تشهد مدينة كركوك حراك سياسي وعسكري غير مسبوق. فخلال السنوات الثلاث
الأخيرة من عمر الاحتلال الأمريكي، لم تشهد هذه المدينة أي توتر أمني مهم
باستثناء بعض الحوادث المتفرقة.
يمكن الإشارة إلى أن كركوك شهدت هدوءاً
نسبياً بالمقارنة مع باقي المحافظات العراقية. الآن، بدأت هذه المدينة تشهد
توترات أمنية وحوادث عنف كبيرة بحيث لا يمر بضعة أيام إلا وتشهد المدينة
عملية انتحارية وتفجير يذهب ضحيته أعداد كبيرة من المواطنين. تكمن أهمية
هذه التفجيرات أنه لا توجد جهة تتبنى هذه الأعمال باستثناء تعليق الحكومة
العراقية وتحديداً حكومة المحافظة الإقليمية التي تسيطر عليها أغلبية كردية
واسعة بإلقاء اللوم على هذه الأعمال كونها أعمال من صنع "الصداميين" أو
"البعثيين" وبعض فصائل المقاومة التي تتهمها الحكومة بالإرهاب. إن تحليل
هذه القضية عبر إجراء مقارنة مع العمليات المسلحة التي تقوم بها بعض
العناصر أو جماعات المقاومة المسلحة في مدن العراق الأخرى مثال الأنبار
والرمادي أو ضمن المثلث السني، نجد أن أغلب هذه العمليات تتبناها جهات
مسلحة كجيش المجاهدين، أو أنصار السنة أو كتائب العشرين أو حتى تنظيم بلاد
الرافدين التابع لتنظيم القاعدة. توحي هذه المقارنة إلى الاعتقاد أن هذه
التفجيرات من تدبير بعض الجهات الموالية أو المحسوبة على الحكومة؛ بحيث
تتجه أصابع الاتهام إلى الحكومة الإقليمية في مدينة كركوك.
يرجع الهدوء النسبي لهذه المدينة طوال السنوات الثلاث إلى أن قانون إدارة
الدولة العراقية قد وضع مصير هذه المحافظة بيد أهالي الإقليم لتحديد مصيره
في نهاية العام 2007، وعليه وقعت المدينة في مرمى مصالح الأطراف المختلفة
وأخذت تتجاذبها ساحات المعارك الانتخابية، وأصبحت ورقة ضغط بين الأطراف
وخصوصاً تلك التي تدفع باتجاه تقسيم البلاد بحسب النظام الفدرالي، طالما أن
هذا النظام يحقق مصالحها، لذا اتجهت مختلف الأطراف وتحديداً الأكراد نحو
تغيير بنية المحافظة ديموغرافياً وسياسياً واقتصادياً لأجل تحقيق هدفهم الأساس
بإدماج أو إلحاق هذه المدينة مع إقليم كردستان؛ وقد اتجهت الدعاية
الإعلامية نحو تزييف الحقائق التاريخية باعتبار أن هذه المدينة مدينة كردية
وعاصمة لإقليم كردستان طوال الحقب التاريخية القديمة، وقد تم وصفها بقدس
كردستان. على الرغم من أن الحقائق التاريخية الثابتة تستنكر هذه الادعاءات.
لم يكن مقدراً للأكراد الفئة الحاكمة في مجلس المحافظة والأغلبية العددية
في قوات الشرطة والأمن في هذه المدينة أن يحققوا مشروعهم في تغيير البنية
الديموغرافية لصالح المشروع الكردي دون وجود وضع أمني مناسب يحقق لهم ما
يصبون إليه، وهو ما يفسر الهدوء الذي شهده الإقليم خلال الفترة السابقة.
لكن الآن وبعد اقتراب موعد الاستحقاق السياسي الذي أقره قانون إدارة الدولة
والذي انعكس بوضوح في الدستور العراقي الأخير، أخذت معادلة المصالح أو
موازين المصلحة بالاختلال شيئاً فشيء بين الأطراف المتعاقدة وأعنى الشيعة
والأكراد، والذي تجلى بوضوح خلال فترة المفاوضات لتشكيل الحكومة العراقية
المركزية من خلال رفض الأكراد لترشيح مرشح الائتلاف الوطني "الشيعي" لرئاسة
مجلس الوزارة (إبراهيم الجعفري)، وكانت المدينة (كركوك) سبباً أساسياً في رفض
الأكراد لترشيح الجعفري، نظراً لتخلي الاخير عن وعوده التي قطعها للأكراد في
الحكومة الانتقالية التي أعقبت انتخابات العام يناير 2005 من تهيئة الأوضاع
لإلحاق كركوك لإقليم كردستان؛ وقد وصل الخلاف بينهم حداً رفض الجعفري فيه
بصراحة إلحاق المدينة للإقليم.
بالإضافة لذلك تنامي دور قوى الرفض داخل المدينة للإجراءات التي تتبعها
الحكومة الإقليمية وخصوصاً الجبهة التركمانية التي قدمت مشروعاً يبقي المدينة
كإقليم منفصل عن كردستان واعتبارها نموذجاً مصغر للعراق، رافضين سياسة
الحكومة الإقليمية المتبعة في تهجير سكان المحافظة، ومطالبين الأمم المتحدة
بتكليف منسقاً دولياً لمتابعة تطور الأحداث في المدينة، وهو ما قامت به
مؤخرا. في نفس الوقت ازدادت حدة التصريحات التركية الرافضة لإلحاق كركوك
بكردستان وصلت حد التصريح بالتدخل للحيلولة دون تحقيق المشروع الكردي.
أن تنامي العامل الدولي في قضية كركوك وجد فيه الأكراد أو القيادة
التركية تهديداً لمشروعهم مما استدعى التصرف لتغيير الأوضاع على الأرض،
فشهدت المدينة عدداً من الحوادث الدامية المدبرة التي دفعت قسماً من مواطني
المدينة للنزوح خارجها طلباً للأمن وتركزت هذه الحوادث في المناطق التي
يسكنها العرب (السنة) والمسيحيون تحديداً، وتشير التقارير أن ذلك يعد أمراً
مدبراً قصد منه دفع المسيحيون للنزوح خارج المدينة واللجوء إلى سهل نينوي
(الموصل) طلباً للأمان والإقامة فيها؛ وقد سهلت حكومة الإقليمية في كردستان
إجراءات إقامة هؤلاء بحيث منحتهم المساعدات والتسهيلات لبناء مساكن لهم
وتوطينهم في هذا السهل.
لم تكن هذه التهديدات والضغوط موجهة لمسيحي كركوك بل شمل مسيحيو المناطق
الجنوبية من العراق ذات الأغلبية الشيعية وبغداد، بحيث نزح قسم منهم إلى
هذا السهل طلباً للأمن والاستقرار. ويشير المحللون أن السبب في اتخاذ هذا
السهل لإقامة المسيحيون هو لتشكيل حاجز اثني طائفي يفصل مدينة كركوك وإقليم
كردستان عن محيطهما العربي (السني)، تمهيداً لفصل كركوك وإدماجها بإقليم
كردستان، وكذلك لتكون ورقة ابتزاز أوروبا المسيحية عندما تبتعد الأخيرة عن
الطموحات الكردية في المستقبل.
الإصرار الشيعي على فدرالية الجنوب والوسط مقابل الإصرار الكردي على
فدرالية الشمال
لا زال الشيعة في العراق عند مطالبهم في تشكيل إقليم الوسط والجنوب وقد
أعلن عبد العزيز الحكيم في الذكرى السنوية لمقتل اخاه أن إقليم الجنوب
والوسط أصبح جاهزاً، على الرغم من ارتفاع حدة العلاقة وتوترها بينهما (بين
القيادات الشيعية والكردية) إلا أنهما لا زال على خيارهم الأولي
بالفدرالية، طالما أنه كفيل بتحقيق وتثبيت مصالحهم في العراق الجديد مما
يقتضي الموافقة ضمنياً لذا القيادة الشيعية لإلحاق مدينة كركوك إلى إقليم
كردستان.
إن هذا الوضع يثير تساؤل مهم يتعلق بالمصلحة الشيعية من تقسيم البلاد إلى
فدراليات رغم أنهم يحكمون الآن في العراق؛ إذ أن الدعاية الشيعية طوال
العقود الفائتة وإلى الآن تركزت على كونهم أغلبية غير حاكمة تعرضت للقمع
والاضطهاد، الامر الذي يعطيهم الحق في حكم العراق في الوقت الحاضر؛ لكن
وبعد أن تحقق لهم ما يطمحون لماذا الإصرار على تقسيم البلاد إلى فدراليات
طالما أن بإمكانهم حكم العراق بأكمله؟ أين هي مصلحة شيعة العراق من تقسيم
العراق؟
يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى عدة عوامل مختلفة ومتشعبة ومتداخلة بحيث
تجعل الشيعة أو القيادة الشيعية تسعى إلى إنشاء وتثبيت إقليم الجنوب والوسط
، أولهما: الخوف من المستقبل طالما أنهم يعيشون في بيئة إقليمية (سنية)
معادية ومتقلبة أو بيئة مخالفة لعقيدتهم بحيث قد تتغير موازين القوى في
المستقبل بعيداً عن طموحاتهم. بالإضافة لمصالح دول الجوار ونفوذ أحداها
(إيران) في الجنوب العراقي الذي تجد في إنشاء إقليم الجنوب والوسط وسيلة
وغاية في آن واحد. غاية في مد النفوذ الشيعي المذهبي (القومي "الفارسي") في
إقليم طالما ادعت أنه ملكاً لها وحاولت مراراً مد نفوذها نحوه، عدا عن
المصالح الاقتصادية المتحققة من ذلك وخصوصاً أن هذا الوضع أهلها بأن تكون
أحد أبرز اللاعبين الدوليين في التحكم بعصب الحياة الغربية (النفط) ورقم لا
بد أن يحسب حسابه في أروقة المؤسسات الاقتصادية والسياسية الغربية. ووسيلة
باعتبارها ممراً نحو دول الخليج العربي وخصوصاً نحو شيعة المنطقة للتأثير على
سياسات الدول الخليجية وإثارة القلاقل أمهامها لتثبيت معادلة الردع الطائفي
مع أعداء الجمهورية الإيرانية الإسلامية وحلفاء المشروع الغربي في المنطقة،
في الوقت الذي لم تعد فيه معادلة الردع النووي التي تسعى إيران لتثبيتها
متحققة في ظل استمرار الضغوط الدولية لوقف إيران عن تخصيب اليورانيوم
وإنتاج القنبلة النووية وهو الخطر الأكبر الذي تخشى منه الدول الغربية
والعربية وخصوصاً في منطقة الخليج العربي وهو ما حاولت مرارا تحجيمه.
لذا اتجهت إيران إلى استغلال الورقة الطائفية بإثارة مشاعر الشيعة في دول
الخليج للتأثير على سياسات هذه الأنظمة الموالية للولايات المتحدة. وهو ما
اتضح جلياً في الأزمة اللبنانية الحالية التي أعطت مؤشراً لحجم التغلغل
الإيراني أو حجم المشروع الإيراني في المنطقة وهو ما أثار خفيضة بعض دول
الخليج وخصوصاً العربية السعودية.
الدار العراقية
مدينة كركوك بين الشد الداخلي والجذب الدولي - رائد فوزي احمود
