تناقلت وكالات الأنباء صور مجموعة من الأطفال العراقيين الضاحكين، بالغي السعادة، مع رجال ونساء أكثر سعادة وابتهاجا، يكادون يطيرون فرحا وهم يحيطون بسيارة اطفاء، تشبه لعب الأطفال في نظافتها، ولونها الأحمر الزاهي.
تمثل الصورة، لمن يراها للوهلة الاولى، لحظة يتماهى فيها الناظر مع سعادة الاطفال وآبائهم، ويتشبث باللحظة كلمحة من الامل المضيء خارج العتمة المحيطة بالعراق، خاصة وانها تمس الاطفال، المعرضين اكثر من غيرهم لآثار المحنة، هذا هو الانطباع الاولي الذي تتركه الصورة، وهو بالضبط الانطباع المراد ايصاله إلى الناظر، قبل قراءة أسطر الخبر الملحق وتفكيك الصورة.
يقول الخبر إن السفارة الأمريكية، ببغداد، استضافت، مؤخراً، احتفالاً «للأطفال النازحين القادمين من ثلاثة مخيمات مختلفة للنازحين في بغداد.
وقد صعد الأطفال في عربة الاطفاء، وقاموا بعمل بعض الفنون والأعمال اليدوية، وتسلوا بألعاب مختلفة مع موظفي السفارة تلاها مأدبة غداء خاصة، وقال أحد الأطفال وهم يغادرون مبنى السفارة «أنا أحب أمريكا» وقال آخر «الشيء المفضل لدي الذي فعلناه اليوم، كان كل شي».
وينتهي الخبر بالتأكيد على بقاء أمريكا «ملتزمة بمساعدة القوات العراقية في إعادة السيطرة على المدن العراقية وتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة كي يتمكن هؤلاء الأطفال وأسرهم من العودة بأمان إلى منازلهم والمساعدة في بناء مستقبل مشرق للعراق»، يصاحب الخبر الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعي صورة أخرى بخط يد طفل تقول «انا أحب أمريكا».
تخاطب الصور المرافقة للخبر الحس الانساني للناظر المتعطش للحظة سعادة للأطفال، واستخدام الأطفال هو الأكثر نجاحا، كما هو معروف، في مجال الترويج والإعلام الدعائي.
لذلك نرى شيوع صور الساسة والحكام، حتى الأكثر دموية منهم، وهم يقبلون أو يحتضنون الأطفال، فللطفل قيمة إعلانية ـ دعائية مضمونة النجاح تقريبا ما لم يكن المتلقي واعيا بالرسالة التي يراد ايصاله.
إن جوهر رسالة السفارة الأمريكية المؤكدة بالصور، وهي أكبر حجما بكثير من الخبر نفسه، وهنا تأتي أولوية الصورة على الخبر وإمكانية التلاعب بها، هو أن أمريكا، أولا: راعية انسانية للأطفال، متمثلا بدعوتها للأطفال وتسليتهم. ثانيا: إنها تقوم بمهمة انسانية، على غرار عمل المنظمات الدولية، لمساعدة النازحين متمثلا بدعوتها لأطفال نازحين. ثالثا: أن السفارة مكان عادي يمكن استخدامه كملعب وروضة للأطفال وان موظفيها سعداء بإدارة ورشات رسم لهم. رابعا: ان وجود القوات الأمريكية هو للمساعدة في اعادة الأطفال وأسرهم إلى بيوتهم وبناء المستقبل. فقط لا غير.
ما لا تقوله الصورة «السعيدة» هو ان السفارة الأمريكية هي الاكبر مساحة، والاكثر طاقما، وتجهيزا، وحصانة عسكرية في العالم. انها مسورة بطبقات أمنية تعزلها حتى عن بقية المنطقة الخضراء، المعروفة هي الاخرى، بكثرة تحصيناتها. أي انها ليست سفارة عادية حتى بمقياس السفارات الأمريكية في بقية ارجاء العالم. وان من بين موظفيها، بالإضافة إلى الدبلوماسيين، عملاء لجهاز المخابرات ومنفذي مهام خاصة ومستخدمي شركات امنية خاصة (مرتزقة). وان سيارة الاطفاء الصقيلة، الظاهرة بالصورة، لا تخرج لإنقاذ الضحايا خارج المنطقة الخضراء.
إن أمريكا ليست منظمة انسانية هدفها انقاذ الاطفال وبناء مستقبل العراق. من هذا المنظور تتوجب قراءة دعوتها للأطفال النازحين وتقديم وجبة طعام لهم. انها فرصة لالتقاط الصور الدعائية، الإعلامية، وغسل يد أمريكا، بواسطة اطفالنا، من مسؤولية ما جرى ويجري في البلاد، مستهينة بالشعب وكأنه لا يعيش واقعا مريرا، يتذوقه، بحياة اطفاله، المهددة في كل دقيقة من نهاره، وفي مستقبلهم الذي يخسرونه مع كل يوم يغيبون فيه عن مدارسهم. ولعل التضليل الأكبر هو الادعاء الأمريكي، المتداول كـ «كليشه» جاهزة، بأن النزوح القسري ووجود، حسب اليونسيف، «حوالي 4,7 مليون طفل تأثر مباشرة بالنزاع في عموم العراق، و3,5 مليون طفل خارج المدرسة»، هو جراء احتلال التنظيم للموصل عام 2014، وليس حصيلة الإرهاب الأمريكي – البريطاني، أيضا، منذ غزو البلد واحتلاله، عام 2003، بذرائع كاذبة، وتنصيب حكومات طائفية فاسدة تتسابق على ارتقاء سلم الدول الاكثر فسادا بالعالم، ويغذيها كارتيل التسليح العسكري، كما يغذي المنظمات الإرهابية.
تحاول ماكنة الإعلام الأمريكي، منذ عودة القوات العسكرية إلى العراق بحجة قتال تنظيم الدولة، استعادة دورها الإعلامي والمجتمع مدني، الذي خسرته مؤقتا إثر انسحاب القوات عام 2011 والغاء حوالي 2000 تمويل لمنظمات وبرامج تستهدف النساء والشباب ضمن استراتيجية « القوة الناعمة». احد مظاهر هذه العودة هو نشر اخبار «سارة» عن نشاطات السفارة «الانسانية» تجاه الاطفال والشباب، يصاحبها تهليل إعلامي حكومي، خاصة مع عدم العمل بجد على اعادة النازحين إلى بيوتهم وتدهور اوضاعهم، اذ ان «استجابة السلطات العراقية لمساعدة النازحين غير كافية على نحو فظيع، كما تجاهلت غالبية دول العالم محنتهم على نحو كبير»، كما صرحت دوناتيلا روفيرا، كبيرة مستشاري الاستجابة للأزمات في منظمة العفو الدولية.
هل تفكيك صورة السفارة الأمريكية تعني اننا لا نريد السعادة لأطفالنا؟ لا أظن ذلك. انها تعني اننا بحاجة إلى رؤية الصورة كاملة، وان الجرائم التي ارتكبتها أمريكا بحق اطفال العراق، بدءا من تيتيمهم واستخدام اليورانيوم المنضب والفسفور الابيض، وما نتج عنها من امراض وتشوهات تنتشر في طول البلاد وعرضها، وتشدق الجنرال الأمريكي ستيفن تاونسند «بأن التحالف الدولي قام بتنفيذ اكثر من 2100 ضربة جوية و مدفعية وقذائف هاون وصواريخ راجمات وصواريخ هيل فاير، منذ 17 تشرين الأول/اكتوبر» على محافظة نينوى المكتظة بالسكان، ستحتاج إلى ما هو اكثر بكثير من توفير وجبة غذاء لأطفال نازحين مع موظفي السفارة الأمريكية، والتقاط الصور مع سيارة اطفاء، لننساها.
