السعادة كل السعادة، والحياة الطيبة في الاستقامة على طاعة الله - عز وجل -، ومن ذاق عرف، ومن جرب طعم الطاعة وحلاوة الإيمان علم ذلك جيدًا!
واستمعوا معي إلى هذه الآية بتمعن، وتدبر، قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل: 97].
إذاً معادلة إيمانية: إيمان صادق + عمل صالح = حياة سعيدة طيبة!
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24] أي: لما فيه حياتكم وسعادتكم الحقيقية، ولا يكون ذلك إلا بالاستجابة لأمر الله ورسوله بل من أعرض عن ذلك فليس بحي؛ بل هو ميت وإن لبس الثياب، وركب السيارات، ومشى على الأرض !
إنها دعوة إلى عقيدة تحيي النفوس! قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾ [الأنعام: 122] أي: بالقرآن والسنة والطاعة ونور الإيمان، ثم يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [الأنعام: 122]
فهذه الروح لا بد لها من غذاء، وغذاؤها القرآن، ولذا سماه الله روحًا، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52].
ولا بد لها من نور تهتدي به وتسعد وتسمو، ولهذا وصفه الله بقوله: ﴿ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾ [المائدة: 15] ويقول تعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه: 123] قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل به أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ [الأنعام: 125]
فالمستقيم منشرح الصدر مهما كان فقره، ومهما قلَّت معيشته وموارده، فسعادته في قلبه السليم، وصدره المنشرح، وهذا يعدل الدنيا كلها بل أكثر؛ ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم عن المؤمن: «من أمسى آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (رواه الترمذي وقال حديث حسن. ووافقه الألباني في صحيح سنن الترمذي).
وهذه القناعة لا تكون إلا عند صاحب الإيمان المستقيم على شرع الرحمن؛ بخلاف غيره صاحب الجشع والطمع، ولهذا أهل الاستقامة يعيشون في نعمة عظيمة وسعادة جليلة يعبر أحدهم عنها بقوله: «نحن في نعمة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف ويقول الآخر: «لئن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه، إنهم لفي خير عظيم «روضة المحبين، والمدارج». لابن القيم رحمه الله.
أيها المؤمنون:
من استقام على طاعة الله حفظه الله في الدنيا والآخرة، وحفظ أهله وذريته وماله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك) (رواه الترمذي وغيره انظر: صحيح الترمذي ، وانظر صحيح الجامع).
احفظ الله بالتزام شرعه وأوامره والاستقامة على دينه، يحفظك في الدنيا والآخرة ويحفظ أهلك وذريتك ومالك؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ [الحج: 38].
وقال في الحديث القدسي: ( من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ). [رواه البخاري] وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى الفجر فهو في ذمة الله) [رواه مسلم] وفي رواية: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله) (صحيح الترغيب والترهيب) فأي جوائز أعظم من هذا؟!
وكم وكم من الصالحين من حفظ الله له جوارحه وأعضاءه في كبره؛ لأنه حفظها في الصغر عن المحارم.
وكم قال بعضهم - وقد تجاوز المائة من عمره، وهو نشيط في عقله وبدنه؛ حتى قفز ذات مرة من السفينة قفزة لا يستطيعها الشباب: ( تلك جوارح حفظناها في الصغر؛ فحفظها الله لنا في الكبر) (قالها الإمام أبو الطيب الطبري الشافعي).
والجزاء من جنس العمل: «اعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به» (جزء من حديث رواه الحاكم وصححه الذهبي وغيره عن سهل بن سعد من كلام جبريل عليه السلام لمحمد صلى الله عليه وسلم، وانظر: الصحيحة ، وصحيح الجامع).
وأما حفظ المال والولد والذرية فيكفي فيها قوله تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9] فليس عليهم الرّزق ولا التكفل بهم، وإنما تقوى الله والقول السديد المستقيم الذي هو علامة للقلب والإيمان المستقيم كما تقدم.
ولعلك - أخي المستمع - تحفظ أو تقرأ سورة الكهف خاصة يوم الجمعة؛ فتقرأ فيها حفظ الله لكنز الرجل الذي تحت الجدار، وذلك بإرسال العبد الصالح الخضر- عليه السلام - لبناء الجدار ليحفظ الله كنز الرجل وماله لأولاده من بعده.
فما هو السبب بعد فضل الله ؟ قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: 82].
إذًاً صلاح الأب كان سببًا في حفظ المال لأولاده، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما صحَّ عنه؛ فلا تأمينات على الحياة أو العقار أو الأولاد، ولا وضع للمال في البنوك الربوية بحجة الخوف على مستقبل الأولاد، ولا تضييع للصلوات والطاعات والانشغال عنها بالعقارات والبيع والشراء للحجة السابقة؛ لأن الله يرزقك إياهم والعاقبة للتقوى، جعلنا الله من المتقين المستقيمين على شرعه، وصدق الله العظيم الذي يقول: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132].
ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16] أي لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها لأسقيناهم ماءً غدقًا؛ أي كثيرًا، والمراد بذلك سعة الرزق (انظر: تفسير ابن كثير) والمقصود بالاستقامة الطاعة والإسلام وطريق الحق كما قال أئمة التفسير.
عباد الله، من أراد البشارة ومغفرة الذنوب وحسن الخاتمة عند الوفاة والممات؛ فعليه بالاستقامة ولزوم طاعة الله في كل وقت وحين؛ فالفاجر والفاسق والكافر يكون نزع روحه شديد، كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم كنزع الشوك من الصوف المبلول، وسكرات الموت عليه عظيمة، تبشره الملائكة بالعذاب فيجتمع عليه الأذى والعذاب الحسي والمعنوي (كما في حديث البراء ابن عازب الصحيح الذي رواه أحمد في المسند وصححه الذهبي وابن القيم والألباني).
أما المستقيم على شرع الله ، فتأتيه الملائكة أن لا تحزن على ما مضى ولا تحزن على أولادك وأهلك ومالك، فالله سيحفظهم؛ ولا تخف على ما يأتيك ويستقبلك من أحوال سواء في القبر أو بعده، ثم تبشره بجنة عرضة السماوات والأرض (كما في حديث البراء السابق) فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين !! وتخبره أن له ما يشتهي ويريد فيها؛ لأن الله وعده بذلك.
وكل هذا كرم وفضل وضيافة من الله الغفور الرحيم، وتأمل معي قوله تعالى في وصف هذا المشهد العظيم، الذي يأخذ بمجامع القلوب، ويلين القلب القاسي، ويهد ويحطم الجبال الرواسي: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [فصلت: 30، 31].
معاشر المسلمين، هنيئاً لكم المرور السريع على الصراط يا من استقمتم على طاعة ربكم، والصراط المنصوب يوم القيامة على جسر جهنم أدق من الشعرة، وأحدُّ من السيف؛ فمن الناس من يمر عليه كالبرق، ومنهم كالفرس السريع، ومنهم من يمر عدوا ومنهم هرولة، ومنهم من يمشي، ومنهم من يحبو، ومنهم من تتخطفه الكلاليب ذات اليمين والشمال؛ كلاليب كشوك السعدان فتقذفه في جهنم - عياذًا بالله - نسأل الله السلامة والنجاة من النار (جزء من حديث طويل متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم).
ولكن المستقيمين شأنهم آخر... سلكوا صراط ربهم المستقيم، واتبعوه، وامتثلوا قول الله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153].
فسيكون مرورهم - بإذن ربهم - على الصراط مرور الكرام كالبرق ونحوه، على قدر استقامتهم، والجزاء من جنس العمل، كما تدين تدان، اعمل ما شئت فإنك مجزي به؛ فلله صراطان: معنوي في الدنيا، والصراط المستقيم في الآخرة... من سلك الأول وثبت عليه سهل الله مروره على الثاني يوم القيامة، كما قال السلف، ونقله ابن القيم - رحمه الله تعالى ولهذا قال - صلى الله عليه وآله وسلم: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتعوجوا، وداع يدعو فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال له: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم» (رواه أحمد وغيره عن النواس بن سمعان صحيح الجامع).
أيها المؤمنون الفضلاء: إنه الفوز بالجنان، وما أدراكم ما الفوز، وما أدراكم ما الجنان!
وبعض الناس يخاف أن يفوته شيء من متاع الدنيا؛ متاع الغرور من منصب، أو جاه، أو مال، أو ولد، ونحو ذلك، فيذهب وقته وجهده، بل وعمره، للحصول على شيء منها وهي لا تعدل عند الله جناح بعوضة !! كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) (انظر: صحيح الجامع والصحيحة).
فنذكر أنفسنا وهؤلاء الذين يخافون فوات مثل هذه الأمور بسبب استقامتهم بقوله تعالى - مبينًا معنى الفوز العظيم -: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185].
ومهما كان العبد المستقيم في ضنك، وشدة، وضيق؛ بل لو عاش حياته كلها في ظاهرها الشقاء المادي؛ من قلة في المال والرزق والولد ونحوه؛ بل حتى لو عُذَّبَ واضطهد وسجن وقتل وشرد، فإن غمسه في الجنة تنسيه كل ما فات!
قال صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا من أهل الجنة فيقول: اصبغوه صبغة في الجنة، فيصبغونه فيها صبغة، فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم: هل رأيت بؤسًا قط أو شيئًا تكرهه؟ فيقول: لا وعزتك، ما رأيت شيئًا أكرهه قط، ثم يؤتى بأنعم الناس كان في الدنيا من أهل النار فيقول: اصبغوه فيها صبغة ، فيقول: يا ابن آدم: هل رأيت خيرًا قط، قرة عين قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت خيرًا قط، ولا قرة عين قط) (الحديث أصله في صحيح مسلم عن أنس - رضي الله عنه -، انظر: «مختصر مسلم» بلفظ آخر مقارب، وهذه الرواية من السلسلة الصحيحة).
فإذا كانت غمسة واحدة في الجنة تكفي لإزالة كل ما عاشه من هم وضيق وشدة وفقر، فكيف بالخلود فيها؟ بل كيف برؤية الله - عز وجل - التي هي أغلى وأعز ما في الجنة ؟! نسأل الله من فضله؛ فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه تلا قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26] قال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويُجرنا من النار ؟! قال: فيكشف عنهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر أعينهم) (رواه مسلم في صحيحه).
والآن - أيها الإخوة الأجلاء - متّعوا ناظريكم وشنف مسامعكم بتلاوة وتدبر هذه الآية الكريمة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأحقاف: 13، 14].
فيا لها من بشارة، ويا له من نعيم من رب كريم، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.(...)
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
السعادة لمن استقام على العبادة ... ياسر عبدالله
