لا تزال الجرائم الوحشية التي اقترفها جيش الاحتلال الامريكي ضد المدنيين الابرياء في العراق ولا سيما في مدينة الفلوجة عالقة في الأذهان، ويتذكّر القاصي والداني ما حل بهذا البلد الجريح من فظائع فاقت كل التصورات، حيث طالت هذه الجرائم المستمرة منذ بدء الاحتلال الغاشم عام 2003 آلاف المدنيين العزّل، كما تسببت بابادة عائلات بأكملها.
ان عودة جيش الاحتلال الأمريكي الى استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً في الموصل لا يُعد حدثاً جديداً، إذ سبق له استخدامها في معركة الفلوجة الثانية عام 2004، حيث لا يزال سكان المدينة يعانون من آثار الفوسفور الأبيض حتى اليوم، وذلك من خلال ارتفاع معدّل امراض سرطان الجلد والقصبة الهوائية والمثانة والثدي والتشوهات الخلقية والعقم، كما استخدمت قوات الاحتلال المسعورة قنابل (النابالم) ضد الحرس الجمهوري العراقي في معركة مطار بغداد خلال الغزو الهمجي في آذار عام 2003 بعد استعصاء السيطرة عليه.
وفي معركة الموصل الحالية، اثبتت تقارير جديدة استخدام الجيش الأمريكي للأسلحة المحرّمة دولياً بعد ورود المعلومات عن استخدام الأمريكيين لقنابل الفوسفور الأبيض في المحورين الشمالي والشرقي للمدينة، ودخول القوات الحكومية دون قتال، حيث بث ناشطون صورا من تلك المناطق تظهر تفحم الجثث وسلخ الجلد واللحم عن العظم للبشر والحيوانات وتيبّس الأشجار والنباتات وانصهار الحديد، ما يؤكد استخدام الجيش الامريكي لتلك القنابل وقنابل أخرى محرّمة دولياً من طراز آخر.
وفي هذا السياق، نقلت الانباء الصحفية عن شهود عيان قولهم: "ان قرية (كرمليس) شرقي الموصل، والتي كانت مسرحاً لاشتباكات عنيفة بين مسلحي (تنظيم الدولة) وقوات البيشمركة الكردية، تحوّلت إلى مسرح لقنابل أمريكية حديثة ابرزها الفسفور الابيض، ما مكّن تلك القوات من دخولها دون قتال" .. مشيرين الى ان الدبابات كانت تسير في شوارع القرية بسرعة كبيرة، دون تعرضها لإطلاق رصاصة واحدة.
كما نسبت الانباء الى ضابط رفيع في البيشمركة القول: "كنت أراقب قصف الطائرات الأمريكية لقرية (كرمليس) وقريتي (بدنة الصغرى، والكبرى) المجاورتين من على جبل (زردك)، فعندما ألقت تلك الطائرات القنابل أحدثت صوتاً مدوياً ولهيباً استمر دقائق، أعقبه تصاعد عمود مائل من الدخان الأبيض له رائحة كريهة جداً" .. لافتا الانتباه الى انه تم إبلاغ قوات البيشمركة قبل ساعات من القصف بارتداء الأقنعة ضد الغازات بذريعة المخاوف من قصف (التنظيم) للمنطقة بغاز الكلور، الا انه عند انتهاء المعارك ودخول القرية تم العثور على جثث عناصر التنظيم التي كانت متفحمة.
واشارت الانباء الى ان تلك المشاهدات تكاد أن تتكرر في قرى وقصبات مجاورة تسيطر عليها القوات الحكومية أو تقع ضمن قاطع عملياته العسكرية، حيث قال العقيد (أحمد عبد السلام) أحد ضباط الجيش الحكومي: "ان الطائرات الامريكية قصفت الحي الجنوبي لمدينة (الحمدانية) بقنابل عنقودية بعد استعصاء دخوله لنحو يومين" .. مؤكدا ان انفجارات تلك القنابل التي تستمر نحو سبع دقائق، تنتشر على مساحة تصل الى كيلومتر مربع، وبعد سقوط نحو ست قنابل لا تجد القوات الحكومية اية مقاومة، ما يدل على تفحم عناصر التنظيم نتيجة سقوط تلك القنابل التي تصهر كل شيء.
بدوره، أوضح (فاضل عبد الحميد الكاكي) المتخصص بشؤون البيئة ان المشاهدات الأولية لبعض القرى التي تم استعادتها تؤكد انها تعرضت لشيء غير طبيعي، فحتى القطط والكلاب السائبة وجدت نافقة دون أي آثار لرصاص أو شظايا، كما شوهد تفحم الأشجار وحقول الذرة التي كانت عبارة عن لوحة سوداء قاتمة .. مؤكدا ان هذا لا يحصل إلا نتيجة القاء القنابل الخبيثة والاسلحة غير تقليدية المحرمة دوليا، ما يستدعي اجراء تحقيق عاجل، لا سيما ان أغلب المدن والقرى التي تعرّضت لهذا النوع من الحرق والتدمير، كانت عصية على القوات البرية ولذلك تم معالجتها جواً بهذه الطريقة الهمجية.
من جهته، كشف صحفي كردي يعمل مراسلاً ميدانياً لإحدى محطات التلفزة الغربية، النقاب عن تمكنه من دخول إحدى القرى الصغيرة في أطراف منطقة (الخازر) شرقي مدينة الموصل، واطلاعه عن كثب على آثار المعارك والقصف الذي شهدته القرية .. مشيرا الى ان المنازل في القرية تحولت إلى قطع صغيرة نتيجة القصف الشديد الذي أُستخدمت فيه قنابل أحدثت حفراً عميقة تصل إلى عدة أمتار، ما يثير القلق من تحول تلك المناطق إلى بؤر لانتشار الأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية بين أبناء هذه القرى خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا الاطار، اكدت منظمة العفو الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان امتلاكها أدلة مصورة، تثبت استخدام الطائرات الأمريكية لقذائف الفوسفور الأبيض التي القتها على قرى (كرمليسن، وقرقوش، وبرطلة) بالقرب من مدينة الموصل .. موضحة ان الفوسفور الأبيض يمكن أن يشكل خطراً مميتاً على المدنيين الفارين من جحيم القتال والقصف الجوي والبري.
وبشأن ماهية مادة الفوسفور الأبيض وآثارها على البشر، قال (عبد السلام القيسي) المتخصص في بحوث نزع أسلحة الدمار الشامل والأسلحة المحرمة دولياً: "إن الفوسفور الأبيض هو عبارة عن مادة شمعية شفافة وبيضاء ومائلة للاصفرار ولها رائحة تشبه رائحة الثوم، وتصنع من مادة الفوسفات، وعند احتراقها تتفاعل مع الأوكسجين بسرعة كبيرة محدثة ناراً ذات لهب شديد ودخاناً أبيضا كثيفاً، وفي حال تعرض منطقة ما للتلوث بالفوسفور الأبيض، فإنه يترسّب في التربة أو قاع الأنهار والبحار، وعندما يلامس جسم الإنسان يحترق الجلد واللحم وصولاً إلى العظم، كما أن استنشاق الغازات الناتجة عن احتراق الفوسفور الأبيض تؤدي إلى تدمير الجهاز التنفسي وذوبان القصبة الهوائية، ما يتسبب بوفاة الضحية اختناقاً".
الجدير بالذكر ان المادة الثالثة من اتفاقية جنيف لعام 1949 تحظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد الأهداف المدنية، كما تحد من استخدام تلك الأنواع ضد الأهداف العسكرية المتاخمة لمواقع وجود المدنيين، وينطبق ذلك على القنابل التي تسقطها الطائرات تحديداً.
الهيئة نت
م
