاق القضاء، كما مارست عمليات التعذبت والاختطاف والتهجير القسري ضد آلاف الرجال والصبيان .. لافتة الانتباه الى ان تلك الميليشيات المتنفذة ما زالت تشن حملات الدهم والتفتيش التي تسفر عن اعتقال المواطنين من منازلهم او اماكن عملهم او من مخيمات النازحين او عند مرورهم بنقاط التفتيش الحكومية، حيث يتم العثور على جثث العديد منهم ملقاة في الساحات المتروكة او مكبات النفايات، فيما لا يزال مصير الآلاف من المعتقلين مجهولا بالرغم من مرور سنوات واشهر على اختطافهم.
وفيما يتعلق بعملية التسليح، اكدت المنظمة ـ المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان ـ ان المؤسسات الحكومية زودت او موّلت مليشيات الحشد الطائفي بمحتلف انواع الاسلحة، كما جرت عمليات نقل لهذه الاسلحة الى الميليشيات بموافقة مباشرة او ضمنية من السلطات الحكومية، فيما يقوم بعض قادة تلك المليشيات بشراء الاسلحة والذخائر مباشرة من ايران ومن الشركات الخاصة وبمختلف الطرق غير المشروعة أمام مرأى ومسمع الحكومة الحالية التي تغض الطرف ولا تحرك ساكنا ازاء ذلك.
من جانب آخر، رصدت مجلة (ذي اتلانتك) الامريكية في تقرير لها نشر مؤخرا، الدور الذي تقوم به فصائل ميليشيات الحشد الشعبي وعلاقة تلك الفصائل بالنظام الايراني الذي يُعد المرجع الاساسي لهذه المليشيات التي تشارك الان في العمليات العسكرية التي انطلقت ضد مدينة الموصل والمناطق المحيطة بها في السابع عشر من تشرين الاول الماضي.
واشارت المجلة الى ان الطريق الممتد بين محافظتي النجف وكربلاء جنوب العراق، يشهد الان مجموعة كبيرة من اللافتات المعلقة على أعمدة الانارة، والتي تحمل صور واسماء افراد ميلشيات الحشد الطائفي الذين قتلوا في معركة الموصل، ما يؤكد ان هذه المليشيات المدعومة ايرانيا هي التي تقود المعركة.
وازاء ما تقدم، فان عملية اختطاف الصحفية (افرح شوقي القيسي) لن تكون الاخيرة في اطار الممارسات القمعية التي تنتهجها المليشيات الاجرامية ضد المواطنين الابرياء، فبعد اقتحام منزلها وسرقة مقتنياتها وسيارتها قبل اختطافها واقتيادها الى جهة مجهولة، انضم (حيدر العبادي) رئيس الحكومة الحالية الى الذين لا حول لهم ولا قوة وطالب المختطفين باطلاق سراحها دون ان يتذكر بانه هو القائد العام للقوات المسلحة التي من واجبها الاساسي حفظ أمن البلاد وحماية المواطنين، ما يؤكد الحقيقة التي لا لبس فيها بان مقاليد امور (الدولة) بيد الميليشيات الطائفية المتنفذة وليس بيد (العبادي).
الهيئة نت
س
