تردد كلام كثير قبيل الغزو الأميركي للعراق عام 2003 عن حرب أهلية دامية تنتظر العراقيين في حال انهارت السلطة القائمة قبل الغزو، وحذر الكثيرون من تلك الصورة المخيفة التي قالوا إنها ستحل بالعراقيين فورا ولمجرد أن يجد العراقيون أنهم بلا سلطة تحكمهم، ودارت تلك الأحاديث بين الناس وإن كانت غالبيتها بأصوات منخفضة في حين لم يرغب البعض بالتحدث بصوت عال بموضوع حساس وخطير.
وبين العراقيين في الخارج واستنادا إلى ما وصلنا نحن في الداخل فإن التوقعات بهذا الخصوص قد وصلت حد القناعات الراسخة التي لا تقبل الشك، وفي الواقع، ينطلق غالبية هؤلاء من قراءات سطحية لا تستند إلى رؤى ودراسات معمقة ومتفحصة للقاع الحقيقي للمجتمع العراقي.
لكن الجميع كان ينتظر حصول الزلزال الكبير الذي قد يفقأ العيون ويرسم الغمامات ويرمي بالغبار أمام الكثيرين، وربما يكون الانفلات أكبر بكثير من الالتزام، عندها، وفي ذلك الوقت، حتى الذي يمتلئ ثقة ويقينا ويختلف مع كل تلك التصورات والطروحات اصابه شيء من القلق والخوف على أهله وبلده من احتمال أن يصل تسونامي بعد الزلزال المقبل.
ثنائية غريبة لازمت الكثير من العراقيين، خاصة الذين يعيشون هواجس الخوف من الغزو وتداعياته، وفي مقدمة تلك المخاوف الخشية من زلزال “الطائفية” التي يتحدث الكثيرون عنها، وصدرت كتب ونشرت مقالات ودراسات خارج العراق تتحدث عن حرب بل حروب عرقية وطائفية ومذهبية سيشهدها العراق بعد الصفحة العسكرية للغزو الأميركي، وراهن الكثير من الخبراء على تفكك العراق من جراء تلك الحروب التي ستنشب لا محالة بين اطياف العراقيين وعلى مختلف توجهاتهم ومشاربهم.
انشغل البعض بالتفكير في تداعيات الغزو الذي تقوده القوة الأولى والوحيدة في العالم، وكيف سيكون حال هذا البلد الذي مر بحروب مدمرة وحصار يعد الأقسى في العقود الاخيرة في العالم، في حين راح الكثيرون يفكرون بمرحلة ما بعد الزلزال الذي يشم الجميع رائحة قدومه، وازدادت التكهنات والتصورات ورسم السيناريوهات المتوقعة لعراق ما بعد الغزو في العام 2002، فقد ازداد قرع طبول الحرب في ذلك العام وبدأ كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة في ذلك الوقت يزيد من تحركاته ونشاطاته المعادية للعراق والرامية إلى حشد دولي لتأييد ودعم الحرب المقبلة على بلاد الرافدين، في حين تتحدث الدوائر الدبلوماسية وعبر قنواتها السرية عن اتخاذ قرار الحرب وما تبقى يرتبط بالتوقيتات فقط، وظهرت تسريبات تؤكد أن الحرب على العراق ستبدأ بعد الانتهاء من ملف اسلحة العراق التي شرعت مجاميع المفتشين التابعين للأم المتحدة بتدميرها في العديد من مناطق العراق.
اعتقد أن مرحلة الإعداد للغزو الأميركي- البريطاني للعراق في اذار/ مارس من العام 2003، وبعد ذلك ايام العدوان القاسية والمدمرة والصعبة التي تواصلت لثلاثة اسابيع كانت من اصعب المراحل التي عاشها الذين تخوفوا من تسونامي ما بعد الغزو الذي يستهدف تحديدا بنية المجتمع العراقي. تلك الحقبة كانت واحدة من مراحل الفتنة في العراق.
